فيصل محمد صالح يثور جدل كثير حول سد النهضة الإثيوبي، والذي شرعت إثيوبيا في العمل فيه منذ فترة، ثم قامت قبل أسبوعين ببدء عملية التحويل المؤقت لمجرى النيل الأزرق لاتاحة المساحة الكافية لبناء جسم السد. تابعت خلال هذين الأسبوعين عددا من المحطات الفضائية المصرية والتي لم يكن لها شاغل سوى هذه الخطوة الإثيوبية وانعكاساتها على مصر، والتي اتفق معظم المتحدثين بأنها ستكون سالبة.

بعض هذا النقاش والحديث كان هتافيا، بل وغوغائيا ومستفزا لغير المصريين، لكن نعمنا أيضا بأحاديث ومعلومات مهمة من خبراء زراعيين واقتصاديين وجيولوجيين ومهندسين في الري، وبعض خبراء العلاقات المصرية الإفريقية. ولو لم يكن المواطن المصري يعلم شيئا عن السد وآثاره، فإن متابعات يوم واحد فقط كفيلة بوضعه في الصورة وجعله يحدد موقفه، بناء على المصلحة المصرية طبعا.

أعود هنا لأقلب الصحف السودانية ومحطات الإذاعة والتليفزيون، فلا أجد شيئا، فقر مدقع في المتابعة والتحقيق، وفقر أكثر في المعلومات، وغياب أو تغييب للخبراء من كل صنف ولون.

هل سيتضرر السودان من قيام هذا السد أم سيستفيد، وما هو نوع وحجم الضرر إن وجد، وكيف يمكن للسودان أن يعالج هذا الأمر، وما موقفه من الاتفاقيات الدولية التي تعالج قضايا المياه؟ لم أجد مادة أو معلومات زراعية واقتصادية وجيولوجية وقانونية واستراتيجية، إلا من المساهمات المقدرة للدكتور سلمان محمد أحمد سلمان خبير قوانين المياه في البنك الدولي، ثم إفادات الخبير يحي عبد المجيد عن احتمالات حدوث نشاط زلزالي سيؤثر سلبا على السودان.

تمتلئ المواقع الإسفيرية بالتعليقات والأخبار المنقولة، ويبدو أن النشطاء على هذه المواقع يقلقهم ضبابية الموقف السوداني وعدم وضوحه، فاختار أكثرهم اتخاذ موقفه الشخصي بناء على ميول ورغبات ومواقف سابقة. هناك من قرر أن يلقي بكرته في السلة المصرية ويرتاح، أينما اتجهت مصر نتجه نحوها، وكان الله يحب المحسنين. وهناك طرف آخر لديه مواقف من مصر، فظل يدعو لعدم الوقوف معها وتأييد الموقف الإثيوبي نكاية في مصر، كلا الموقفين خاطئين.

هناك مؤيدون كثير لإثيوبيا انطلاقا من موقفين، الأول مبدئي يقول إن من حق أي دولة الاستفادة من الموارد المتوفرة لها قبل الآخرين، والثاني ينطلق من موقع المكايدة لمصر والتشفي فيها واعتبار ذلك عقاب على اتفاقية مياه النيل 1959.

في ما يتعلق بحقوق الدول في الاستفادة من الموارد المشتركة، فإن هذه المسألة لا تتحكم فيها العواطف، وإنما قواعد وإجراءات القانون الدولي، والتي تلزم الجميع بعدم الإنفراد وبأخذ القانون بيده، وإنما بالتفاهم بين جميع الأطراف. أما الموقف المكايد لمصر فهو موقف إنتقامي غير عقلاني لا يصح القياس عليه، لأنه لم يقرأ مصلحة السودان ولم يضعها في اعتباره. من أراد ان يغيظ مصر والمصريين في أمر ما، فله الحق أن يفعل ذلك، ولكن ليس على حساب مصالح سودانية.

المؤشر الذي يجب أن يوجهنا هو مصلحة السودان أولا وأخيرا، إن كان السد سيضرنا فلا مناص من بذل كل الجهود والتحالف مع المتضررين الآخرين، وإن كنا لن نتضرر، بل ونستفيد، بحسب ما قرر البعض، وحسم أمره، فواجبنا هنا أن نلعب دورا وسيطا بين مصر وإثيوبيا بحكم علاقتنا الوثيقة بالدولتين لحسم الخلافات والوصول لحل يحقق مصالح جميع الأطراف.

لكن كيف نصل لهذا المؤشر بلا معلومات من خبراء سودانيين، وكيف نطمئن لموقف الحكومته وصحته ونحن في حالة صمت مطبق ومحير في أم حيوي مصيري لنا ولبلادنا؟

استضاف المنبر الصحفي بطيبة برس الأسبوع الماضي الدكتور سيف الدين يوسف سعيد، خبير دراسات وقضايا المياه ليتحدث عن تأثير سد النهضة على الأمن المائي السوداني، وشاركه في التعقيب والإضافة الدكتور حيدر يوسف الخبير في مجال الري ومستشار سابق لوزارة الري، والدكتور جون جندي الخبير في مجال التوليد المائي وممثل الجمعية السودانية لحماية المستهلك.

كان هناك إجماع على غياب الدراسات المتكاملة في الجانب السوداني، واتفاق على أن الموقف السوداني ضبابي وغير مبني على دراسات وأدلة علمية، وأن التصريحات الحكومية تبدو متضاربة وغير واضحة.

لكن أهم ما في هذا المنتدى هو اتفاق الدكتورين سيف الدين وحيدر على وجود آثار سالبة كثيرة لسد النهضة على السودان، وأن الموقف السوداني لم يدرس هذه الآثار التي تصل عند الدكتور حيدر يوسف إلى مخاطر حقيقية.

عدد الدكتور سيف الدين الآثار الإيجابية في انتظام الإمداد المائي طوال العام، وتقليل كمية الطمي حيث سيحجز السد جزء كبير منها، وامكانية إمداد السودان بكهرباء رخيصة من إمداد السد.

ثم انتقل للآثار السالبة، ومنها الحرمان من مياه الفيضانات التي تقوم بتغذية المياه الجوفية وتخزينها، ثم أن تقليل نسبة الطمي التي تصل للأراضي السودانية معناها أيضا تقليل درجة خصوبة التربة، لأن الطمي هو الغذاء المتجدد للتربة. كما أن تخزين المياه خلف سد النهضة سيعني بالضرورة تقليل المخزون الاستراتيجي السوداني من المياه، وجعل السودان خاضعا للضغوط بعد تخزين المياه خارج حدوده. وتحدث كذلك عن تأثر مناطق زراعة الري الفيضي ، خاصة الجروف، التي ستفقد دفعات المياه التي كانت تصلها، بالإضافة لأثار بيئية سالبة لم تجر عليها الدراسات والبحوث حتى الآن.

وختم الدكتور سيف الدين يوسف حديثه بالإشارة لمخاطر وجود السد في منطقة الأخدود الإفريقي، وإنه قد يحرك النشاط الزلزالي في المنطقة، وحذر من عدم وجود أي دراسات محاكاة ونماذج في حالة وقوع زلزال لمعرفة حجم الآثار والأضرار.

(نواصل)