بعد سلسلة من المفاوضات المضنية ومجهودات كبيرة من الوسطاء توصل السودان وجمهورية جنوب السودان فى مارس الماضى الى اتفاق  للتعاون تضمن  إستئناف تصدير النفط الجنوبى الى الخارج عبر الموانئ السودانية، حيث  اوقفت جوبا فى يناير 2012 ضخ النفط بسبب اعتراضها على دفع رسوم قيمتها (33 دولار) مقابل كل برميل نفط يمر عبر الأراضي السودانية، وحسب الاتفاق الاخير قبل السودان بمبلغ(11 دولار ) مقابل كل برميل، وذلك بعد ان تكبد السودان وجنوب السودان خسائر فادحة

يوم أمس أعاد الرئيس عمر البشير ملف النفط إلى نقطة الصفر، وأعاد العلاقة مع دولة جنوب السودان إلى أجواء التأزم والاحتقان، حيث قطع في خطاب جماهيري له في الخرطوم بإيقاف تصدير نفط الجنوب عبر الشمال، ووجه وزير النفط ،عوض الجاز بمخاطبة الشركات العاملة في نفط جنوب السودان باغلاق الانبوب الناقل لبترول الجنوب اعتبارا من اليوم الاحد، مبررا ذلك بأن جنوب السودان يدعم الجبهة الثورية، وكان الخطاب تصعيديا ومحشودا بعبارات التهديد والوعيد من جهة، وعبارات الاستنفار للقتال من جهة اخرى.

 لم يحمل الخطاب  جديدا يبشر بأن منهج الرئيس في التعامل مع قضايا البلاد المصيرية قد تغير قيد أنملة، فرغم كل الأزمات الخانقة التي تطوق البلاد وهي من صنع سياسات الرئيس ونظامه وحزبه المحتكر للسلطة، يضيف الرئيس أزمة اقتصادية وسياسية جديدة ظانا انه بذلك يعاقب دولة الجنوب وأن عقابه هذا سوف يجعلها ترفع يدها عن مقاتلي الجبهة الثورية، وفي هذا تبسيط مخل لقضية معقدة، اي قضية الاحتراب الأهلي في السودان، فهذا الاحتراب القديم المتجدد نبت من تربة المظالم السياسية والاقتصادية ومن الخلل الهيكلي في الدولة السودانية، وتطور هذا الاحتراب حتى انقسم الوطن إلى وطنين، وسوف يبقى هذا الاحتراب ما بقيت أسبابه مهددا بمزيد من التقسيم، وانطلاقا من ذلك فإن الجدية في وقف الحرب تقتضي اجتراح حل سياسي شامل وجذري يقنع جميع السودانيين الذي يحملون السلاح بوضعه طوعا واختيارا ومن ثم الانخراط في الحياة المدنية بعد ان تكون البلاد استوفت شروط إمكانية العمل من أجل التغيير بالوسائل السلمية، أي عندما تكون هناك حرية تعبير وحرية تنظيم وحرية تظاهر وحرية اعتصامات وحرية عمل نقابي وحرية نشاط سياسي ، وعندما يكون هناك قضاء مستقل وسيادة حكم قانون وأن يكون هناك تواثق بين القوى السياسية المختلفة على برنامج جاد  لرفع المظالم عن الأقاليم التي ظلت تعاني تاريخيا من التهميش السياسي والاقتصادي والتنموي،اي باختصار ان تكون هناك بيئة مواتية لان يتم تداول السلطة سلميا عبر انتخابات حرة نزيهة مختلفة تماما عن الانتخابات الصورية التي تجرى تحت سيطرة الحزب الحاكم وتعيد تنصيبه بالتزوير والأساليب الفاسدة، وكل هذه الشروط الموضوعية الآن منعدمة تماما، وحتى داخل أسوار التنظيم الحاكم رأينا كيف تمت إقالة الدكتور غازي صلاح الدين من رئاسة الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم لمجرد انه قال ان ترشح البشير لدورة رئاسية أخرى مخالف للدستور! فما الذي يقنع حملة السلاح بأن يضعوا سلاحهم في ظل أوضاع كهذه؟ ان هذه الحرب ليست صنيعة دولة جنوب السودان الوليدة بل هي صنيعة أزمة الحكم في السودان ، وبالتالي فإن الحل الاستراتيجي الذي من شأنه إنقاذ السودان من ويلات هذه الحرب هو تجفيف منابع الأزمة داخليا، وليس الاستغراق في تجفيف منابع الدعم الخارجي.