محمد جلال أحمد هاشم الحدث: في منتصف ليلة 23 أكتوبر من عام 2012م قامت أربعة طائرات إسرائيلية، على أقل تقدير، بقصف مصنع اليرموك للأسلحة بجنوب الخرطوم. يتبع هذا المصنع الذي تعارف الناس على تسميته بالتصنيع الحربي لوزارة الدفاع السودانية. وقد حامت حوله العديد من الشبهات شأنه في ذلك شأن جميع المواقع العسكرية التي تحيط بها السرية والكتمان

من ذلك أن الإيرانيين هم الذين يقومون بتمويله مقابل تخصيص جزء صغير فيه لهم ليقوموا بتصنيع قطع لسلاح يتم تجميعه في إيران، بينما لا تعلم عنه الخرطوم شيئاً ولا يحق لها أن تعلم. وقد راجت في شوارع الخرطوم صبيحة القصف أن المصنع قد أمته مجموعات كبيرة من الإيرانيين، منهم من كان باللباس المدني ومنهم، وهم الغالبية، من كان باللباس القومي الإيراني المميز. فيما يتعلق بالإصابات، قامت الخرطوم على لسان مسئوليها بالتقليل من عددهم، مشيرين إلى أنهم لا يتجاوزون الإثنين. في المقابل تحدث الناس في منطقة الكلاكلات التي تقع جنوب الموقع مباشرةً عن أن ما لا يقل عن ثماني جثث لمصابين في القصف قد دفنوا في إحدى مقابرها، جميعهم من الذين وقعت عليهم شظايا أو دانات (قنابل المدفعية والدبابات). كما راجت بعد ذلك شائعات تفيد بأن ما لا يقل عن 50 جثة متفحمة قد أُخرجت من موقع الحادث.

 

رد الفعل

جاءت إفادات المسئولين السودانيين متضاربة كعادتها، بالضبط بمثلما حدث في واقعة قصف مصنع الشفاء للأدوية بشمال الخرطوم في عام 1998م من قبل الولايات المتحدة لاشتباههم في إنتاجه للأسلحة الكيماوية. ففي تلك الضربة صرح وزير الدفاع بأن الضربة قامت بها طائرات. وعندما سُئل عن كيفية معرفتهم بهذه الحيثية، أشار إلى أن الناس بأعينهم المجردة قد شاهدوا هذه الطائرات، وأنهم (أي الناس ــــ كذا) قد رصدوها من مناطق بعيدة مثل مدينة شندي بشمال السودان. هذا بينما تكشف لاحقاً أن الضربة قامت بها صواريخ كروز تم إطلاقها من غواصة تقبع في أعماق البحر الأحمر. في حادثة مصنع اليرموك التي أضاءت سماء الخرطوم بمجموعة من الألوان النيرانية تحسدها عليها أكبر حفلة ألعاب نارية، تضاربت أقوال المسئولين. فقد راجت شائعات مفادها أن أحد أعلى المسئولين العسكريين في نظام الإنقاذ، في محادثة شخصية، أشار أول ما أشار إلى أن الحادثة نجمت عن اعتداء قامت به مجموعات بمدافع محمولة على الكتف، متهما (كالعادة) مجموعات دارفور. ولولا العلاقة التي تحسنت مع الجنوب مؤخراً لربما سارع إلى اتهام الدولة الوليدة. بعد ذلك بأقل من نصف ساعة، ذهبت الشائعات إلى أن الوزير نفسه قد غير من رأيه مفيداً أن الانفجار يعود إلى سبب داخلي، كخطأ فني أو ماشابهه. وعند سؤاله عما إذا كانت بالمصنع أي أسلحة كيماوية يمكن أن تحملها الرياح إلى أماكن بعيدة فتؤذي الأعداد الكبيرة من المواطنين، خاصةً وأن المنطقة تقع في وسط مجمعات سكنية من جميع الجهات، أفادت الشائعات بأن رده جاء بالنفي وأنه لا توجد أي أسلحة كيماوية. هذا مع رواج شائعات أخرى بين النوبيين في منطقة الكلاكلة ود عمارة وأبو آدم والكلاكلة صنقعت تحدثت عن اتصالات هاتفية قام بها مسئولون كبار فضلوا التحدث باللغة النوبية طلبوا فيها من ذوي قرابتهم الساكنين بالمناطق إياها مغادرة المنطقة فوراً خشية أن تكون هناك أسلحة كيماوية قد تفجرت. على هذا أصابت المنطقة موجة هلع هُرع الناس على أثرها إلى منطقة الكلاكلة القبة التي تقع على شاطئ النيل الأبيض، وهو سلوك غريزي أن يتجه المرء (وكذلك الحيوانات) إلى الأنهار في حال اندلاع الحريق. هناك وصلت الجموع الغفيرة، فمنهم من هرول حافياً، ومنهم من انطلقت كالنعامة دون “توب” يستر جسدها. وقد أشبهت تلك الليلة يوم القيامة عندما يفر المر من صاحبته وبنيه إلخ الآية.

في نفس سياق تناقض إفادات المسئولين الحكوميين، وفي نفس ذلك الوقت، كان والي الخرطوم يطالع المواطنين من خلال التلفزيون والراديو ليطمئنهم بأنه في موقع الحادث وأن الحريق نجم عن انفجار داخلي نتج بدوره عن تماس سلك كهربائي أو ما شابه، وأن الموضوع برمته تحت السيطرة (وهو بالضبط ما ذهب إليه أيضاً الناطق باسم القوات المسلحة). كان يقوم بهذا بينما ضجت المدينة بالشائعة التي تذهب إلى أن غرفة العمليات الخاصة بمكتبه كانت تدرس حينها إمكانية إخلاء المنطقة الواقعة جنوبي مصنع اليرموك (أي مناطق الكلاكلة ود عمارة، وأبو آدم، والكلاكلة صنقعت ومايو وما يقع خلفها من أحياء عشوائية) من سكانها خشية انتشار الحريق من جانب وخشية أن تكون هناك أسلحة كيماوية. وقد تعجب الناس هل كان والي الخرطوم يكذب وهو يعلم أنه يكذب، وكذبة المنبر بلقاء؟ كيفما كان الأمر، لماذا عازت الشجاعة هؤلاء المسئولين عن أن يعتذروا لشعبهم عما قالوه بأمسِ عندما تكشفت الحقيقة صبيحة اليوم التالي وعلم الجميع أن إسرائيل هي التي قامت بقصف مصنع اليرموك؟ من الأكاذيب الأخرى إصرار الحكومة ممثلة في قوات الدفاع المدني نجاحهم في إطفاء الحريق، بينما ظلت ألسنة اللهب والدخان المتصاعد تتواصل طيلة الأيام اللاحقة إلى انتهاء شهر أكتوبر.

في اليوم التالي للقصف (24/10/2012م) أجرى وزير الإعلام (كذا) مؤتمراً صحفياً بوصفه الناطق الرسمي باسم الحكومة، أكد فيه أن إسرائيل هي التي قامت بقصف المصنع بأربع طائرات، دون أن يورد الكيفية التي علموا بها بهذه المعلومة التي يُزعم بأن السلطات المصرية والإيرانية، كلاًّ على حدة، قد قامت بكشفها للسلطات السودانية. في نفس اليوم قام الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة بعقد مؤتمر صحفي أكد فيه ما ذهب إليه وزير الإعلام. وقد اتفقا على أن السودان سوف يشتكي لمجلس الأمن مع احتفاظه بحق الرد الذي لم يفصحوا عنه ولو أنهم أكدوا أنه سوف يكون موجعاً. كما ذهبا إلى أن جميع المصالح الإسرائيلية سوف تكون على هذا هدفاً للسودان. اتصفت إفادات المسئولين بكم كبير من عدم الحصافة الشخصية والحكومية. فأولاً، لماذا يتكلم هؤلاء بينما يسكت وزير الدفاع؟ فما هي تلك الحادثة التي تفوق استهداف دولة أخرى لمصنع حربي يتبع لوزارة الدفاع فتنسفه، التي ستجعل وزير الدفاع يخاطب شعبه بوصفه الرجل الأول المناط به حماية البلاد؟ هذا خاصةً وأن نفس هذا الوزير (وزير الدفاع) كان قد شارك في عمل مدني ديبلوماسي من الدرجة الأولى، ألا وهي مفاوضات السلام بين الشمال والجنوب. فكيف تأتى لوزير الدفاع أن يشارك في مفاوضات سلام حيث تواترت تصريحاته هناك وتتالت، بينما يلوذ نفس الوزير الآن بالصمت تاركاً الأمر، ليس لمن هم دونه فحسب، بل للمدنيين ليخوضوا في الشأن العسكري؟ ثانياً كيف يمكن أن تبلغ قلة الحصافة، بل انعدامها، لدى كلا (أو أحدهما) وزير الإعلام والناطق الرسمي للقوات المسلحة حد أن يصرح بأنه ليس هناك ما يدعو لضرب مصنع اليرموك من قبل دولة أخرى كونه لا ينتج أي أسلحة يمكن أن تستخدم في الحروب بين الدول، إذ إن جميع ما يصنعه للاستخدام المحلي! فهل يعني هذا أن وزارة الدفاع قد أقامت هذا المصنع لا لتحمي البلاد من أي هجوم خارجي، بل لشن الحرب ضد الشعب السوداني!

في صبيحة يوم 29 أكتوبر 2012م استيقظ العالم على مفاجأة من إعداد الخرطوم وطهران، فقد رست بارجتان حربيتان إيرانيتان على ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، ذلك كما لو كانت الخرطوم تسعى لتأكيد التورط الإيراني في موضوع ضرب مصنع اليرموك. بالنسبة لإسرائيل كان ذلك بمثابة تهديد لها بأن طائراتها سوف تكون تحت نيران الأسلحة الإيرانية في حال التقاط راداراتهم لأي اختراقات جوية للفضاء السوداني. هنا أيضاً جاءت تصريحات المسئولين مليئة بالتناقض وعدم الحصافة الشخصية والرسمية. فقد ذهب أحدهم لدى محاورته من قبل إحدى القنوات الفضائية العربية إلى أن المسألة كلها تعود إلى الصراع بين إسرائيل من جانب وبين إيران من جانب آخر. ورد آخر بأن موضوع هاتين البارجتين شأن إيراني بحت تُسأل عنه إيران؛ عندما جوبه بأن هذه البوارج قد رست على ميناء بورتسودان، ركبته العنجهية وأصرّ أن إيران، مع كل هذا، هي التي تُسأل عن أمر البارجتين. ومع هذا سارعت البارجتان إلى مغادرة المياه السودانية بعد يومين عندما قامت إسرائيل بإرسال قواتها البحرية نحو السودان.

تتالت بعد ذلك مفاجآت المسئولين السودانيين في تصريحاتهم غير الحصيفة لتكشف حجم الخلل والدمار في مؤسسة الدولة بعد 23 عاماً من الحكم. فقد أيّد المجلس الوطني زيادة ميزانية الدفاع والأمن على ما هي عليه من زيادة (أكثر من 75% من الميزانية). فبدلاً من أن يقوم المجلس الموقر بمساءلة أجهزة الدفاع والأمن عما فعلته بتلك الأموال وهي التي عجزت عن أن تعرف ما الذي ضربها (وكيف لها أن تكشف رادارتها تلك الطائرات المعتدية وقد كانت أضواؤها مطفأة ــــ على حد تصريحات وزير الدفاع في مقابلة بتلفزيون النيل الأزرق)، دع عنك حماية الوطن المحتلة أراضيه ـــ بدلاً من أن يفعل المجلس الوطني هذا، ها هو يقوم بزيادة الميزانية للدفاع والأمن. ليس هذا، بل سارعت الحكومة إلى فرض ضريبة جديدة تحت مسمى “دمغة الدفاع عن الوطن” لدى أي تعامل مصرفي. ثم فاجأ الجميع وزير الخارجية (في مقابلة مع تلفزيون النيل الأزرق في الأسبوع الأول من أكتوبر 2012م) عندما كشف حالة الموت السريري للدولة والحكومة، وكيف أنه لا يوجد أدنى قدر من التنسيق بين أجهزتها. بل صرح بأنه لا يعرف بأمر القرارات الخطيرة التي تتعلق بالسياسة الخارجية (أي بوزارته) إلا من وسائل الإعلام. وذهب إلى حد تدبيج النقد الكاوي لأجهزة كان ينبغي أن يُساءل هو عنها.

 

خلفية

خلال الثلاثة أعوام الماضية، قامت إسرائيل بتوجيه أكثر من ثماني ضربات جوية بشرق السودان (ولاية البحر الأحمر) استهدفت قوافل يقال بتبعيتها لقبيلة الرشايدة العربية المتصالحة مع النظام عبر تنظيم النمور الحرة، وهي قبيلة مشهورة يُشار إلى اعتمادها على التهريب في اقتصادها بينما تنفي هي ذلك. اتهمت إسرائيل هذه القوافل بأنها تقوم بتهريب السلاح لحركة حماس بقطاع غزة. وقد شملت أكثر من ضربة سيارات أشخاص بعينهم اتهمتهم إسرائيل بتنسيق عمليات التهريب، فأحرقتهم وقضت عليهم، باستخدام طائرات بلا طيار. كالعادة، عمدت الحكومة إلى تجاهل هذه الضربات، فلم تعلق عليها إلا بعد أن أصبحت حديث الشارع السوداني (الذي يبدو كما لو أنه لا تخفى عليه خافية ولا غرو في بلد “يتونّس” فيه المسئولون مع ذوي قرابتهم وأصدقائهم بأسرارهم الرسمية)، وبعد أن تحدثت عنها العديد من الوكالات العالمية والإقليمية ــــ ثم بعد أن تحدث عنها الإعلام الإسرائيلي نفسه. كان اتهام إسرائيل موجهاً في المقام الأول إلى إيران التي تقف خلف شحنات الأسلحة هذه، مستخدمةً السودان كوسيط. وقد توسعت دائرة الاتهامات لتشمل تزويد حزب الله بلبنان بشحنات الأسلحة على قدم السواء مع حركة حماس بقطاع غزة بفلسطين.

 

السودان بين المطرقة والسندان

هنا ينهض السؤال التالي: ألا يجوز النظر إلى قصف مصنع اليرموك في إطار الصراع الإسرائيلي الإيراني، أكان هذا المصنع يقوم بتصنيع الصواريخ لحماس وحزب الله أم كانت به وحدة تصنيع إيرانية سرية تقوم بتصنيع أجزاء من أسلحة غاية في التطور لمصلحة إيران، أم لا؟ فضرب المصنع لا يهم فيه ما كان يقوم به حقاً بقدر ما يتصل بما يعتقده الإسرائيليون. فإذا كان رجل الشارع العادي يتحدث عن مصانع حربية هنا وهناك، وعن آخر موجود بأرض البطانة إزاء منطقتي الجيلي وقرّي شمالي الخرطوم يعمل لصالح إيران، فكيف نندهش ونستغرب عندما تورد الإذاعات والفضائيات الإسرائيلية معلومات بهذا المستوى من التصنيف السري وبهذا القدر من الخطورة. لا تهمنا في هذه المزاعم صحتها من عدمها، بقدر ما تهمنا مترتباتها وتداعياتها. فالحقيقة هي أن السودان قد حشر نفسه، بعلم أو بغير علم، داخل حيز الصراع الإيراني الإسرائيلي، وهو صراع في طريقه إلى المواجهة الشاملة. وتبقى العديد من الأسئلة الذي يتوجب على الحكومة السودانية أن تجيب عليها، من قبيل: ما هي مصلحة الشعب السوداني ليصبح طرفاً في هذا الصراع؟ ما هي قدرة السودان في الدفاع عن نفسه لدى أي مواجهة إسرائيلية وهو الذي عجز عن أن يعرف ما أصابه؟ هل سيكل السودان أمر الدفاع عن أراضيه وسيادته لإيران، وهل ستبقى له سيادة بعد هذا؟ وليت الحكومة جعلتنا ننتظر طويلاً في سبيل الحصول على الإجابات على هذه الأسئلة؛ فقد جاء رد أكثر من مسئول رفيع المستوى من وزرائها بأنهم سوف يبقون على المبدأ من حيث دعمهم لإيران وحلفائها حتى لو كان في ذلك دمار السودان. وقد بلغت بهم الجهالة الوطنية حدها عندما نظروا إلى موقفهم هذا على أنه من باب الثبات على المبدأ.

 

التحالف الغربي ضد إيران ومشروع الشرق الأوسط الجديد

ظاهر الأحداث يشير إلى أن إسرائيل قد نجحت في تعبئة مجموعة من الدول العظمى، أو فلنقل بعضاً من الدول المتقدمة، على رأسها الولايات المتحدة (يضم الحلف بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا)، ذلك لتوجيه ضربة قاصمة لإيران. وقد بدأ الإعلام في هذه الدول قبل حوالي العامين بالفعل في قرع طبول الحرب، وهي طريقة معروفة للمراقبين تبدأ بإيراد مستمر لخبر تنامي خطورة إيران فيما يتعلق بترسانتها النووية والتقليدية، وكيف أنها لم تعد تنصاع للشرعية الدولية إلخ مما يعرفه أي مراقب. تستمر هذه النغمة في التصاعد بإيقاع منتظم حتى يتهيّأ الرأي العام في الدول المعنية بخصوص وباقي المعمورة بعموم لما سيعقب من إجراءات تشير دوالُّها جميعاً إلى أنها سوف تكون الحرب لا محالة. حدث هذا قبيل اندلاع الثورة الشعبية في سوريا بحوالي ثلاثة أشهر، أي قبل حوالي العامين.

يجيئ استهداف إيران في إطار خطة أمريكا (وتأتي معها بالطبع منظومة تحالفاتها بما فيها إسرائيل) المتعلقة بالشرق الأوسط، أو ما يقال عنه نظام الشرق الأوسط الجديد New Middle East Order. يقوم هذا النظام على ثلاث فرضيات، أولاها أن أي دولة كبيرة المساحة سوف تكون غنية بالموارد ضربة لازب، والثانية أن هذه الدول سوف تنهض في عصر العولمة هذا بفضل العديد من الشركات الغربية “مقطوعة الطاري” التي لا يكون لها هم غير جمع المال، فتقوم بتنمية هذه الموارد بما يجعل الدولة المعنية قادرة مالياً لبناء ترسانة عسكرية ضاربة (ليس بالضرورة لتنمية بلادها). الفرضية الثالثة تقوم على أن هذه الدولة الناهضة، بفضل خروج المعرفة التقنية عن القيود الدولية التي كانت مفروضة عليها، سوف توظف هذه القدرات ضد إسرائيل، إذ ليس من المحتمل أن تظهر دولة حليفة لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط من منطلق التسامح والقبول غير المشروط أو غير المضغوط. جاء نظام الشرق الأوسط الجديد لإيجاد مخرج لهذه المعضلة تتلخص في أنه لا مناص من تقسيم الدول ذات المساحة الكبيرة بما يقلل من مواردها المستفادة بحيث لا يمكن لأيٍّ منها أن تصبح دولة ذات خطر مهما فحُشت في الثراء. النموذج الأمثل لهذه الدول هو ما يعرف بالدولة المشيخية التي ازدهرت في الخليج، حيث نجد دولاً فاحشة الثراء لكنها لا تستطيع أن تقوم بأود نفسها من حيث الحماية. وقد بدأت هذه الخطة بضرب العراق الذي تقسّم الآن بحكم الواقع إلى ثلاثة تكتلات هي المنطقة الشيعية تقابلها المنطقة السنية، تقابلهما المنطقة الكردية. وبالطبع لا تخفى هنا التناقضات الكامنة في صلب هذه التقسيم الاستقطابي؛ فالمنطقة الكردية نفسها تضم شيعيين وسنة. الخطوة الثانية كانت السودان وقد نجحوا في مسعاهم بفضل سياسات الإنقاذ المتواطئة من جانب مع الخط الأمريكي والمفتّتة للوحدة الوطنية بطبعها من جانب آخر. بعد هذا جاء دور ليبيا التي تقف الآن على شفا الانقسام إلى مرحلة ما قبل التشكل القومي (أي إلى منطقة بنغازي ومنطقة طرابلس ثم منطقة فزان)، ثم بعدها جاء الدور لإيران لولا اندلاع الثورة السورية حسبما سنشرح أدناه.

بالعودة إلى مشروع التقسيم، نشير إلى أنه يشمل سوريا ولهذا يأتي الإنهاك للقوى الوطنية ـــ بما فيها النظام الحاكم ـــ بحيث تبرز الدولة بعد سقوط نظام الأسد وهي عارية من أي مسوح لبنية الدولة، بالضبط مثلما حدث في العراق وليبيا ويحدث الآن في السودان. كما يشمل برنامج التقسيم بعد سوريا المملكة العربية السعودية بدعاوى تحرير الأراضي المقدسة من قبضة نظام ذي توجه أيديولوجي بعينه، أي اتجاه أصولي (وهو ما بدأت المملكة في العمل جاهدة لتلافيه، فهل ستنجح!). ثم تأتي مصر بعد ذلك بخاصة عندما تأكل الطعم وتبتلع شمال السودان (وهو ما يتم بمباركة نظام الإنقاذ، إما لخطه غير الوطني بحكم أنه صادر عن حركة لم تكن تعترف بالأوطان ولا تعرف لها أي حرمة، أو بحكم تواطؤ نظام الإنقاذ مع الخط الأمريكي، أو لكليهما). عندها سوف تظهر، ربما بعد عشرين إلى ثلاثين سنة، حركة عالمية تدعو لحقوق النوبيين بمثلما برزت دعاوى حقوق الأكراد وما شابه (عندها قد يكون المعني بالنوبيين هم السود الأمريكان في محاولة لإيجاد وطن قومي لهم في المنطقة النوبية التاريخية). على أيٍّ، من الممكن لحركة كهذي أن تنجح في فصل الجزء الجنوبي من مصر بحجة نوبيته بما فيه الجزء الشمالي السوداني المبتلع. ولن تقوم لمصر قائمة إذا حدث لها هذا.

 

قرع طبول الحرب ضد إيران وثورة الشعب السوري

قبل حوالي العامين شرع تحالف الدول الغربية المشار إليه أعلاه في قرع طبول الحرب لشنها ضد إيران. وهي في خضم تحشيدها الإعلامي واللوجستي، اندلعت الثورة في سوريا، فتوقف برنامج الحرب ضد إيران، ولكن إلى حين. فكيف حدث هذا؟ نجح التحالف الغربي في وضع إيران داخل قوسين شرقي وغربي، الأول الشرقي يبدأ بأفغانستان حيث ينتهي طرفاه في باكستان من جهة وفي تركيا من جهة أخرى. أما القوس الثاني الغربي فيبدأ في وسطه من قطر بينما ينتهي أحد طرفيه في الإمارات على خليج هرمز وينتهي الثاني في العراق. في وضع كهذا يصبح من المؤكد أن إيران مقضي عليها. لكن بمجرد اندلاع الثورة في سوريا، انقلب الوضع، ذلك بمحاولة بشار الأسد الاستفادة من وضعية الحرب في حال اندلاعها للقضاء نهائياً على المعارضة. فقد كان تخطيطه المعلن عبر سلسلة من التصريحات الموالية إلى إيران أنه بمجرد قيام الحرب سوف يعلن وقوفه إلى صالحها. بمجرد إعلانه بدوره لحالة الحرب، لن يكون من مجال للتظاهر المدني في الشارع، وهو ما كان سيواجهه النظام بقمع عبر آلة الحرب في كامل مدى استخدامها. من جانبها قامت إيران بالاستفادة من هذا الانحياز السوري فنقلت عدداً كبيراً من أسلحتها الإستراتيجية بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل أو الأقرب إلى الشامل (البالستية مثلاً) إلى سوريا. كما قامت سوريا من جانبها (أو أنها تخطط) بنقل عدد معتبر من هذه الأسلحة إلى حزب الله بلبنان وإلى حماس بقطاع غزة بفلسطين ـــ وبهذا نجحت إيران في بناء تحالفها الشرقي مقابل تحالف أمريكا وإسرائيل الغربي. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الحرب إذا اندلعت، فلن تكون إيران هي مركزها بل ستكون إسرائيل، ذلك لأن قوس الحصار المضروب حول إسرائيل أكبر بأضعاف مضاعفة من ذلك الذي سوف تضربه قوات التحالف الغربي حول إيران حتى لو كان حصارها ازدواجي الأقواس. فضلاً عن هذا، سوف تكون إسرائيل في مرمى نيران التحالف الشرقي، بل ستصل نيران هذا التحالف على تقليديته إلى عمق إسرائيل ناسفة بذلك الاستقرار المدني بها. بهذا فشلت خطط التحالف الغربي كون أن مركز المعركة سيكون هو إسرائيل بدلاً عن إيران. وبالطبع لن يكون في مقدور التحالف الغربي حسم معركة بهذا الحجم من حيث امتداد الجبهة عبر خمس دول إلا بعد شهور وربما سنوات. كما لن يكون في مقدور إسرائيل أن تصمد في وجه هجوم موجه إليها من هذا العدد من الجبهات التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم. عليه، سوف يضغط المجتمع الدولي في سبيل التوصل إلى هدنة بعد حوالي شهر أو شهرين من بدء المعركة، وهو ما سترحب به جميع الأطرف بما في ذلك أمريكا وإسرائيل. بالطبع سوف تخرج إيران من هذه المعركة في شكل المنتصر كونها لم تنهزم، بل قد تخرج أقوى مما كانت نسبةً للدعم العربي والإسلامي الذي سوف تناله. كما سيخرج نظام الأسد وهو أقوى مما كان عليه، وكذلك الحال بالنسبة لحزب الله وحماس. في المقابل سوف تخرج دول منظومة الخليج وهي يجللها عار خيانة العرب والمسلمين مما يمكن أن نتخيله أكان ذلك بالحق أم بالباطل. لكل هذا شرع الغرب بكل ما يملك من قوة في العمل لإسقاط نظام الأسد، وهو أمر سيعقبه تفكيك منظومة حزب الله، وبعده منظومة حماس بالضفة الغربية، تحضيراً لشن الحرب ضد إيران.

 

الموقف الروسي والصيني من الحرب ضد إيران وتشابك الثورة في سوريا

ولكن السؤال هو: لماذا وقفت روسيا والصين هذا الموقف من الثورة السورية؟ فهاتان الدولتان تدعمان نظام الأسد بلا تحفظ دون أي اعتبار للشعب المغلوب على أمره الذي يموت بالعشرات بفضل هذا الدعم الذي جعل النظام محمياً من أي عقوبات ناجزة. في الحقيقة تقف هاتان الدولتان هذا الموقف للحفاظ على مصالحهما في الخليج! فقيام الحرب ضد إيران سوف ينسف الاستقرار بالخليج، الأمر الذي سوف ينعكس سلباً على الاقتصاد ربما لمدة لا تقل عن عشر سنوات. فالغرب ليست له مصالح اقتصادية بالخليج بحجم ما لدى روسيا والصين؛ فغالب مصالحه سياسية وعسكرية؛ كما إنّ غالب البضائع التي تطرحها أسواق الخليج تأتي من الصين بصورة أساسية؛ أما صناعة السياحة من فنادق وكباريهات، فجميعها مملوكة للشركات الروسية التي نجحت في عقد اتفاق حماية مع دولتها. إذ لا يمكن لأي مُصنّعة في أيٍّ من الدول الغربية أن تنافس رصيفتها المصنوعة في الشرق الأقصى. هذا بجانب موقف روسيا الرامي إلى الحد من انتشار النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية بخصوص والشرق الأوسط بعموم. بالنسبة لهاتين الدولتين (روسيا والصين) االضمانة الوحيدة لعدم قيام الحرب ضد إيران هو بقاء النظام السوري الذي يقوم عليه التحالف الشرقي. لهذا قال لافروف إنهم لن يتوقفوا عن دعم الأسد مهما بلغ عدد الضحايا، ذلك عندما سُئل عن كم من الضحايا يكفي لتغيير الموقف الروسي. وقد قارب الرقم الآن الخمسين ألفاً في بعض الإحصاءات. هذا بينما قيام الحرب ضد إيران سوف يعطينا ما يقرب من نصف مليون قتيل في الشهر الأول فقط بمثلما حدث في العراق. لهذا صرح لافروف بأنهم بموقفهم هذا إنما يعملون لحقن الدماء. في هذا ضحك منه المراقبون إما تعميةً مع علمهم لمراميه أو جهلاً بمراميه ـــ كما ضحك منه العرب بدورهم أيضاً. وقد جرت ملاسنة بينه وبين وزير الخارجية ورئيس الوزراء القطري انتهر فيها الأول الثاني، بل سأله بما يعني “إنت شايت في أيّ الاتجاهات”؟ وفي الحقيقة صرح أكثر من مراقب بأنه يحتاج الموقف القطري للمزيد من البينات غير المتاحة لفهمه حالياً على أقل تقدير؛ فقطر، بحسب رأيهم، هي أكثر المتأثرين بهذه الحرب في حال اندلاعها، ذلك ببينة انتعاشها الاقتصادي الملحوظ. كذلك سوف تذهب أحلامها في تنظيم كأس العالم لسنة 2022م أدراج الرياح وبالتالي قد تفوز به أمريكا بطريقة بضاعتنا رُدّت إلينا. فلماذا تبدو قطر كما لو كانت تقف مع التحالف الغربي في سعيها المحموم لإسقاط نظام الأسد؟ إذ ما الذي ستجنيه غير الخراب والدمار. فجارتها، دولة الإمارات، قامت بتحسباتها لهذه الحرب القادمة عندما نقلت منصات تحميل الوقود من الخليج العربي ـــ الفارسي إلى بحر العرب بالفجيرة عبر أنابيب استمر بناؤها فترة دون الإعلان عنها إلا قبيل الفراغ منها. فماذا أعدت دولة قطر للتحسب من تأثير وتداعيات هذه الحرب في حال وقوعها؟ هذا ما يأمل المراقبون أن تكشف عنه الأيام القادمات.

 

لماذا ضربة اليرموك الآن؟

إذن فهذا هو السياق الإقليمي والدولي الذي ينبغي أن ننظر من خلاله إلى تفجير مصنع اليرموك. فإسرائيل سوف تعمل على قص أجنحة إيران في المنطقة بدءاً من الدول التي يمكن أن تقدم لها ملاذات تصنيعية آمنة وبعيدة عن الأعين والاستهداف. ليس من المهمّ إذا كان السودان يفعل هذا أم لا، ذلك أن المهمّ هو ماذا تعتقد إسرائيل. لقد أوردت صحيفة يديعوت أحرنوت أن إسرائيل قامت بقصف مصنع اليرموك لأنه كان يقوم بإمداد حزب الله بالصواريخ، وفي رأينا أن هذا يشير بطريقة غير مباشرة للتورط الإيراني. ولكن السؤال هو: لماذا اختارت إسرائيل هذه اللحظة للشروع في قص أجنحة إيران التي تطير بها في المنطقة؟ السبب يعود مرة أخرى إلى الوضع في سوريا. فقد تمكن الغرب عبر مده للمعارضة بالسلاح (بطريقة لا يجود لهم إلا بمقدار) في تحويل الصراع في سوريا إلى حرب أهلية. كما نجحت روسيا في دفع الأوضاع لتبلغ نفس الغاية عندما عجزت بستالينية لا تزال عالقة بمؤسسة دولتها عن أن تدرك أن نظام الأسد قد أصبح غير قابل للتدارك بسبب غبائه الأيديولوجي المبثوث والمتعلق بمؤسسة دولته. كما فات على روسيا أن العمل من أجل حقن الدماء الكبيرة لا يتم بالتجاهل غير الإنساني للدماء الصغيرة التي تسيل وتملأ شاشات وصفحات وسائل الإعلام. وقد أصبحت المعارضة السورية، بفضل الدعم اللوجستي المحدود من الغرب، قادرة ليس فقط على زعزعة النظام، بل وإلهائه عن أن يكون فاعلاً في حال نشوب الحرب ضد إيران. في هذه اللحظة النظام السوري لديه ما يكفيه من المشاغل والمشاكل، خاصةً عندما دخلت العاصمة دمشق داخل خط النار ومعها بالتالي أكبر المدن السورية. هذه هي نفسها اللحظة التي شرعت فيها إسرائيل بتقليم أظافر إيران بتوجيه ضربات ضد مواقع تحالفات إيران الإستراتيجية، فكانت ضربة اليرموك وتبعته الضربات الموجهة إلى حركة حماس بقطاع غزة، ثم توجيه ضربات إلى سوريا نفسها، ومن المؤكد سوف تتبعها أخريات إلى أن تندلع الحرب ضد إيران.

 

خاتمة

من الواضح أن هذه الدول المتقدمة التي تتكالب علينا كما يتكالب الأكَلَةُ على القصعة إنما يفعلون هذا بتمكيننا لهم جراء سياسات حكامنا غير الرشيدة. فلو أن صدام حسين كان قد اتصف بقليل من الذكاء الوجودي فقام بتكوين حكومة وطنية ومن ثم استجاب لدعوة الشيخ زايد باختيار الإمارات كمنفى له؛ ولو أن زين العابدين بن علي كان قد اتصف بقليل من الذكاء الشخصي، فقام بإحداث التغيير الديموقراطي في فترة مبكرة؛ ولو أن الفرعون الصغير حسني مبارك كان مدركاً لكبر شعبه، فأعمل بصيرته مبكراً؛ ولو أن بسشار الأسد … ولو أن عمر البشير ولو أن علي عثمان …. إلخ القصة. لو أن أي شيء من هذا حدث، لما تمكنت أمريكا من تدمير العراق، ولما تمكنت من تقسيم السودان في مرحلة تقسيمه الأولي (هناك دارفور وجبال النوبة، والأنقسنا ــــ أما حلايب والفشقة والشمال النوبي فقد أكفاها نظام الإنقاذ مئونتها)، ولما تمكنت هذه الدول من إنهاك ما تبقى من مؤسسة دولة ليبيا إلى درجة أن ما تبقى منها غير قادر على توفير الأمن برغم البترول وبرغم المال. لنتأمل في ضعف هذه الشعوب! إذ ما الجناية التي ارتكبها الشعب السوري البطل بخلاف أنه قد قام بثورته في الزمن الخطأ بالنسبة للقوى العظمى التي لا تنظر إليه بأكثر مما ينظر قطيع الذئاب إلى قطعان المها الوادعة؟ قلبي على هذه الشعوب التي كما لو كان يحكمها أراذلها.