محمد محمود الأستاذ حيدر إبراهيم علي من المفكّرين والمثقفين السودانيين القلائل الذين تميّزوا بتواصل العطاء وانتظامه وبتنوّع الاهتمامات وسعتها وبعمق النظر وحدّته وباتساق المواقف الدائمة الانحياز لقيم الحرية والعدالة. ومما يُحمد للأستاذ حيدر انتباهه المبكر لخطر الاسلام في تجليه السياسي، ودراسته أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجا (1991) كانت دراسة رائدة في تحليل  أزمة السياسة عندما تخضع لهيمنة الدين ورؤيته الأحادية

ولقد تواصل مجهوده التشريحي هذا في كتاب أعُدّه من أهم ما صدر عن أزمة الإسلام كتجلٍّ سياسي وهو كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في عام 1996. ومما يُحمد للأستاذ حيدر أيضا أنه من المثقفين السودانيين القلائل الذين لم يزعزعهم الإرهاب الفكري للحركة الإسلامية فكتب مدافعا عن العلمانية كشرط لابد منه للاستنارة والديمقراطية. ومما يُحمد للأستاذ حيدر علاوة على ذلك ربطه لمشروعه الفكري بتأسيس مركز لإشاعة القدرة على طرح الأسئلة والعمل المنتظم والدؤوب للبحث عن إجابات وبدائل فكان مركز الدراسات السودانية صرحا عاليا قدّم إنجازات لا تُضاهى حتى الآن، ولا نشك أن رسالته ستتواصل رغم محاولات النظام لكبته وكبت باقي فعاليات الحياة الفكرية والمجتمع المدني.

          ولمعرفتي بأن الأستاذ حيدر تؤرقه مسائل الفكر وأن بصره معلّق بها دائما حتى وإن تكالبت عليه باقي المشاغل (خاصة مشاغل ما وصفه بـ “العالم السفلي للسياسة السودانية الأقرب لجحيم (دانتي) في الكوميديا الإلهية”)، لم استغرب البتّه عندما تداخل ليكتب مقاله الطويل ذا الحلقات الثلاثة والمعنون “في سؤال العقل في الفكر السوداني” عن بعض القضايا التي أثارها كتابي نبوة محمد: التاريخ والصناعة، مدخل لقراءة نقدية. ولقد كان مقال الأستاذ حيدر، كعادته، مقالا متفكّرا ومتأمّلا، وفتّح قضايا نحتاج في السودان وفي العالمين العربي والإسلامي لطرحها ومناقشتها مناقشة تفصيلية. وأحْمَدُ للأستاذ حيدر حرصه على أن يدور الحوار والنقاش في هذه القضايا بحرية وفي مستوى رفيع لا يهبط لإسفاف الجو الفكري الذي صنعه الإرهاب الفكري في بلادنا وحكم علينا أن نكون في مؤخرة الشعوب بمقياس حرية الفكر وإنتاج المعرفة مما جعلنا نعيش، كما يقول “الخمسة قرون الاخيرة خارج التاريخ”. هذا الحرص خليق بالأستاذ حيدر وبالمدرسة الفكرية التي ينتمي لها. وفي الغالب أن من ينتمون لما يصفه بـ “ثقافة الهتر والاسفاف والبلطجة الفكرية” لن يعبأوا بما يقول، إلا أن المطلوب دائما هو الارتفاع لمستوى ما تفرضه المسئولية الفكرية، خاصة عندما ينبري الإنسان لمعالجة قضايا الإسلام التي أصبحت محاطة بكل أشكال الرقابة والتحريم والتجريم والعنف اللفظي والفعلي.  

          ولقد كان مدخلُ الأستاذ حيدر طرحَ مسألة منهجية: هل يمكننا معالجة الدين بوسائل تبدو أنها من خارجه، وخاصة وسيلة الفلسفة؟ ولقد قال في معرض رده على موقفي وعلى ما كتبه السيد خالد موسى عن كتابي: “يقع الإخوة ( محمد احمد محمود) و(خالد موسى دفع الله) في خطأ منهجي شائع في مثل هذه النقاشات الفكرية؛ وهو نقاش الدين والعقيدة بأدوات ومناهج العلم والفلسفة. وهذا اشبه بأن  يتحاور إثنان،يتحدث أحدهم بالصينية والآخر بالاغريقية (أو حوار الصم). فالمعرفة أو التجربة الدينية أداتها الذوق والحدس،وليس النظر والعقل.” ويؤمّن الأستاذ حيدر على ملاحظة السيد مهدي فضل الله الذي يقول إن هناك فرقا كبيرا بين الفلسفة والعقيدة في منطقهما ومنهجهما وأسلوبهما، وأنه: “من الخطأ أن نخلط بينهما. فالفلسفة والعقيدة،عالمان غريبان عن بعضهما البعض، ولا يمكن أن يلتقيا علي الإطلاق، لأنه لا علاقة جامعة بين الاثنين.”

          تعجبني إثارة الأستاذ حيدر لهذه المسألة لأنها مسألة كان لابد لي من التفكير فيها ومواجهة إشكاليتها أثناء معالجتي لمادة السيرة. والأستاذ حيدر يثير في واقع الأمر مسألتين: فعندما يتحدّث عن التجربة والذوق فإنه يتحدّث عن الجانب النفسي للتجربة الدينية وعندما يتحدّث عن الحَدْس فهو يشير للجانب المعرفي أو الجانب الذي يولّد “النظام الاعتقادي” للدين، وهذا الجانب المعرفي هو ما ركّز عليه السيد فضل الله في مقارنته بين المشروع الفلسفي والمشروع الديني. وفي مواجهتي لهذين المستويين قررت أن المنهج الأسلم في التعامل مع تجربة محمد النفسية هو الاقتصار على الجانب الوصفي، وهو ما عالجته في الحديث عن “اللحظة التأسيسية” و”اللحظة النبوية”، لأن التجربة النفسية لكل شخص تجربة ذاتية ومتفرّدة وغير قابلة للتكرّر ومن الصعب أن نلج عالمها الداخلي. ورغم أنني قررتُ أن اقتصر على الجانب الوصفي في الحديث عن تجربة محمد، إلا أن هذا لا يعني أن مثل هذا التجارب لن تخضع لتحليل عالم النفس الذي من الممكن أن يحاول الغوص تحت سطحها الوصفي ليصل لما يصل إليه من استبصارات ونتائج. وبالمقابل فقد انتهجت نهجا مختلفا في التعامل مع مادة “النظام الاعتقادي”، إذ أن هذه المادة ذات طبيعة موضوعية وهي هي موضوع الدعوة كمشروع هداية وإعادة صياغة للفرد والمجتمع. وبذا فإننا في حالة هذه المادة نستطيع أن نتعدى الإجراء الوصفي لإجراء تقييمي. وفي هذا المستوى وعندما يحدّثك الدين عن الإله وتاريخه وصفاته وأعماله أو يحدّثك عن الإنسان وعما إن كان مسيّرا أم مخيّرا فإن الدين يصبح فلسفة — والدين في واقع الأمر، وعلى مستوى معين، هو فلسفة الأنبياء. وهكذا وعند النظر الدقيق فإننا نجد أن تفريقنا بين العقل والنقل أو بين معارف العقل ومعارف ما يوصف بالوحي هو تفريق إجرائي فقط، إذ أن كل معارفنا ومعتقداتنا هي نتاج العقل وقواه المختلفة أو ذلك المجموع الكلي الذي نسميه الوعي. إن التراث الديني قد حاول التميّز عن التراث العقلي المألوف بالحديث عن عوالم الغيب التي تمتليء بكائنات مثل الملائكة والشياطين والجن والعفاريت ولكن هذه العوالم هي أيضا عوالم خلقها العقل عبر مَلَكة الخيال (وأخذها الأنبياء في الغالب عن مجتمعاتهم)، وهي عوالم تخضع في واقع الأمر لصور نستطيع أن نعقِلها وهكذا نستطيع تمثيلها في حكاياتنا وفنوننا. إن وافقنا على هذه النظرة فإن الفصل الذي يقترحه السيد فضل الله والذي يحيل الفلسفة والعقيدة لعالمين غريبين عن بعضهما البعض يصبح فصلا تعسفيا لا مكان له إن أردنا فهم الدين. هذا هو الأساس الذي من الممكن أن يسوّغ إخضاعنا للظاهرة الدينية (أو لظاهرة مثل النبوة) للدراسة المنهجية التي تحلّل الدين وتفكّكه على مستوى نظامه الاعتقادي وعلى مستوى المؤسسات التي تتولّد عن هذه البنية الاعتقادية.


(*) محمد محمود أستاذ سابق في كلية الآداب بجامعة الخرطوم ومؤسس ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.  

 

kassalawi99@hotmail.com