بابكر فيصل تعتبر ظاهرة العنف من الظواهر متعدِّدة الأوجه التي لا يمُكن إرجاعها لسبب واحدٍ, بل تشكلها العديد من الأسباب النفسية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية, و يتداخل هذا السبب أو ذاك بدرجات متفاوتة في إعداد الكادر العنيف, غير انَّ العامل المُشترك بين كل هذه الأسباب هو منظومة "الأفكار" أو ما نسميه بالآيديولوجيا التي يتمُّ من خلالها السيطرة على الكادر والتحكم فيه بدرجة تجعلهُ مُستعداً للقتل ولو على حساب التضحية بنفسه.

وللعنف الأصولي الإسلامي – وهو موضوع مقالنا هذا – أسباباً كثيرة متشابكة, ولكن أكثرها تأثيراً على الأفراد هو الأفكار المُرتبطة بعلاقة المسلم بغير المُسلم “أى الكافر”, وكذلك بالمسلم صاحب التوجه المُختلف.

وأجد أمامي اليوم حالة نموذجيَّة من حالات تأثير بعض المفاهيم و الأفكار الدينية على معتنقها للدرجة التي تجعلهُ يقتلُ, ويُعرِّض نفسه للقتل دون أن تهتز له شعرة, بل لا يجدُ غضاضة في أن يبثَّ تسجيلاً مُصوَّراً يظهر فيه بجانب القتيل وهو يشرحُ دوافع ومبررات فعله.

هذا ما وقع الأسبوع قبل الماضي عندما ظهر الشاب البريطاني “أديبولاجو” المُنحدر من أسرة نيجيرية مسيحية مهاجرة في شريط فيديو ويداهُ ملطختان بالدماء بعد أن قتل الجندي البريطاني “لى ريجبي” بمشاركة آخر في منطقة ووليتش. وقال وهو يحمل ساطوراً وسكيناً إنه قتله إنتقاماً لمشاركة بريطانيا في حروب بدول أجنبية.

الشباب الذين يقومون بتنفيذ العمليات العنيفة هم ضحايا أفكار دينية في غاية الخطورة يتم تغذيتهم بها من قبل من يطلقون على أنفسهم لقب “الشيوخ”. وعلى الرغم من أنَّ هؤلاء يدفعون بالشباب المتحمس لإرتكاب هذه الأفعال العنيفة إلا أنهم يتهربون من تحمُّل مسؤولية الإيقاع بهم في هذا الفخ, بل يسعون لتبرئة أنفسهم والإستمتاع بنعيم الحياة الدنيا بينما يرسلون هؤلاء الشباب البسطاء إلى “الجنَّة” أو هكذا يزعمون.

حدث هذا عندما أصدر الدكتور عمر عبد الرحمن فتوى إغتيال الرئيس المصري الراحل السادات بإعتباره مرتداً عن الدين, وقد نفذ خالد الأسلامبولي ورفاقه عملية الأغتيال بناءً علي تلك الفتوي , ولكن الدكتور عمر قال أمام نيابة أمن الدولة العليا أثناء التحقيقات فى قضية قتل السادات ومحاولة قلب نظام الحكم أن فتواه “فردية” وأنه غير مسئول عن إيمان قتلة السادات بها.

ويتكرر نفس الشىء مع حادثة الشاب النيجيري موضوع هذا المقال, حيث صرَّح رجل لبناني يُدعى عمر بكري فستق كان لاجئاً ببريطانيا في وقت سابق, وأسس حركتي “المهاجرون” و “الغرباء” المحظورتين لصحيفة الشرق الأوسط بأنَّه أبَّان إقامته في بريطانيا إعتاد أن يلقي دروساً يحضرها هذا الشاب. وقال :

( نعم مايكل كان تلميذي عندما كان في الـ19 من العمر، وكنت أحاضر وقتها في مختلف المدن البريطانية، وأيضا في (ووليتش كومينتي سنتر) حيث تعرفت على الشاب مايكل لأول مرة، كنت أعلم الشباب عقيدة التوحيد والولاء والبراء، ومفهوم الدين الصحيح ). إنتهى

ثم يضيف (  كنت أعلمهم لا فرق بين الأبيض والأسود، الناس في الدين سواسية كأسنان المشط، كما علمنا رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – ولم نعلمهم الذبح والقتل ). إنتهى

الأمر المُثير للدهشة في حديث هذا الرَّجل هو قولهُ أنُه لم يكن يُعلم هؤلاء الشباب “الذبح والقتل”, بينما يعترف بأنهُ كان يُعلمهم عقيدة “الولاء والبراء”, وهو أمرٌ شبيهٌ بأن تقول أنني أعطيتُ شخصاً قلماً, والبديهي أنهُ سيتسخدم ذلك القلم في الكتابة أو الرّسم وليس الغناء , و كذلك من البديهي أنَّ من يتعلم الولاء والبراء – خصوصاً الشباب اليافعين – سينتهي بهم الدرب في مرحلة من المراحل إلى الذبح و القتل مثلما فعل هذا الشاب.

الولاء – بحسب فهم هذا الشيخ – يعني حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم, والبراء هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين, من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق, وأصحاب المذاهب الهدامة.

ومن مظاهر البراء من غير المسلمين عدم الإقامة في بلادهم, وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس, وعدم إتخاذهم – أى الكفار والمشركين – بطانة ومستشارين,وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

ومن الأشياء الخطيرة التي تترتب على هذه العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم, فأنواع السفر لبلاد الكفر –بحسب رؤية أمثال الشيخ بكري – هى السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة. وهم يضعون شرطان للإقامة ببلاد الكفر أحدهما أن يكون المقيم “مُضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم”.

ولا شك أنَّ هذا الحديث مُحرّضٌ على العنف بلا جدال, حيث يسافرملايين المسلمين الي دول مثل بريطانيا وأميركا والصين للدراسة والعلاج والتجارة سنويا, ومن يتعلم منهم ويتربى على مثل هذا المنهج لن يكتفي ببغض أهل تلك البلاد و لا شك سينتهي به المطاف الى مثل ما انتهى اليه كل الشباب الذين تورطوا في أعمال العنف والقتل والتفجير.

ومن مظاهر موالاة الكفار – بحسب تلك العقيدة – الإقامة في بلادهم وعدم الإنتقال منها إلى بلد المسلمين لغرض الفرار بالدين، لأنَّ الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم,  و لأنَّ إقامة المسلم في بلاد الكفر تدلّ على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة.

الغريب في الأمر أنَّ عدداً كبيراً من الشيوخ الذين يُحرِّضون على أعمال العنف والقتل – ومنهم عمر بكري- لم يجدوا ملاذاً آمناً يلجأون إليه من جور وبطش الحكام “المسلمين” في بلادهم سوى بلاد “الكفر” التي وفرَّت لهم المأوى الآمن, يعيشون فيها بسلام, يأكلون ويشربون ويتعالجون على حساب دافعي الضرائب في تلك البلاد, ومع ذلك يُضمرون البغض والعداء لأهلها, ويُربون ناشئة الشباب على كراهيَّتهم.

وعندما سُئل الرَّجل عن العمل الذي قام به الشاب النيجيري أجاب بأنه “عمل غير شرعي” ولكنهُ إستدرك قائلاً ( أنا لا أعارض ما فعل، وأعتقد أنه رغب بألا يتقيد بعقد الأمان، وهذا جهاد فردي، لكني ضد الطريقة التي قتل بها ضحيته). إنتهى

هذا الحديث الملىء بالتناقض ينمُّ عن فكر مشوَّش وتلاعب بالعقول, فهو تارة يقول أنَّ الشاب أقدم على عمل غير شرعي, وتارة أخرى يُسميه “جهاد فردي”, وثالثة يقول أنه لا يُعارض ما فعل, ووجه التناقض هو أنَّ العمل غير الشرعي يستوجبُ بالضرورة الرفض والمعارضة والإدانة, فكيف يكونُ العمل غير شرعي و يوصف في ذات الوقت بأنهُ جهاد فردي ؟

الأمر الخطير الذي ورد في كلام عمر بكري هو حديثه عن مفهوم جديد لم يعرفهُ الإسلام من قبل وهو “الجهاد الفردي”, وذلك بأن يتخذ كل فرد قراراً بإعلان الجهاد بمسوِّغات شخصيَّة ومن ثم يشرعُ في تنفيذ قراره بحسب تقديراته الخاصة, وقد يشمل قرارهُ إعلان الجهاد على أشخاص مسلمين يختلفون معهُ في الرأي فقط ولكنهُ يصنفهم في خانة الكفار الذين يتوجب قتلهم, وبالتالي فإنَّ هذا المفهوم يمثلُ مدخلاً لفساد عظيم.  

ولا يكتفي عُمر بكري بعدم إدانة لفعل الذي أقدم عليه الشاب النيجيري, بل يُحاول ان يجد له مُبرّراً ويقول : (حسب بعض التفسيرات الإسلامية، لم يكن يستهدف المدنيين وإنما هاجم جنديا، كان يقوم بعملية عسكرية).

بل هو يذهب أبعد من ذلك حين يجعل من قضيَّة القتل عملاً عشوائياً ينفذهُ الشخص بحسب تأويله الشرعي, و في هذا الحديث مدخل خطير  للعنف والترويع لأنَّ السماح لكل شخص بأن يُقدم على القتل بحسب قناعاته الخاصة سيُحوَّل المجتمعات إلى ساحات للفوضي والقتل والتفجير, فها هو يقول :

( مايكل أو مجاهد قتل وارتكب ما ارتكب حسب عقيدته وتأويله الشرعي الخاص به، وحسب قناعاته الشخصية، في قتل جندي بريطاني شارك في قتل المسلمين في العراق وأفغانستان). إنتهى

إنَّ خطورة هذا الفكر لا تقتصرُ فقط على العلاقة مع الآخر غير المُسلم, ولكنها تمتدُّ إلى داخل حظيرة الدِّين الإسلامي نفسه لتشمل التيارات الفكرية و المذاهب التي تختلف معه, وهو ما شهدنا مظاهره في أفغانستان و العراق وباكستان في السابق, ونشهدهُ الآن في سوريا.