محمد حسن عربي عندما كان الترابى حاكما لم تهتز له شعرة وهو يقوم بتسليم الارهابى كارلوس الى فرنسا مع ان الرجل قد اختار الاختباء بالسودان نظرا الى وشائج القربى الجهادية التى تجمعه بالسلطة الجديدة التى وصلت للحكم فى الخرطوم بالانقلاب العسكرى فى 1989م.

لم يكن مهما عقيدة كارلوس و الى اى الاديان ينتمى بقدر ما كان مهما بالنسبة له ان الاسلاميين السودانيين يتقاسمون معه الكعكة نفسها ، النضال من اجل قضية محددة يتفقون حولها ، و ايمانهم بذات الوسائل التى جعلت من كارلوس ارهابيا ومن السودان دولة داعمة للارهاب فى اللائحة الامريكية.مصالح الاسلاميين اقتضت التضحية بكارلوس و تسليمه الى فرنسا دون حياء او تانيب ضمير، ولم يمض وقت طويل على الترابى فى السلطة حتى اخرج منها بواسطة تلاميذه و رجاله ليجد نفسه معارضا و معترضا و ناقما على من اطاحوا بحكمه .تلاميذ الترابى و اخوته فى الجناح الحاكم لم تاخذهم بالشيخ اقل رافة ، فالترابى واحد من اكثر الساسة تعرضا للاعتقال منذ اخراجه من السلطة وكذلك اتباعه فى المؤتمر الشعبى ، فالاسلاميين الحاكمين لم يوفروا سلوكا و لا اقوالا توضح الى اى مدى هم فاجرون فى خصومتهم للمؤتمر الشعبى و شيخهم الذى يستهدف سلطتهم ، و لا تبدو اى امارة من امارات الاسف على محياهم وهم ينكلون باخوة الامس ، و بحزب الشيخ ، فالسياسة عندهم مصالح دائمة و صداقات مؤقتة.

تحت الشعار نفسه ، يطلب اخوة العوض فى الحزب الحاكم من الساسة الجنوبيين التعامل مع رفاق الامس من الحركة الشعبية .تكونت الحركة الشعبية كحركة سياسية مسلحة بجنوب السودان و امتدت لمناطق مختلفة بشمال السودان اهمها جبال النوبة و النيل الازرق فيما انتمى اليها كثيرون من شمال السودان من مختلف المناطق تحت اهداف قومية تتسع لكل البلاد ، غير ان هذه الحركة وجدت نفسها فى مفاوضات السلام التى افضت الى انفصال جنوب السودان مجرد حركة تمرد جنوبية ذات اهداف و مطالب جنوبية وفقا لاصرار المؤتمر الوطنى على تمثيله الحصرى لشمال السودان ، ومع ان مفاوضات السلام شهدت محاولات جادة لطرح مشكلات البلاد على الطاولة الا انها افرزت فى الواقع حلولا لقضايا مناطقية اكثر منها قومية سواء على مستوى الجنوب او ما اصطلح على تسميته بالمناطق الثلاث ، وعندما انفصل جنوب السودان ، تركت الحركة الشعبية جزءا عزيزا منها فى الشمال ، سواء بجبال النوبة او النيل الازرق او الخرطوم ، وهو ما يعرف بقطاع الشمال ، الذى وجد نفسه دون مقدمات حزبا سياسيا فيما تبق من السودان.لم تكن للحركة الشعبية – قطاع الشمال- تجربة تذكر فى العمل السياسى المدنى ، فباستثناء الفترة الانتقالية بعد اتفاقية السلام ، تعتبر الحركة الشعبية كيانا مسلحا يعبر عن برنامجه بالسلاح اكثر مما يعبر بالندوات و المسيرات وعندما انفصل الجنوب لم تترك الحكومة مساحة للحركة الشعبية السودانية للتحرك السياسى السلمى فى السودان اذ اتخذت حزمة تدابير قانونية و سياسية وامنية الهدف الرئيس منها الحيلولة دون الحركة الشعبية و العمل السياسى ، و بالنسبة لى كانت الحكومة تدفع الحركة الشعبية دفعا نحو الحرب ، وهى تتوقع ان جنوب السودان سينحاز الى مصالح الدولة الوليدة المرتبطة اقتصاديا و امنيا مع الدولة الام و انها لن تتردد فى ادارة ظهرها لرفاق الامس سعيا وراء تلك المصالح.ان كانت هذه الرؤية تبدو منطقية ، الا ان هذا هو الجزء الحالم فى المنطق ، ذلك ان السياسة لا تدار و لا تلعب بذات طريقة الاسلاميين التى تقدس السلطة و تعشق المال و تحتقر القيم و المبادئى و تتنكر لعلاقات القربى الايدولوجية ، فاذا كان الاسلاميين السودانيين لا يتورعون فى التضحية بالاشخاص و الاراضى و السيادة و الكرامة فى سبيل السلطة ، فان ذلك لا يعنى بالضرورة ان كل الاحزاب تفعل ذلك ، و لهذا كان عليها البحث عن حلول لمشاكلها داخل السودان لا فى الاحراش و الغابات ووراء الحدود ، خاصة وان الاسباب التى فصلت الجنوب باقية اليوم ، واهمها سياسات المؤتمر الوطنى القائمة على التعامل مع الجنوب باعتباره مجموعة من الناس ترتبط بالمال و تبحث عنه .على اهل العوض ، النفكير مجددا فى ان انبوب النفط لن يجلب مشكلة ، ولن يحل كارثة ، فالحل فى الداخل.