فيصل محمد صالح ظل سؤال الدستور مطروحا منذ فترة، هل نحتفظ بالدستور الحالي أم نبحث عن دستور جديد؟، خاصة أن لدينا قضايا متلتلة، ومواضيع كثيرة غير محسومة، بدءا من الدستور نفسه ومدى ملاءمته للحالة الراهنة. حيث تقول نصوص الدستور إن مرجعيته هي اتفاق السلام الشامل (نيفاشا) وأنه إذا تعارضت نصوص الدستور مع أي نص في الدستور فإن مرجعية الاتفاقية هي التي تسري، فأين نحن وأين الاتفاقية؟.

ثم بعد الانفصال ترددت أحاديث واقاويل حول اسقاط بعض أبواب وفصول الدستور المتعلقة بالجنوب، ولا نعلم كيف حدث هذا ومتى، أم أنه لم يحدث.

كما صدرت قبل فترة قرارات بتفكيك بعض الولايات وإنشاء ولايات جديدة، رغم أن نصوص الدستور تحدد الولايات وعددها ، وتم تطبيق هذا القرار بدون إجراء أي تعديل على الدستور. كما تم عزل عدد من الولاة المنتخبين، من المؤتمر الوطني ومن خارجه، وتم تعيين ولاة ، كلهم من صفوف المؤتمر الوطني، ولم توضع هذه القرارات في ميزان الدستور لنرى إن كانت لها مرجعية دستورية أم لا.

حسمت الحكومة أمرها وقالت أنها تسعى لوضع دستور جديد، وكونت لجانا وسمت اعضاءها، وصار لزاما على القوى الأخرى ان تتحرك وتستعد بما لديها. وتقول الصورة الواضحة أمامنا أن منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية تنشط في موضوع الدستور بأكثر مما تفعل الحكومة وأجهزتها والأحزاب حاكمة ومعارضة، بل وتقدم كثير من المبادرات الخلاقة التي تخرج بالنقاش حول الدستور من الغرف المغلقة إلى حوش البلد كلها، في المدن والأرياف.

يحقق هذا النشاط المجتمعي واحدا من أهم شروط صناعة الدستور وهو المشاركة الواسعة من كل قطاعات المجتمع، وشروط أخرى بشكل غير مباشر حيث يضع الأساس لشمول الدستور لكل القضايا وتحقيق شرطي الشفافية والوضوح في مناقشة القضايا والمواضيع المختلفة. لم يعد مقبولا ولا ممكنا في أي بلاد تعيش ظروفا عادية أن يتم وضع الدستور في الغرف المغلقة والزوايا المظلمة ليفاجأ به الناس في الصباح، فما بالك ببلاد مازالت في حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، ولا تزال أسئلتها الأساسية موضوعة على منصة التأسيس.

هناك تساؤل مشروع من بعض القوى والجماعات والافراد: البلاد مشتعلة في حالة حرب في كل أطرافها تقريبا، والضحايا والمشردون والنازحون بلا عدد، فهل الأولوية للدستور أم لإيقاف الحرب؟ مناقشة كيفية صناعة ووضع الدستور ليس أمرا اختياريا، ولا حتى توقيته، وربما لو كان الخيار في يد المجتمع المدني لاختار وقتا غير هذا وطريقة مختلفة في طرحه ومناقشته، وربطه بالظروف المناسبة. لكن طالما اتضح أن الحكومة في طريقها لطرح دستور جديد، فالواجب أن تستعد الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وكل التكوينات والتنظيمات، لتكون جاهزة ساعة المواجهة وتقديم الأطروحات. حتى الموقف المطالب بتهيئة الأجواء أولا، وقف الحرب وضمان الحريات العامة، هو جزء من عملية المشاركة في صناعة الدستور، ويحتاج لإعداد وتجهيزات ولقاءات، حتى يدعم موقفه هذا بما يقنع الآخرين. الوقت ليس مناسبا الآن لوضع الدستور، هذا صحيح، لكنه مناسب للتوعية والتثقيف والنقاش حول الآليات والوسائل والقضايا الأساسية التي يجب التركيز عليها.

يجب أن تنشط المجهودات الساعية لوقف الحرب، لكن يجب أن تنشط أيضا الجهود الساعية للعمل في كل المجالات، التنمية المتوازنة، تعديل وإصلاح القوانين، العدالة الانتقالية، إصلاح الخدمة المدنية، سياسات التعليم والصحة …الخ. ومتى ما تغيرت الأوضاع، بأي وسيلة، فلن نحتاج أن نبدأ من الصفر.

الهمس الدائر في المجتمع يقول أن للمؤتمر الوطني مسودة جاهزة سيحاول تمريرها، وهناك مجموعة حول منبر السلام العادل طرحت مشروعها المسمى بـ”الدستور الإسلامي”، وحتى قوى الإجماع الوطني المعارضة لديها مشروع دستور صاغته من خلال اجتماعات قياداتها، ولم يتنزل حتى لجماهير الأحزاب.

وحدها منظمات المجتمع المدني تسير على الطريق الصحيح والأسلم لصناعة الدستور، وتنشط لتحقيق شروط الشفافية والشمول والمشاركة، رغم المعاكسات والقيود التي توضع أمامها، خاصة في الولايات، والعقول التي تظن أن الحديث عن الدستور وكيفية صياغته هي مؤامرة لقلب نظام الحكم. فكم من منشط تم إيقافه، وكم من ورش ولقاءات تم فضها أو رفض التصديق لها من البداية، لكن رغم ذلك فإن القافلة تسير.

ويعمل مع هذه المراكز والمنظمات مجموعة من خيرة أبناء هذا البلد ومن ذوي الخبرة والمعرفة والدراية، لكنهم يدركون أن المطلوب منهم ليس فقط الجلوس لصياغة  دستور، وهم قادرون على ذلك من ناحية الكفاءة الفنية، لكن التفاعل مع الناس والتحاور معهم لمعرفة ما يريدونه من الدستور القادم.

ما تقوم به هذه المنظمات والمؤسسات الأكاديمية درس للحكومة والأحزاب والقوى السياسية، حاكمة ومعارضة، من ناحية، وأساس قوي ومتين من ناحية أخرى، لأي عمل تجاه صناعة دستور توافقي ديمقراطي يضع خطى البلد على أرض المستقبل.

 faisalmsalih@yahoo.co.uk