بقلم : لوكا بيونق دينق * ترجمة : بابكر فيصل بابكر لقد أضحى جلياً أنَّ نظام البشير قد وصل إلى طريق مسدود, وأنَّ زواله بات وشيكاً ولا رجعة فيه مهما حاول حزب المؤتمر الوطني تغيير سياساته تلبية لتطلعات الشعب السوداني . مقارنة بالأوضاع إلتي كانت سائدة في الوقت الذي إستلم فيه المؤتمر الوطني السلطة بالإنقلاب العسكري في يونيو 1989, نجد أنَّ السودان الآن قد وصل أسوأ مستوى في الأداء السياسي والإقتصادي. وقد بات إسم السودان مرادفا للبؤس والنزوح، والصراعات، والإبادة الجماعية والإرهاب والتطرف الإسلامي.

يتقدَّم موقع السودان تحت رئاسة البشير كل عام بإستمرار ضمن أسوأ الدول في المؤشرات العالمية المرتبطة بالأمن, ورفاهية المواطن، والحرية، والحكم، والفساد والمساءلة. ويمكن للمرء أن يقول دون تردد أنَّ البشير إستنزف رأس المال الإقتصادي والإجتماعي والسياسي الضخم والغني الذي راكمهُ الشعب السوداني خلال سنوات طويلة عبر البطولات والتضحيات ونكران الذات.

 

لقد أصبح إسم السودان مهيناً جداً للسودانيين, كما انه أضحى مصدراً لسخطهم بدلاً عن أن يكون مصدر فخر لهم. حتى أعضاء المؤتمر الوطني يشعرون الآن بالخزي من إنتماءهم للسودان الذي هبطوا به إلى أدنى مستوى من الهوان. قليل جداً من السودانيين يفخرون ببلدهم الذي بات من العسير إحتماله و العيش فيه بكرامة. يشهد السودان الآن أعلى نسبة لهجرة العقول في القارة الإفريقية حيث جعل البشير من البلد مكاناً غير محتمل لأبناءه خصوصاً المتعلمين وأصحاب المهارات منهم.

 

في إفريقيا التي كان السودان من اوئل دولها التي نالت إستقلالها ودعمت حركات التحرر الإفريقية وأسست منظمة الوحدة الإفريقية, يُنظر إليه كعبءِ حقيقي على القارة. لم يستطع السودان إستضافة واحد من إجتماعات الإتحاد الإفريقي التي تعقد كل عامين, ولم ينجح في رئاسة الإتحاد الإفريقي بعد أن شرع المؤتمر الوطني في إرتكاب جرائم وحشية ضد شعب السودان, خصوصاً دارفور. سودان البشير يُنظر إليه من قبل الدول الأعضاء في الإتحاد الإفريقي – وبالطبع من قبل العالم – كبؤرة للإرهاب والتطرف الإسلامي.

 

غالبية المواطنين في جنوب السودان مقتنعون الآن – وبما لا يدعُ مجالاً للشك – أنهم لن يستطيعوا إقامة علاقات طيبة مع السودان في ظل حكم البشير. على الرغم من الجهود المقدرة التي يبذلها الرئيس سلفا كير لإصلاح العلاقة مع البشير إلا أنَّ النتيجة النهائية كانت على الدوام في غير صالح الرئيس سلفا الذي يدفع ثمناً سياسياً يجعلهُ يفقد تدريجياً ثقة شعبه مع إستمرار البشير في إطلاق تصريحات وأقوال سلبية في حق أهل الجنوب. قد أصبح من الواضح الآن أنَّ بترول الجنوب لن يتدفق بطريقة سلسة عبر السودان لآنَّ القرار النهائي المُتعلق به يعتمد على سلوك الرئيس البشير الخاطىء و الذي لا يمكن التنبؤ به.

 

بما انَّ الرئيس البشير يشترط تدفق بترول الجنوب عبر السودان بفك إرتباط الجنوب مع الحركة الشعبية – قطاع الشمال والجبهة الثورية, فإنَّ من الواضح أنَّ البشير سيوقف تدفق البترول قريباً لأنَّ الجبهة الثورية ستكثف من عملياتها العسكرية خلال فصل الخريف. إنه من مصلحة الجنوب أن يعمل على تنفيذ خطته السابقة في العيش دون تصدير البترول عبر سودان البشير.

 

مع تزايد الدلائل على تورط نظام البشير في عملية إغتيال ناظر أبيى كول, فإنَّ التوترات على الحدود بين البلدين ستتزايد, وأنَّ هجرة العرب الرعاة الموسمية إلى الجنوب ستواجهها العديد من العقبات إذا لم يتم إجراء الإستفتاء كما هو مخطط له في اكتوبر 2013.

 

معظم التحليلات السياسية للأوضاع في السودان تخلص بلا جدال إلى أنَّ النظام في الخرطوم لا يملك إمكانية الإستمرار في الحكم, وانَّ النقاش حالياً يجب ان يتركز حول مرحلة ما بعد البشير.

 

وعلى الرغم من أنَّ لا أحد يعلم الكيفية التي سينتهي بها النظام, إلا أنَّ هناك ثلاث سيناريوهات مُحتملة.

 

السيناريو الأول هو أنَّ يصطنع النظام إنقلاباً عسكرياً يضمن له الخروج السلس ويسمحُ بتكوين حكومة قومية تشرف على عملية صياغة دستور دائم وإجراء إنتخابات عامة.

 

هذا السيناريو سيكون مفضلاً لدى الجيش الذي يشعر بالإهانة من قبل السياسيين الذي تسببوا في الحروب الأهلية التي لا يمكن فيها تحقيق نصر نهائي. من المحتمل ان يوافق المجتمع الدولي على هذا السيناريو إذا تعهدت الطغمة العسكرية بإجراء إصلاحات ديموقراطية في البلد. البشير كذلك سيقبل بهذا السيناريو لأنهُ سيوفر له الحماية من المحكمة الجنائية الدولية.

 

السيناريو الثاني هو أن يتنحى البشير كرئيس للسودان وان يسمح لنائبه الأول علي عثمان بإدارة عملية تفاوض مع الجبهة الثورية لتكوين حكومة قوميَّة و صياغة دستور دائم وإجراء إنتخابات عامة في 2015.

 

هذا السيناريو سيقابل بالرفض من معظم القوى السياسية السودانية, ولكن المجتمع الدولي سيدعمه لأنه سيرى فيه الكلفة الأقل من حيث الدماء. البشير سيقبل هذا السيناريو بحذر لأنه سيكون قلقاً من أنَّ علي عثمان ربما يخونه ولا يقدم له الحماية من المحكمة الجنائية. الجبهة الثورية ستواجه المهمة الصعبة المتمثلة في إقناع الشعب السوداني والمجتمع الدولي بخطر هذا السيناريو على إستدامة السلام في السودان.

 

السيناريو الثالث يتمثل في تكثيف الجبهة الثورية لعملياتها العسكرية متزامنة مع هبَّة شعبية في مدن السودان الرئيسية, وهو ما سيؤدي لسقوط النظام وتكوين حكومة قومية جديدة تقوم بتطبيق ميثاق الفجر الجديد.

 

إحتمال وقوع هذا السيناريو هو الأكبر, ولكن نجاحه يعتمد على الكيفية التي ستقوم الجبهة الثورية بها بتوسيع نشاطها العسكري إلى وسط وشمال السودان, والقبول بالميثاق كمشروع سياسي وأساس وحيد لتغيير النظام.

 

من الممكن أن يتم تصوير الجبهة الثورية عنصرياً من قبل النظام على أنها تجمع للأفارقة الساخطين و الغاضبين الذين يستهدفون المجموعات العربية في وسط وشمال السودان إضافة لإستهدافهم للطبقة الوسطى.

 

على الجبهة الثورية أن توازن بحذر بين أجندتها السياسية والعسكرية وأن تضمن طغيان وسيادة الأجندة السياسية على النجاحات العسكرية حتى تضمن ديمومة التغيير في السودان.

 

سيناريو الإنقلاب العسكري يبدو أنه النتيجة الأكثر إحتمالاً, ولكن السيناريو الثاني الذي يتضمن تنحي البشير لعلى عثمان يملك نفس حظوظ سيناريو الإنقلاب. وعلى الرغم من انَّ السيناريو الثالث المتمثل في إستلام الجبهة الثورية للسلطة عبر النضال المسلح والإنتفاضة الشعبية يوفر الحل الجذري والدائم لمشكلة السودان, إلا أنه عملية بطيئة وتعتمد فرص نجاحها على مدى قدرة التعبئة السياسية على إشعال إنتفاضة شعبية تجبر الجيش على الإنحياز للجماهير.

 

 في الحقيقة انه إذا إستطاعت الجبهة الثورية تكثيف عملها السياسي ليس فقط وسط الجماهير في كل انحاء السودان ولكن حتى داخل الجيش السوداني إضافة لتحقيق إنتصارات عسكرية, فإنَّ السيناريو المصري سيكون هو النهاية الأكثر رجاحة لنظام البشير.

 

مهما تكن طبيعة السيناريو الذي سينتهي به نظام البشير, نأمل ان تتم العملية بسلام, لأنَّ إحتمال النهاية العنيفة للنظام هو الأكثر رجحانا حيث تضرر الشعب السوداني كثيراً من البشير. بالضرورة سيحاسب الشعب السوداني البشير ونظامه على الجرائم التي إرتكبوها. كل أسرة سودانية – تقريباً – تعرضت بصورة مباشرة لأذى البشير والناس يعلمون بالتفصيل من أوقع بهم هذا الضرر.

 

سيحتاج اهل السودان لعملية صعبة لدمل الجراح, وكشف الحقيقة عن الفظائع التي إرتكبها البشير, و كذلك سيحتاجون لآليات تضمن العدالة والمساءلة حول هذه الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان, و الوصول للمصالحة في خاتمة المطاف.

 

أنا متأكد من أنَّ حكام السودان الجدد سينظرون لجنوب السودان كجار إستراتيجي, وسيسمحون بتدفق البترول الجنوبي عبر السودان بأقل الرسوم, وربما مجاناً. الحكام الجدد سيقومون كذلك بالعمل على التوصل إلى حل ودِّي بخصوص المناطق الحدودية المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان, كما أنهم سيتوصلون إلى حل للوضع النهائي لمنطقة ابيى وفقاً لمقترح الإتحاد الإفريقي.

 

أنا كذلك متأكد من أنَّ السودان بعد ذهاب البشير سيكون سوداناً أفضل, وانَّ البشير وزمرته سيدفعون ثمن الفظائع التي إرتكبوها مهما طال الزمن.

 

____________________

 

*لوكا بيونق دينق، وهو زميل في كلية كينيدي للادارة و الحكم بجامعة هارفارد حاليا ووزير سابق فى الحكومة المركزية وحكومة الجنوب وعضو بارز في الحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان .

عن صحيفة “نيو نيشن” الكينية