د. جمعه كنده كومي    عندما تم توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005 م بعد مفاوضات مراثونية امتدت لأكثر من عشر سنوات، تبلورت قناعة لدى الرأي المحلي والاقليمي و الدولى انذاك بأن جذور مشكلات السودان قد تم تشخيصها ووضع حلول نهائية لسلام مستدام في السودان.

معلوم ان الاهداف الاساسية للاتفاقية هي جعل الوحدة جاذبة واشاعة مبادئ الديمقراطية والحكم الراشد والتداول السلمى للسلطة والتوزيع العادل للثروة وتلبية المطالب المشروعة لمجتمعات الاقاليم المغبونة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً خاصة جبال النوبة والنيل الازرق.

اليوم نستطيع القول ان اتفاقية السلام لم تحقق أياً من غاياتها واهدافها الاساسية: فبدلاً من الوحدة جعلت الانفصال جاذباً فانفصل جنوب السودان، عزًزت الوضع القائم اصلاً فلا ديمقراطية ولاحكم راشد ولا تداول سلمى للسلطة تحقق، ولاتوزيع عادل للثروة انجز، ولم يتم مخاطبة جذور مشكلات مجتمعات الاقاليم المغبونة. النتيجة الحتمية كانت تجدد الحرب في هذه الاقاليم  واستمرارها في دارفور والتوتر الدائم في علاقة دولتى السودان.

بعد الانفصال تبلورت قناعة مرة اخرى لدى الرأي العام المحلي الاقليمي والدولي بأن سلاسة عملية ممارسة حق تقرير المصير واعلان استقلال جنوب السودان مؤشرات ايجابية يمكن ان تفضى إلى علاقات تعاون  بين دولتى السودان اساسها التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. شواهد اليوم تشير عكس ذلك تماماً، فمنذ انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م ظلت علاقة البلدين متوترة إلي حد الاحتراب وقفل الحدود والبترول رغم ان الاخير يمثل العمود الفقري للاقتصاد في البلدين.

في ضوء هذا الواقع تبرز عدة اسئلة في السطح: اين يكمن الخلل؟ أهو في  اتفاقية السلام الشامل؟ ام في ما يلي من اتفاقيات بين السودان وجنوب السودان؟ ام في غياب الارادة السياسية من أحد او من طرفي المعادلة؟ ام في طريقة تعامل المجتمع الدولي والاقليمي طيلة فترة المفاوضات مروراً بالفترة الانتقالية وصولاً الي مرحلة ما بعد الانفصال؟ بالطبع ليست هناك اجابات نموذجية لهذه الاسئلة السياسية الشائكة. ولكن من المؤكد ان لكل هذه العوامل دورها فيما وصلت اليه علاقات الدولتين من جهه وازمات السودان الداخلية من جهه ثانية. في مقالات لاحقه سنحاول الاجابة علي بعض من هذه الاسئلة بتحليل اعمق, وحتي ذلك الحين لابد من الاشارة الي بعض الحقائق الاساسية والتي تفرضها الجغرافيا السياسية وجيوبولوتيكا البلدين:

اولاً: حدود البلدين والتي  مازالت في مرحلة الصيرورة هي حدود وهمية اجتماعياً واقتصادياً وطبيعياً حيث تمتد العلاقات الاجتماعية وسبل كسب العيش لمجتمعات البلدين في المناطق الحدودية. تشكل هذه المناطق  نظاماً بيئياً متكاملاً يمتد داخل عمق اراضى البلدين دون اعتبار للحدود الدولية الجديدة. وبالرغم من المهددات الامنية تظل المناطق الحدودية مصدراً لسبل كسب العيش لمعظم سكان هذه المناطق.

ثانياً: معظم مشكلات السودان العالقه مع الجنوب تقع في ذات الاقاليم الحدودية  الملتهبة داخل اراضي دوله السودان خاصة في ولاية جنوب كردفان حيث تحتضن هذه الولاية معظم المشكلات العالقة بين الدولتين. القائمة طويلة وتشمل الاتى: ابيي، البترول، الجبهه الثورية، الحركة الشعبية قطاع الشمال، مشكلة حركة الرعاة والمراعي والمياه من الشمال للجنوب،  دخل دولة السودان، ومعظم المشاكل الحدودية المتنازع عليها اهمها جبل المقينص بين جنوب كردفان/ النيل الابيض واعالي النيل، حزام هجليج – جاو – بامبو  الغنية بالنفط علي الحدود من جنوب كردفان وولاية الوحدة ، منطقة كاكا التجارية بين جنوب كردفان واعالي النيل. هذا يعني ان اي محاولة للوصول الي تسوية مع دولة جنوب السودان دون اعتبار لمشكلات السودان الداخلية في منطقتي جنوب كردفان والنيل ودارفور هي تعقيد لازمة السودان الداخلية من جهه وازمة الدولتين من جهه ثانية.

ثالثاً: معطيات النظام البيئي في المناطق الحدودية بين البلدين يفرض واقعاً ايكلوجيا ً وسياسياً واقتصادياً يحتم التكامل والتعاون الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين البلدين لضمان الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي بين  وداخل البلدين. فعلي سبيل المثال نجد ان اكثر من 50 % من سكان البلدين يعيشون او يتحركون في المناطق الحدودية باعتبارها مركزسبل كسب عيشهم، وان حوالي 90% من بترول الدولتين والمستغل حالياً يقع في المناطق الحدودية بين البلدين، وان اكثر من 60% من الموارد الزراعية خاصة الزراعه الآلية تتمركز في الجزء الجنوبي من دوله السودان ( جنوب دارفور، جنوب كردفان، جنوب النيل الابيض، جنوب سنار ، جنوب الجزيرة، جنوب القضارف، وجنوب النيل الازرق ) وفي الجزء الشمالي من دولة جنوب السودان ( شمال اعالي النيل، شمال ولاية الوحدة ، شمال شمال وغرب بحر الغزال).

واخيرا ً, تشير معطيات الاثنية السياسية والاجتماعية الي ان هنالك اعداداً معتبرة من سكان السودان في المناطق الحدودية  خاصة في جنوب كردفان والنيل الازرق وربما دارفور يمثلون امتداداً طبيعياً للجانب الافريقي في مكون هوية السودان الافروعربية، وان لهذه الحقيقة ابعادها السياسية في نزاعات السودان الحالية ودور دولة الجنوب فيها في الماضي والحاضر وربما في المستقبل القريب والبعيد. انكار هذه الحقيقة هى واحدة من العوامل التى تؤزم علاقات السودانيين مع مركز االسلطة فى الخرطوم والاقاليم المغبونة. باختصار الحل يكمن  في جدية  التعامل مع هذه المعطيات المتداخلة من اجل بناء علاقة استراتيجية بين الدولتين، وان هذه العلاقة هي المفتاح الوحيد لمعالجة مشكلات الدولتين فيما بينها من جهة,  وداخل حدود كل ٍ منهما من جهة اخرى، وللمقال بقية.