فائز السليك صديقتي الجميلة استيلا قايتانو، أو البنت المجنونة كما أحب أن أسميها، أو البقرة كما تحب هي أن أناديها، وقصة البقرة معروفة، وروتها هي بنفسها،وهي مرتبطة بتقاليد وعادات بعض القابائل في الجنوب المرتبطة بمهر الزواج، وكتبت ذات يوم أنها سمعت أحدهم يتحدث باحدى لغات السودانيين في الجنوب عن أن مهر هذه الفتاة القصيرة لا يساوي سوى بقرة واحدة لمن يريد أن يتزوجها.

هذه الاستيلا، محبة للسودان ( من نمولي لي حلفا)، لأنها ولدت في الخرطوم، وتربت بين أهل الشمال، لكنها في ذات الوقت تعتد بأصولها اللاتوكية، وهو ما يتضح في قصصها القصيرة، وفي كتاباتها الصحفية المفعمة بحب المهمشين ، والتي تحمل نكهة الأناناس، وهو طازج في سوق كونجوكنجو. أو ( كستم) ذات خريف استوائي .

واستيلا ظلت تكتب بحبر من دم، وتخط أحرفاً موجعة، فتبكي كل الأصدقاء، أصدقاء الحرف وأصدقاء الوطن، وأصدقاء الإنسانية، لأن نزفها صادق، وآخر ما ما أبكت الناس به  مقالها الساخر( بعد ما بقيت أجنبية)، وهو مواصلة لمقال كتبته قبل عامين ( قبل ما أبقى أجنبية)، وهي حالة تستحق أن تكون سيناريو لقصة إنسانية مؤثرة، قصة إنسان ممزق في الإنتماء لوطنين، ولد هنا، وتزوج، وأنجب اثنين،  ويحمل  من هذا الأصل، ومن ذاك الفرع أجمل الصفات،  إلا أنها حين تأتي إلى ( وطنها الأصل ) لا تدخل إلا بجواز سفر أجنبي، وتقف في صف الأجانب،  بينما يقف ولداها الصغيران  في صفوف السودانين، وهو ما يحصل لولديها حين تسافر إلى  جوبا، يدخلان بجواز سفر أجنبي وتأشيرة، ويقفان في صفوف الأجانب!  لكن ذات الوطن الأصل يمنح جنسيته للاعب كرة قدم فاشل، ( وماسورة )،  لكنه ينتزعها من مواطن سوداني، مثل جمعة جينارو، أو ممن كان قائداً للمنتخب الوطني مثل ريتشارد جاستن،  مع أنه متزوج من الشمال ، وينطلق عليه ما ينطبق على الصديقة استيلا، أوتنتزع الجنسية من  كاتب، وممثقف  في قامة فرانسيس دينق، أو  استيلا،، والتي إلى عهد قريب كانت عضواً في اتحاد الكتاب السودانيين!.

  وربما دبلوماسيةً منها، وتحاشياً للخوض في شأن وطن (آخر)،  لم تذكر استيلا حقائق أخرى، وهي أن معظم السودانيين الآن هم (أجانب)، فالبعض منا لا يستطيع العودة إلى الوطن، لأنهم سوف يتحول إلى (أسير) ،بعد أن يعتقلونه من داخل الطائرة، لا صالة المطار، وهذه الأخيرة قمة الاستبداد، ؛ مثلما حصل مع الشيخ يوسف الكودة، حيث اعتقلوه من داخل الطائرة المصرية!، وقد حاولوها قبل سنوات مع الفنان الراحل محمد وردي ، وهو طريقه إلى أديس أبابا على متن طائرة الخطوط الجوية الأثيوبية، لكن طاقم الطائرة رفض الإهانة، ورفض إنزال راكب من داخل طائرته، والتي هي أرضه، مثلها مثل أي سفارة أجنبية لا يمكن للسلطات إقتحامها. لكنهم فعلوها مع طائرة الخطوط المصرية.

والبعض منا سجين بين أسوار طويلة، وفي سجن كبير، لا يستطيع الخروج منه، وكم  منعوهم من السفر!/ يجهزون حقائبهم، ويكملون كل الإجراءات التي تحمل الأختام، من تأشيرات خروج، ودخول، واستيفاء شروط التأشيرة، وخدمة إلزامية عسكرية، بعد أن يكون دفع مبالغاً طائلة، يمر، ويجهز نفسه نفسيا، وذهنياً للسفر للراحة، أو الإجازة، أو العمل، أو الاستشفاء، لكن، ومن داخل الصالة، وبلا أي قانون، وبلا  اوراق، يخرج أحد الجواسيس الصغار، ويمسك بجواز سفرك، ويخبرك أن ممنوع من السفر، وإذا سألت يرد عليك ( لا علم لي، لكن راجع مكاتب الأمن ، قد تكون مطابقة أسماء)!.ويمثل لك دور الولد البرئ، والمثالي، وربما يعتذر لك اعتذاراً يزيدك مزيداً من الحنق.

والآن يا صديقتي؛ مئات الآلاف  أسرى  في معسكرات النزوح، لا تصلهم اغاثة، يعانون الحصار في سياق سياسة استخدام الطعام كسلاح، كي يقضوا نحبهم ، لأنهم غير مرغوب فيهم، بسبب لون بشرتهم الذي لا يعجب المسؤوليين الباحثين عن نقاء عرقي متوهم، وهناك مثلهم في معسكرات اللجوء، ولسخرية الأقدار أن يكونوا لاجئين في بلادٍ كانت هي جزء من وطنهم الكبير، هم لاجئون هناك ، في دولة الجنوب، وغيرهم في تشاد، واثيوبيا، هذا غير ملايين آخرين موزوعون في كل بقاع الدنيا في أزمنة النزوح والمشروع الحضاري الأكذوبة.!,

أما المنفيون الأكثر فهم في داخل السودان نفسه، على نسق قول شاعر يمني ( يمنيون في المنفى ومنفيون في اليمن)، فسودانيون في المنفى، ومثلهم في داخل الوطن، والغربة بالطبع هي ليست غربة الجغرافيا، بل هي غربة النفس، فكل هؤلاء وأولئك يا صديقتي هم  أهلك، ينتمون إليك، وتنتمين إليهم،  هؤلاء من أبكتهم حروفك، لأنها نزعت أوراق التوت عن عريهم النفسي، وعن اغترابهم، وعن لجوئهم، وشعورهم بعدم الإنتماء .فهؤلاء ناسك، وأنت منهم ، وإليهم. سيعودون مثلك في أزمنة أوبة النوارس والطيور المهاجرة .