محمد محمود إن الأديان، كل الأديان، ظواهر بشرية نبتت من أرض الناس ومعاناتهم ومحاولاتهم لفهم العالم والتكيف معه والتأثير عليه. والأديان بهذه الصفة لا تختلف عن باقي تجارب البشر ومغامراتهم الفكرية والروحية والاستكشافية ولا يحقّ لها أن تختلف. وهي بهذه الصفة موضوعٌ مشروعٌ وطبيعيٌ لدراساتنا، ندرسها كما ندرس باقي الظواهر في حياتنا.

ولقد فعل الأستاذ حيدر خيرا بأن ذَكَرَ كِلِفَرد قيرتز، عالم علم الإنسان الأمريكي، الذي ينظّر للدين كنظام ثقافي. هذا مدخل من المداخل العديدة لعلم الأديان الذي أصبح من أكثر العلوم حيوية لطبيعته البينية (interdisciplinary) التي تجعل معالجة الظاهرة الدينية ذات التعقيد والتنوع الكبيرين خاضعة لمختلف المناهج والرؤى مثل مناهج الفلسفة أو النظرية النقدية الأدبية أو علم النفس أو علم الاجتماع وغيرها من العلوم. لم يعد الدين ظاهرة مطلسمة وغامضة وعصية على الفهم وإنما جسما من التجارب والمعتقدات القابلة للدرس والتمحيص والتشريح والتنظير. وبنشوء الدراسات الحديثة للدين فقد خرج الدين من منطقة اللاهوت ليدخل منطقة العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهكذا لم يعد الاهتمام بالدين ودراسته والتخصص فيه حكرا على المتدينين والمؤمنين ورجال الدين وإنما انفتح ليشمل غير المتدينين وغير المؤمنين. وهذا هو المنحى الذي يجب أن نشجّعه في جامعات بلادنا وظللت أدعو له منذ أيامي بجامعة الخرطوم وما كتبته في نقد قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب الذي كان مسخا للتدريس الجامعي ومظهرا مبكرا من مظاهر التخريب والانحطاط الأكاديمي الذي ما لبث الإسلاميون عقب انقلابهم أن قاموا بترسيخه في مؤسساتنا التعليمية.

          ولقد فعل الأستاذ حيدر خيرا بأن حاول وضع كتابي في السياق الكبير لإعادة قراءة السيرة النبوية فقال: “يمكن  أن ينسب كتاب”نبوة محمد” بالفعل ضمن اجتهادات (مونتقمري واط) خاصة كتابيّ: محمد في مكة، ومحمد في المدينة … كذلك كتاب (مكسيم رودنسون): محمد،باعتبار الكتابين من كلاسيكيات هذا النوع من السيرة. ولكن في العربية ظهرت كتابات هامة، مثل: الإسلام بين الرسالة والتاريخ لمؤلفه عبدالمجيد الشرفي … وهشام جعيط: في السيرة النبوية … ومعروف الرصافي: كتاب الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس … وهناك كتاب:علي مبروك- النبوّة .وعبدالهادي عبدالرحمن :جذور القوة الإسلامية. هذا وقد أشرف الاكاديمي التونسي (الشرفي)علي عدد من الاطروحات في نفس المدرسة، بالاضافة لتأسيس سلسلة الإسلام واحدا ومتعددا و”معالم الحداثة”. وقد اصدرت (رابطة العقلانيين العرب) عددا من الكتابات في نفس الاتجاه. وهناك قول مأثور يفسر تنامي هذا التوجه في نظرة جديدة للسيرة والنبوّة:-“إن الله ينطق العلماء في كل زمان بما يشاكل أهل هذا الزمان”.” ولقد فعل السيد خالد موسى قبل ذلك أيضا خيرا في معرض هجومه على كتابي عندما أضافني لسلسلة طويلة تبدأ بطه حسين وتنتهي بنصر حامد أبو زيد، وهي معيّة يشرفني الانضمام لها إن كنت أهلا لذلك.

إن العمل الأكاديمي، أي عمل أكاديمي، لا يولد من فراغ ولا يكون مُنْبَتّا. وأنا أحترم وأثمّن ما قام به الكثيرون في مجال الدراسة النقدية للسيرة التي ترفع ما تكاثف من حجب في المجال، كما أنني أحترم أعمال ومجهودات واجتهادات الكثيرين من المستشرقين الذين توفروا على دراسة الإسلام، إذ أن الإسلام في نهاية المطاف تراث بشري عام ومفتوح لكل المهتمين ودراسته ليست حصرا على المسلمين، مثلما أن باقي الأديان تراث بشري يمكن للمسلمين أن يقوموا بدراسته والتخصص فيه. إلا أنه من الضروري أن أعيد تأكيد ما تبرزه خطتي المنهجية في كتابي عن نبوة محمد: إن كتابي لم يعتمد البتة على أي قراءة حديثة للسيرة كمصدر وإنما اعتمد في مصادره اعتمادا كاملا على أعلى المصادر التراثية وأقدمها. ولقد وضّحت منهجي هذا في المقدمة عندما قلت: “وفي الرجوع للمادة الإسلامية، وهي مادة تتميّز بضخامتها وسعتها وتكرارها، قررنا أن ننهج نهج تركيز وانحصار بالاعتماد على مرجعين أوليين هما القرآن وصحيح البخاري (الذي يعتبر أصحّ كتاب بعد القرآن) بالإضافة لمراجع أساسية أخرى. وفيما يتعلق بمادة السيرة اعتمدنا اعتمادا أساسيا على سيرة ابن هشام وعلى كتاب المغازي للواقدي بالإضافة لطبقات ابن سعد. وبالنسبة لمادة الحديث ورغم اعتمادنا الأساسي على صحيح البخاري فقد استعنا أيضا بباقي كتب الحديث المعتمدة وفي مقدمتها صحيح مسلم.” ورغم أنني أنتمي لما يمكن أن يوصف بالمدرسة النقدية للنبوة (وهي مدرسة ينتمي لها الكثيرون وإن كنت لا أعد وات من بينهم إذ أنه ينطلق من موقع الدفاع عن النبوة بتجليها اليهودي والمسيحي) إلا أن كتابي لا يمكن أن ينسب لاجتهادات وات أو غيره. من الطبيعي أن تكون هناك تقاطعات هنا وهناك (وهو أمر طبيعي في جسم العمل الأكاديمي) إلا أن ما أقدمه يعكس قراءتي للسيرة اعتمادا على المنهج الذي اتّبعتُه والأدوات التحليلية التي استخدمتها وموقفي الفلسفي من النبوة والدين الذي يشكّل الإطار العام لموقفي النقدي، ومناقشة كتابي ومحاكمته يجب أن تتم على أساسِ هذه العناصر.

ولعله من المناسب بهذا الصدد التفصيل بشأن مسألة وات إذ حاول السيد خالد موسى إثارة الغبار بشأنها. بدأ السيد خالد موسى نسج فريته الواتية (من وات) بما ادعاه من أنني قد اعتمدت “في ظنه” على تراث المستشرق البريطاني مونتجمري وات في كتابيه محمد في مكة ومحمد في المدينة. وهذا “الظن” لا يلبث أن يتحوّل عنده لتأكّد واثق يشمل كتابَي وات اللذين يقول إنني اعتمدت عليهما اعتمادا كاملا ودائرة أوسع هي “أدبيات المستشرقين والثيولوجيا الأرذوكسية المسيحية”. ولكن ما هو الدليل أنني اعتمدت على وات؟ يقول السيد خالد موسى إنني اعتمدت عليه في كلامي عن الخيال النبوي ويقتبس من وات جملة يتحدّث فيها عن خيال محمد الخلاّق ليثبت ادعاءه. والخيال مفهوم عام وقديم وراسخ يستخدمه علماء الأدب وعلماء الأديان وغيرهم استخداما حرّا في كثير من السياقات التي تناسب مادة بحثهم، ومن أشهر الدراسات في مجال الدراسات الإسلامية التي تستخدم هذا المفهوم كأداة تحليلية دراسة المستشرق الفرنسي هنري كوربان (Henry Corbin) عن ابن عربي الموسومة الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي التي صدرت عام  1953 (وقد ترجمت للإنجليزية بعنوان Creative Imagination in the Sufism of Ibn ‘Arabi). ومما يُحمد للسيد خالد موسى أنه لمس تعقيد الحديث عن مسألة الخيال ولمس ضعف حجته فتراجع لاحقا عن القول الذي أطلقه على عواهنه وكتب: “إنني لا أنكر أن بعض أفكار الكتاب الأساسية خاصة مزاعم الكاتب حول الخيال المبدع لها أصول في الفلسفة الإسلامية، إضافة الي مصادرها الأصلية في الفلسفة اليونانية خاصة إفلاطون وأرسطو وتسربها الي الثيلوجي المسيحي وتأثيرها علي آراء المستشرقين في تفسير وتأويل نبوة محمد … وقد ردها البعض الي بن الرواندي، والوراق، والرازي. ولكن أنطلق ترسيخ هذه الأفكار من فلسفة الفارابي وبن سينا والطوسي الذين يعتبرون الوحي فيض من فيوض العقل الفعال.” ولكنه في واقع الأمر قد أخطأ هنا أيضا وشرّق وغرّب ثم تاه وهو يبحث عن مصدر حديثي عن الخيال النبوي. إن مصدر ما قلته عن الخيال النبوي في حالة محمد ليس الفلسفة اليونانية أو ما قاله الإفلاطونيون المحدثون أو ما قاله وات أو أي مصدر ثانوي آخر وإنما هو القرآن. إنك لا تحتاج أن تنظر أبعد من القرآن لتجد أساس الخيال النبوي (وفي هذا المستوى فإنني أسميه الخيال القرآني). وعنصر الخيال أمر قد انتبه له المكيون بنظرهم النقدي الثاقب كما أشرت في فصلي عن المعارضة المكية. لقد أسرف السيد خالد موسى على نفسه وعلى قارئه وأضاع زمنه وزمن قارئه لإثبات نقطة أقدّم للقاريء برهانها الأولي تأسيسا على المصدر الأولي للإسلام. ويمكن للسيد خالد موسى أن يقيس على ذلك — إن كل نقطة أقولها عن نبوة محمد ترتكز على المصادر التي استخدمتها ولا تستعين بأي مصدر من خارجها. وليس مردّ هذا أنني لا أؤمن بقيمة المصادر الثانوية الحديثة وقيمة ما تقوله ولكن مردّه التزامي الصارم بالمنهج الذي قررت منذ البداية اتباعه فيما يتعلق بهذا المشروع وهو الاعتماد الكامل على أقدم المصادر وأعلاها في البحث عن صورة محمد التاريخية والمصنوعة.

ولقد بلغ أسراف السيد خالد موسى على نفسه قمته عندما اجتهد ليقدّم لقارئه دليلا محسوسا وحاسما على اعتمادي على وات فكتب: “وحتى مصطلح الرائي الذي وصف به النبي … هو ترجمة لما أشار له مونتغمري واط بأن الرسول …  perfect seer حسب ظنه.”  إن كلمة “الرائي” التي يشير لها السيد خالد موسى ترد في كتابي في حديثي في الفصل الأول عندما أقول: “وبعد موسى ظل مسرح النبوة خاليا نحو تسعة قرون ونصف إلى أن جاء صموئيل، الذي اعتبر خليفة لموسى بحق. وبالإضافة لوصفه كنبي فإن صموئيل يوصف أيضا بأنه “راءٍ” (صموئيل الأول 18:9)، مما يدل على أن كلمة نبي لم تستقرّ حتى هذه الفترة. وكلمة “رائي” ترد أيضا في الإشارة للنبي جاد الذي يوصف بأنه “رائي داود” (صموئيل الثاني 11:24). وربما يوحي عدم استعمال كلمة “رائي” في حالة النبي ناثان أن الكلمتين مختلفتان، ولكن على الأرجح أن الكلمتين مترادفتان إذ أن جاد يوصف أيضا بأنه نبي” (ص 25-26). هذا هو المكان الوحيد في الكتاب الذي ترد فيه كلمة “رائي” ويستطيع القاريء أن يرى سياقها ومصدرها التوراتي. ولا أعلم من أين أتى السيد خالد موسى بادعائه أنني وصفت محمدا بأنه راء وأنني أخذت تعبيري من وات؟  هل هي حالة تخليط وسوء هضم لمادة الكتاب وهو في حالة استعجال محموم للرد عليه واحتواء “شرّه” (لو استعرنا تعبيرا من تعابير الدبلوماسية التي هي مجال عمله)؟ إن ظني أن طبع السيد خالد موسى كإسلامي مشبّع بأهواء الحركة الإسلامية وتراثها التكتيكي قد غلب على محاولة تطبّعه ليرتدي زِي العالِم، وهكذا وببهلوانية مدهشة قفز ثلاث قفزات سريعة وهو يحاول إلصاق تهمته: بدأ بمربع “الظن”، ثم قفز لمربع التأكد والحكم النهائي القاطع (وإن داخل حكمه شيء من التلجلج فرمى بشبكة واسعة هي “أدبيات المستشرقين والثيولوجيا الأرذوكسية المسيحية”)، ثم قفز بعد ذلك لمربع التدليس الصريح فأخذ تعبير الـ “perfect seer” الذي استخدمه وات في الكلام عن محمد ونسبه لي في الكلام عن محمد وأخفى عن قارئه السياق التوراتي لاستخدامي للكلمة ومصدري التوراتي الصريح لها وحقيقة أني لا أستخدم التعبير البتة في الكلام عن محمد.

أنا لست دبلوماسيا ولا سياسيا أو صاحب هوى أيديلوجي وإنما أكاديمي يجهد في البحث عن الحقيقة بوسيلة البحث الأكاديمي، وهذا هو ما أوظف عملي كباحث أكاديمي له. وما أقدمه للقاريء هو ثمرة هذا البحث عن الحقيقة الذي أتحمّل مسئوليته تحملا كاملا. وكباحث أكاديمي أجد نفسي باستمرار على استعداد لمراجعة نتائج بحثي وتعديلها وحتى التراجع عنها لو ثبت لي عبر التفاعل الأكاديمي أو زيادة معارفي نقصا أو زللا فيما ذهبت إليه. وفي كل هذا فإنني ألتزم التزاما مهنيا وأخلاقيا صارما بأفضل تقاليد البحث الأكاديمي، وهي تقاليد أحاول أيضا أن أشبّع بها طلابي (وأتمنى أن أكون قد نجحت). وهكذا تجدني في كتابي هذا مثلا عندما أستخدم تعبيرا مثل تعبير “القصة الكبيرة” أضيف هامشا وأقول: “نستخدم تعبير “القصة الكبيرة” هنا بمعنى لا يختلف عن معنى التعبير في أدبيات ما بعد الحداثة، إلا أن مرجعيتنا الأولية في استعمال كلمة “قصة” هي القرآن الذي يقول “نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين” (3:12، يوسف)” (ص 140، هامش 26).

ولقد هاجمني مؤخرا السيد محمد وقيع الله، الكاتب الإسلامي الغزير الكتابة، وأشار لإسقاطي لعبارة الصلاة على محمد من اقتباساتي من المصادر الإسلامية وقال إنها “جناية” واتهمني “بالجنوح النفسي” وارتكاب ما لا يقدم عليه عادة حتى المستشرقون الذين “ينقلون صيغة الصلاة كما ترد في أي نص يستشهدون به ويغضون الطرف عن مشاعرهم الخاصة التزاما بمطالب مناهج البحث العلمي وإجراءاته … ” ولقد اقتبس السيد محمد وقيع الله من مقدمة كتابي هذه العبارة: “وفي اقتباسنا للأحاديث والأخبار واتباعا لقاعدة الاختصار فقد أسقطنا عبارة الصلاة على محمد التي ترد في المصادر كلما ذُكر اسمه وغيرها من العبارات التبجيلية.” إلا أن  السيد وقيع الله وقع وبكل أسف في مستنقع التدليس فأسقط باقي عبارتي التي تقول: “ولقد أشرنا لحذف عبارة الصلاة وغيرها بوضع نقاط الحذف الثلاثة ( … ) حسب تقاليد الاقتباس الحديثة.” وهكذا فالأمر ليس أمر “جنوح نفسي” وليس أمر “ضيق بصلاة المسلمين وتسليمهم المتكرر على نبيهم” (وكأن الكاتب قد أصبح عرّافا يملك القدرة على كشف دواخلي ومشاعري) وإنما هو قرار تحريري يقوم على مبدأ سليم وراسخ هو مبدأ الاقتصاد في الاقتباس إذ أن غرض الاقتباس هو إعطاء القاريء المعلومة الضرورية لسياق الحديث وإسقاط الزوائد وما لا يضيف لمدلول الكلام مع الالتزام بالإشارة لما تمّ إسقاطه بوضع نقاط الحذف. وإن شاء بعض المستشرقين الاحتفاظ بعبارة الصلاة على محمد فهذا شأنهم، إلا أن هذا لا يقدح في إسقاطي للعبارة من المقتبسات طالما أنني فعلت ذلك وفقا لقواعد الاقتباس الأكاديمي وإجراءاته (وربما يلاحظ القاريء أنني في اقتباساتي أعلاه قمت بنفس الإجراء). إلا أن ما لم أفعله وما لن أفعله هو أنني لم اجتزيء واقتطع اقتباسا لأدلّس على القاريء وأخدعه، فأنا لا أرى نفسي في حالة حرب تبرر لي الخداع باعتبار أن الحرب خدعة وإنما في حالة بحث عن الحقيقة تتطلّب أول ما تتطلّب الصدق مع النفس والصدق مع الآخرين.

حاشية استطرادية ذات صلة: الإصرار المتكرر على الصلاة على محمد كلما ذُكر اسمه وإبداء الغضب أو الانزعاج عندما لا يتم الالتزام بذلك هو أحد مظاهر سيادة خطاب الإسلاميين الذين نجحوا في بعث الكثير من ممارسات القرون الوسطي ونشرها وتطبيعها. ولقد نجح الإسلاميون بكل أسف في فرض ذلك حتى في أوساط الأكاديميين حيث تقتضي تقاليد الموضوعية العلمية الابتعاد عن كل عبارات التعبّد والتبجيل والتقديس. ولقد حاول البعض التحايل في المادة المكتوبة على لاعملية الممارسة باستخدام الاختصار فعمدوا لصيغة مثل (صلعم) أو (ص) (وهي صيغة أصبح لها مقابل في الإنجليزية مثلا هو (pbuh)، ويلاحظ في الصيغة الإنجليزية أنها مخفّفة إذ أنها ترجمة لصيغة “عليه السلام”). ولقد اضطرت دور النشر لحل المشكلة بتصميم صورة خاصة بصيغة الصلاة (أو ما يسمى في مصطلحات الطباعة glyph)، وهو حل أثبت أنه موفق للغاية إذ أنه من جهة أرضى مشاعر المتشددين ومن جهة أخرى جعل الصيغة تُعامل معاملة الرمز الطباعي الواحد وتنضغط في مساحة صغيرة. ونلاحظ أن بعض كبار الكتاب الإسلاميين الحديثين الذين ينتمون للمرحلة التي سبقت صعود هيمنة الخطاب الإسلامي لم يتحرجوا بتاتا من إسقاط صيغة الصلاة وهم يكتبون عن محمد. وهكذا نجد مثلا أن محمد حسنين هيكل وعباس محمود العقاد عندما يكتبان عن محمد يسميان كتابيهما حياة محمد وعبقرية محمد من غير استخدام لصيغة الصلاة في العنوان ومن غير التزام بها في المتن. وفي السودان نجد أن محمود محمد طه لم يكن يستعمل صيغة الصلاة إطلاقا، وكان عندما يسأل عن ذلك يقول إن حديثه عن محمد ودعوته لطريقه وعمله هو صلاة عليه وسلام.   

(*) الحلقة الثالثة من المقال ستظهر يوم الجمعة 7 يونيو 2103.

(*) محمد محمود أستاذ سابق في كلية الآداب بجامعة الخرطوم ومؤسس ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.  

kassalawi99@hotmail.com