عبد الله الشيخ  خط الاستواء   نمت الدولة فى السودان بماء التصوف القدسي على أشلاء التنظيم القبلي، الآخذ في التصدع تحت ايقاع الهجرة العربية الوافدة . و كان الانتساب للثقافة العربية الاسلامية فاتحة لادعاء ان الشريعة قد طبقت كاملة في سلطنة سنار، ومن بعدها في دولة المهدية، وفي عهد الانقاذ!

والحقيقة ان الشريعة كما دونها الفقهاء، لم تجد حظاً من التطبيق في أية مرحلة من مراحل التاريخ، لا سيما وان الانظمة الوطنية ليست وحدها في ادعاء القداسة باسم الشريعة، فحتى الحكام الاتراك، وحتى كتشنر،، كانوا على دعوى تمثيل الخلافة العثمانية!  إن جوهر الأمر هو امتطاء القداسة لكسب الشرعية السياسية واتخاذها مسوغاً لقمع الآخر ومدعاة لتميز القادة واشياعهم، في تخليط متجاوز بين العقدي والاثني.

ان ديناميكية الحراك الاجتماعي في السودان، ظل لقرون طويلة يتخذ من القداسة والعنف أداتين في ميدان السياسة، فالتركية غزو تسربل بالقداسة لقطع مسيرة التطور الداخلي – الصوفي – ودفع بمجتمع السودان قسراً إلى مناخات الرأسمالية دون اكتمال  شروط الانتقال، والمهدية كانت قسراً صبَّ الولاءات الاجتماعية والروحية في قالب واحد، اذ طلبت الغد بتبني الماضي، محتمية بالقداسة دون برمجة لذلك التمثل.

وكذلك فعلت دولة الاخوان، و التى عنَّفت بالناس تحت شعار “الاسلام هو الحل”، دون أن تطبق ذلك الشعار.. ويعترف غازي صلاح الدين بهذه الحقيقة فى كتابه “رؤية معاصرة لنظام السياسة الشرعية، المركز القومي للانتاج الاعلامي، الخرطوم/ سبتمبر 1995، ص14” حيث يقول: ان الحركة الاسلامية اصطدمت في الواقع بمعطيات تناقض المثال الذي تتبناه.

   كان العنف وكانت القداسة، سمتان متلازمتان لأنظمة الحكم في السودان طيلة خمسة قرون! أي منذ القرن السادس عشر وحتى الألفية الثالثة.. و خلال هذه السنوات الطويلة  ترفع الدولة شعارات تبني الشريعة ولا تطبقها!

 و كل مرحلة من مراحل التطور، تمثل أرضية للانطلاق نحو مرحلة جديدة وفكرة جديدة. واسهامات اهل الفكر تبدو كالمداميك في عمارة التراث الانساني، وتعلو قمة الهرم كلما كانت قاعدته اضخم واعرض..ولقد ارتبط تطور المجتمع البشري بتطور انماط الانتاج المادي من عصر المشاعية البدائية إلى عصر العلاقات العبودية، إلى عصر الاقطاع، فالرأسمالية، فالاشتراكية، إلى عصر الشيوعية العالمية..هذه هي مراحل التطور الاجتماعي في الماركسية، وهي فكر له اثره الكبير على اسهامات مفكري الغرب الرأسمالي، حيث تقرأ تحقيقاً موازياً للتحقيب الماركسي على نحو أن الشعوب تتطور من مرحلة التوحش إلى البدائية، فتكون شعوباً متخلفة، ثم نامية ثم متحضرة.. هذا التوازي بين الماركسية والرأسمالية هو نتاج قسمتهما المشتركة من المركزية الأوربية. و نظرية المراحل بشقيها هنا، على اختلاف الرؤى والتفاسير بشأنها، تتيح تحليل الماضي وتحسس القوى الاجتماعية الفاعلة فيه، بالرغم من اغفالها لأثر الروحانية والميتافيزيقيا على الارادة البشرية كأحد محفزات الابداع.

فى  السودان ، وفى مرحلة  نشوء الدولة، حوصرت القبيلة بعد أن كانت الوحدة الاجتماعية الرئيسة الناتجة عن التمازج العرقي والثقافي بين العرب والأجناس المحلية. ثم ضاقت مواعين القبيلة عن استيعاب حاجة النسيج الاجتماعي والثقافي الجديد، فكانت الطريقة الصوفية هي الوريث، الذي بدأ استلاب الطريقة للقبيلة عبر تهافت الكيانات القبلية في ادعاء النسب والولاء للطريقة القادرية.

كان  الفخر بالدين هو جرثومة فناء الاعتداد العرقي، الى أن غدت الطريقة هي الوعاء الاجتماعي التاريخي المتسع لنمو السلطنة، والتي نسميها مجازاً بـ “الدولة” بحكم مآل التطور فيها، اذ إن الدولة يتتابع تطورها التدريجي “على حساب التنظيم القبلي وتفكك أوصاله.   

كانت النزعة إلى التوحد، وتمثل النسبة العربية الاسلامية هي أهم ما اجمع عليه الرأي العام فى بدايات نشأة الدولة السودانية، و على هذا  نشأت الدولة فى مجتمعهنا على أس اثني عقدي.

من هنا اصيبت السلطة عندنا بالغشامة، وبمتلازمة القداسة والعنف!!