د. سلمان محمد أحمد سلمان ظلّ السيد أحمد أبو الغيط، الوزير الأسبق للخارجية المصرية إبان عهد الرئيس حسني مبارك، يكرّر بمناسبة وبدون مناسبة بعد توقيعه (مُمثِّلاً لمصر) على اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية في 9 يناير عام 2005، أن مصر مع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، شريطة أن يؤدي الاستفتاء إلى الوحدة. من المؤكّد أن الكثيرين اندهشوا لغرابة ذلك التصريح. لقد منحتْ اتفاقية السلام الشامل التي وقّع عليها السيد أبو الغيط نفسه حق الانفصال لشعب جنوب السودان فما معنى اشتراط مصر الذي يتعارض مع الاتفاقية نفسها ومع منطق وتطورات الأحداث؟

يتكرّر هذا المشهد بصورةٍ لاتختلف كثيراً هذه الأيام في النزاع حول سدّ النهضة الاثيوبي. فالتصريحات النارية الواردة من القاهرة تمتاز أيضا بذلك النوع من التناقض. تُكرّر مصر أنها مع حق دول حوض النيل في استخدام مياه النيل بغرض التنمية الاقتصادية في تلك البلاد، بشرط ألا يؤثر ذلك على قطرة مياه واحدة تصل مصر من النيل. وتذهب هذه التصريحات أبعد من هذا عندما يعلن الرئيس مرسي أن مصر “ستدافع عن كل قطرة من مياه نهر النيل بالدماء، ولو نقصت قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل.”

 مصدر التشابه بين التصريحين يتمثّل في التناقض وفقدانهما للمنطق. فقد قرّرت مصر والسودان بمقتضى اتفاقية مياه النيل التي وقّعا عليها منفردين في 8 نوفمبر عام 1959 أن كلَّ مياه النيل حقٌ كاملٌ لهما، وتمّ اقتسام وتخصيص كل تلك المياه بينهما. وقد قامت مصر والسودان باستخدام كل مياه النيل دون ترك أية قطرةٍ  للدول الأخرى. عليه فإن أية استخدامات لمياه النيل بواسطة أية دولةٍ نيلية أخرى سيكون بالطبع خصماً على مصر، المستعمل الأكبر، (حوالى 87%)، وعلى السودان (حوالى 13%) من مياه النيل. فكيف يمكن لمصر تأكيد حق دول النيل الأخرى في استخدام مياه النيل بغرض التنمية ثم تهديد هذه الدول بالحرب والدماء إن هي فعلت ذلك؟ 

إن حالة الاحتقان الحالية في حوض النيل خصوصاً في ما يتعلّق بسدّ النهضة الاثيوبي تعود إلى اتفاقية مياه النيل لعام 1959. إنها اتفاقية تمتاز بالاستعلاء والإقصاء في تعاملها مع بقية دول الحوض جميعها، وهي اتفاقيةٌ غيرُ موفقةٍ البتّة. وقد ظلّت هذه الاتفاقية مصدراً للغبن والتهكّم من دول حوض النيل الأخرى التي قرّرت في السنوات الأخيرة ردّ الصاع صاعين وأخذ حقوقها بيدها وبنفس طريقة تعامل مصر والسودان معها بمقتضى تلك الاتفاقية. وفي حقيقة الأمر فقد خرجت كل نزاعات دول حوض النيل خلال الخمسين عام الماضية من رحم هذه الاتفاقية غير الموفّقة.

سوف نتناول في هذا المقال هذه الأطروحة ونوضّح المواقف التي حاولت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 فرضها على دول حوض النيل الأخرى، وكيف ارتدّ ذلك على مصر والسودان، متمثلاً في قرارات دول المنبع بناء مشاريعها، بما في ذلك سدّ النهضة الاثيوبي، في تجاهلٍ تام وتحدٍّ واضحٍ لهذه الاتفاقية.

2

تنبّهت اثيوبيا إلى أن السودان ومصر قد قررا التفاوض حول توزيع مياه النيل منذ بداية اجتماعاتهما عام 1954. وقد بدأت اثيوبيا في إرسال المذكرات إلى مصر والسودان في يونيو عام 1955 تطالب بإشراكها في المفاوضات. لكنّ مصر والسودان قررتا تجاهل ذلك الطلب وتلك المذكرات. وقد واصلت اثيوبيا مساعيها وأرسلت مذكرةً ضافيةً في 23 سبتمبر عام 1957، مشيرةً فيها إلى بيانٍ سابق صدر في 13 يونيو عام 1956، حول حقوقها في نهر النيل.  لكنّ مصر والسودان واصلتا تجاهلهما للطلب الاثيوبي. عليه فقد قامت اثيوبيا حال توقيع مصر والسودان على اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959 بإرسال مذكرةٍ للدولتين  وللأمم المتحدة تعلن رفضها التام للاتفاقية وتؤكّد على حقوقها في مياه النيل. وكانت بريطانيا قد طلبت في 9 أكتوبر عام 1959، كممثلةٍ لمستعمراتها الثلاثة في دول البحيرات الاستوائية (كينيا ويوغندا وتنجانيقا)، المشاركة في المفاوضات، ولكنّ مصر والسودان تجاهلتا ذلك الطلب أيضاً.

وقد أعلنت يوغندا في 30 نوفمبر عام 1959 نيابةً عن دول البحيرات الاستوائية أن الاتفاقية مرفوضةٌ ولا إلزامية لها على هذه الدول. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنه من المبادئ الأساسية والأولية للقانون الدولي أن الاتفاقيات الدولية لا تخلق أية التزامات على دولةٍ ثالثة إلا إذا وافقت عليها تلك الدولة صراحةً أو ضمناً. من هنا تجيء دهشتنا لتكرار المستشار القانوني لوفد التفاوض السوداني أن اتفاقية عام 1959 ملزمةً لدول النيل الأخرى (راجع برنامج “حتى تكتمل الصورة” 8 اكتوبر عام 2012 الموجود على موقعنا الالكتروني وعلى موقع الأستاذ الطاهر حسن التوم أيضاً).

عليه فقد كانت بداية الإقصاء رفض مصر والسودان مشاركة دول حوض النيل الأخرى، خصوصاً اثيوبيا، في التفاوض على مياه النيل. وتبدو عدم عقلانية هذا الرفض وفقدانه للمنطق والعدل عندما نتذكّر أن اثيوبيا هي المصدر لحوالى 86% من مياه النيل، بينما يأتي ما تبقّى من مياه النيل (14%) من دول البحيرات الاستوائية. ويأخذ التبخّر والتسرّب كل ما يضيفه جنوب السودان والسودان من مياه أمطارٍ لنهر النيل، بينما ليست هناك إضافة لمياه النيل من مصر البتة.

3

لكنّ رفض مصر والسودان لمشاركة دول حوض النيل الأخرى في المفاوضات كان البداية فقط للإقصاء. فقد امتلأت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 وفاضت بالنصوص التي تحتكر مياه النيل وتجرّد دول الحوض الأخرى من أبسط حقوقها في مياه النيل بمقتضى القانون الدولي وقواعد العدالة والمنطق والعقلانية. دعونا نلقي نظرةً سريعةً على هذه النصوص من الاتفاقية.

أولاً: برز التجاهل لدول حوض النيل الأخرى في عنوان اتفاقية مياه النيل لعام 1959 نفسه الذي يوضّح أن مصر والسودان قد وضعتا أياديهما على كل مياه نهر النيل بغرض الانتفاع الكامل بها. فعنوان الاتفاقية هو “اتفاق بين الجمهورية العربية المتحدة وبين جمهورية السودان للانتفاع الكامل بمياه نهر النيل.” وتتوسّع ديباجة الاتفاقية في مسألة الانتفاع الكامل هذه فتعلن أنه “نظراً لأن نهر النيل في حاجةٍ إلى مشروعات لضبطه ضبطاً كاملاُ ولزيادة ايراده للانتفاع التام بمياهه لصالح جمهورية السودان والجمهورية العربية المتحدة …” وهكذا يؤكد عنوان الاتفاقية وديباجتها الاحتكار التام بواسطة مصر والسودان لمياه النيل وزيادة مياهه لصالح الدولتين فقط.

4

ثانياً: قامت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بتقسيم كلِّ مياه النيل بين مصر والسودان. تُشير الفقرة الثانية من الاتفاقية إلى أن صافي مياه نهر النيل مُقاسةً عند أسوان بعد بناء السدّ العالي هي 84 مليار متر مكعّب. وتوزّع الاتفاقية هذه الكمية من المياه بين مصر والسودان بعد خصم فاقد التبخّر في بحيرة السد العالي البالغ عشرة مليار متر مكعّب، ليتبقّى 74 مليار. وقد نالت مصر 55,5 مليار بينما نال السودان 18,5 مليار متر مكعّب بمقتضى الاتفاقية.

عند التأمل في هذه العملية الحسابية لتوزيع مياه النيل، فإننا نجد أن الاتفاقية لم تترك قطرة ماءٍ واحدة لدول حوض النيل الأخرى. وهاهم الإخوة المصريون يكرّرون حق دول النيل الأخرى في التنمية والاستفادة من مياه النيل بشرط الآ يؤثر ذلك على نقطة ماء من حقوق مصر. كيف سيتم ذلك؟ لننظر أدناه لمزيدٍ من الإقصاء والاستعلاء في الاتفاقية.

5

ثالثا: تُشير الفقرة الثانية من الجزء الخامس من اتفاقية مياه النيل إلى مطالب البلدان النيلية الأخرى بنصيبٍ في مياه النيل وإلى اتفاق مصر والسودان على أن يبحثا سوياً مطالب هذه البلاد ويتفقا على رأىٍ موحّد بشأنها. وإذا أسفر البحث عن إمكان قبول أية كمية من إيراد النهر تخصّص لبلدٍ منها فإن هذا القدر، محسوباً عند أسوان، يُخصم مناصفةً بينهما. وتُلزم الاتفاقية الهيئة الفنية الدائمة المشتركة بين مصر والسودان بمراقبة عدم تجاوز هذه البلاد كمية المياه الممنوحة.

عليه فإن هذه الفقرة من الاتفاقية تُعطي مصر والسودان وحديهما حق تحديد نصيب أية دولةٍ نيليةٍ أخرى، على أن تتقدم هذه الدولة بطلبٍ لمصر والسودان. كما تُعطي الاتفاقية الدولتين حق رفض ذاك الطلب أو قبوله وتحديد كمية المياه التي ستمنحها مصر والسودان لتلك الدولة، والتي ستقوم الهيئة الفنية بمراقبة عدم تجاوزها بواسطة تلك الدولة.

هذه الفقرة تمتاز بالتجاهل التام لأبسط مبادئ القانون الدولي والمنطق والعدالة. هل كانت مصر والسودان تتوقعان فعلاً أن تتقدم أية دولة مشاطئةٍ أخرى بمطالبها في مياه النيل لمصر والسودان ليبحثاها ويقررا فيها، بما في ذلك رفض الطلب؟ إن مثل ذلك الطلب كان سيعني بالطبع اعتراف هذه الدول باتفاقية عام 1959 التي هي ليست طرفاً فيها، واعترافها بهيمنة مصر والسودان الكاملة على نهر النيل، بما في ذلك حق مصر والسودان في عدم قبول تخصيص أية كمية من المياه لذلك البلد. وتعني أيضا تنازل هذه الدول عن حقٍ يكفله القانون الدولي لكلٍ من الدول المشاطئة في الانتفاع المنصف والمعقول من أي نهرٍ مشتركٍ بينها.

وعلى سبيل المثال هل كانت مصر والسودان تتوقعان أن تتقدّم اثيوبيا، وهي المصدر لـ 86% من مياه النيل بطلبٍ لمصر والسودان بتخصيص كميةٍ من مياه النيل لها؟  وكما ذكرنا من قبل فقد طالبت اثيوبيا مراراً وتكراراً إشراكها في المفاوضات ولكن مصر والسودان تجاهلتا ذلك الطلب. كما لا بد من الإشارة أيضاً إلى تصريح السيد هاول الوكيل الأول لوزارة التجارة والصناعة في يوغندا في 30 نوفمبر عام 1959 والذي ذكر فيه أنه اندهش كثيراً لما أسماه لهجة الغطرسة التي تسود اتفاقية مياه النيل لعام 1959، والتي تُقرّر أن نصيب الدول النيلية الأخرى من مياه النيل هو هبةٌ من مصر والسودان وليس حقاُ مشروعاً لهذه الدول بمقتضى القانون الدولي.

6

رابعاً: تفصّل الفقرة الخامسة من اتفاقية مياه النيل صلاحيات الهيئة الفنية المشتركة بين مصر والسودان. وتشمل هذه الصلاحيات تحقيق التعاون الفني بين حكومتي الجمهوريتين والسير في البحوث والدراسات اللازمة لمشروعات ضبط النهر وزيادة إيراده لمصلحة البلدين، وكذلك استمرار الإرصاد المائي على النهر في أحباسه العليا. وتشير هذه الفقرة إلى  أنه إذا أسفر البحث عن الاتفاق على تنفيذ أعمالٍ على النهر خارج حدود الجمهوريتين لهذه الأغراض فإنه يكون من عمل الهيئة الفنية المشتركة أن تضع – بعد الاتصال  بالمختصين في حكومات البلاد ذات الشأن – كل التفاصيل الفنية الخاصة بالتنفيذ ونظم التشغيل وما يلزم لصيانة هذه الأعمال. وبعد إقرار هذه التفاصيل واعتمادها من الحكومات المختصّة يكون من عمل هذه الهيئة الإشراف على تنفيذ ما تنصّ عليه هذه الاتفاقات الفنية.

هذه فقرة في غايةٍ من الغرابة. فبعد أن رفضت مصر والسودان مشاركة دول حوض النيل الأخرى في المفاوضات، وجرّدت هذه الدول من أي حقوقٍ لها في مياه النيل، قررت الدولتان أن من حقهما إقامة مشاريع في هذه الدول لزيادة مياه النيل لصالح استعمالات مصر والسودان، وليس لصالح استعمالات هذه الدول. ثم أعطت الاتفاقيةُ الهيئةَ الفنية المصرية السودانية المشتركة الإشراف على تنفيذ هذه المشاريع. لا غرابة أن ظلّ هذا النص حبراً على ورق على مدى الخمسين عام الماضية وزاد من غبن وغضب دول المنبع.

7

خامساً: تتوسّع اتفاقية مياه النيل في صلاحيات الهيئة الفنية المشتركة فتعطي الهيئة الحق في رصد مناسيب النيل وتصرفاته في كامل أحباسه العليا. وهذه الأحباس العليا هي دول المنبع (اثيوبيا ويوغندا وكينيا وتنزانيا وبوروندي ورواندا والكونغو واريتريا وجنوب السودان). وتقرّر الاتفاقية أنه  ينهض بهذا العمل تحت الإشراف الفني للهيئة مهندسو جمهورية السودان والجمهورية العربية المتحدة في السودان وفي الجمهورية العربية المتحدة وفي يوغندا. وهذا يعني أن مهندسي الري المصريين والسودانيين من حقهم – حسب اتفاقية عام 1959 – دخول أيٍ من هذه الدول لرصد مناسيب النيل وتصرفاته في كامل أحباسه العليا رضيت هذه الدول أم أبت. من المؤكّد أن هذا النص يتعارض مع أبسط مقومات السيادة لأية دولة فكيف سمحت الدولتان بتضمينه في اتفاقية ثنائية؟ وهل كانا يتوقعان فعلاً أن يتمّ تطبيق هذا النص؟  

8

مثل هذه النصوص من اتفاقية مياه النيل لعام 1959 لا يمكن إلا أن تولّد الغبن والغضب بين دول حوض النيل الأخرى، وهذا بالضبط هو ما نتج عن هذه النصوص. وعندما يستمر السياسيون والفنيون، المصريون والسودانيون، في الحديث عن التعاون مع دول حوض النيل الأخرى رغم هذه النصوص، فإن هذا يشير إلى إحدى دلالتين. الدلالة الأولى أن هؤلاء الأشخاص لايدرون عن المضامين العميقة لهذه النصوص من اتفاقية مياه النيل. والدلالة الثانية أنهم يدرون عنها ولكنهم يعتقدون أن التعاون يجب أن يتم من خلالها وتحت مظلتها. والحالة الأولى، وهي الأرجح، تدلُّ على عدم الإلمام الكافي بمضمون الاتفاقية. أما الحالة الثانية فإنها تدلُّ على مواصلة الاستعلاء والإقصاء.

لا أحد ينكر اعتماد مصر التام على مياه النيل. لكن بنفس القدر لا يستطيع أحدٌ أن ينكر حقوق الدول الأخرى في التنمية والاستفادة من مياه النيل، وحقّ هذه الدول، بل واجبها، في محاربة المجاعات والظلام والعطش وسط شعبها باستعمال مياه النيل مثلما فعلت مصر والسودان تماماً. وعلى مصر والسودان اللذين يستخدمان كل مياه النيل لهذه الأغراض الاعتراف للدول الأخرى بهذه الحقوق والتشاور والتعاون معها للوصول إلى حلول وسط تعطي كل دولة نصيباً منصفاً ومعقولاً من مياه النيل كما يقضي بذلك القانون الدولي والمنطق والعدالة.

لقد كان محزناً (ومُحْرِجاً) أن يتابع العالم رفض مصر والسودان التام لمشروع “شين يانغا” في تنزانيا والذي قامت فيه دولة تنزانيا بشقِّ قناةٍ لنقلِ مياه من بحيرة فكتوريا لأغراض الشرب لعددٍ من قراها التي ضربها الجفاف والعطش. كانت كمية المياه التي سوف يتمّ استخدامها لأغراض الشرب في هذه القرى لا تتعدّى المليار متر مكعب. غير أن تأثيراتها على السودان ومصر لن تزيد عن مائة مليون متر مكعب بسبب تنظيم مستنقعات جنوب السودان لانسياب مياه النيل الأبيض. أقامت مصر والسودان الدنيا ورفضتا المشروع وهددتا بضربه. حدث هذا في الوقت الذي تضيع فيه أكثر من 17 مليار متر مكعب من مياه النيل في التبخّر في مصر والسودان (10 مليار في بحيرة السدّ العالي، و7 مليار في سدود السودان، منها 2,5 مليار من خزان جبل أولياء الذي انتفت الأسباب التي تمّ من أجلها إنشاؤه). تجاهلت تنزانيا الاحتجاجات وأكملت مشروعها ووقفت معها دول العالم ومنظماته وخبراء القانون الدولي للمياه. وقد أوضح ذلك المشروع بجلاء عزلة السودان ومصر في قضايا مياه النيل، وغياب الحساسية والاعتبار لاحتياجات دول النيل الأخرى، حتى لمياه الشرب التي يعتبرها القانون والشرع والأخلاق حقاً إنسانياً مطلقاً لا يقبل الجدل. 

وقد بنت اثيوبيا سدودها الأربع (“فينشا” و”تانا بيليس” وسدي “تس أباي”) على النيل الأزرق، وسدّ تكزي الضخم على نهر عطبرة دون أن تأبه لتهديدات مصر والسودان (رغم الحديث في تسريبات “ويكي ليكس” عن وجود فرقة كوماندوز مصرية في السودان في عهد الرئيس مبارك مهمتها ضرب السدود الاثيوبية). كما واصلت يوغندا بناء سدودها على النيل الأبيض وأكملت “سدّ بوجاغالي” وبدأت التخطيط لسدّ “كاروما.”

كانت تلك المشاريع في اثيوبيا ويوغندا وتنزانيا، وكان عدم مناقشتها والتشاور بشأنها مع مصر والسودان، هو النتاج الطبيعي لاتفاقية مياه النيل لعام 1959، وتجاهلِ مصر والسودان التام لدول النيل الأخرى وحقوقها في مياه النيل. وقد كان غريباً أن تطالبَ مصرُ والسودان بقية دول حوض النيل الأخرى بإخطار مصر والسودان بمشاريعها في الوقت الذي قامت فيه هاتان الدولتان (بعد التوقيع على اتفاقية مياه النيل) ببناء عدة مشاريع دون مشورة أو إخطار أية من دول حوض النيل. وقد شملت تلك المشاريع السد العالي ومشروع توشكا وقناة السلام في مصر، وسدود الروصيرص وخشم القربة ومروي في السودان. بل إن مصر كانت قد عرضت نقل مياه النيل لاسرائيل عبر قناة السلام التي تأخذ مياه النيل لصحراء سيناء. قدّم ذلك العرض الرئيس السابق السادات أثناء زيارته لاسرائيل في 5 سبتمبر عام 1979 في مدينة حيفا. وكان الرئيس السادات نفسه قد صرّح مراراً وتكراراً بأنه لن يسمح لأية دولة من دول المنبع باستخدام قطرةٍ من مياه النيل. 

9

رغم أن مياه النيل قليلة ومحدودة، لكنه يمكن ترشيد استخداماتها وزيادة واردها لتحقيق أهداف دول الحوض والاستفادة القصوى من مياه النيل. كما يجب إضافة أن مصر نفسها قرّرت أنها تحتاج إلى 55 مليار متر مكعّب عام 1959 عندما كان عدد سكانها 22 مليون نسمة. يقترب عدد سكان مصر الآن من المائة مليون يستخدمون نفس كمية المياه التي خصصوها لأنفسهم قبل أكثر من خمسين عام. وقد جعل هذا الوضع مصرَ المستوردَ الأول للقمح في العالم، إذ أنها تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها من القمح رغم استعمالاتها المهولة لمياه النيل. وهذا يعني بالضرورة احتياج مصر لمياهٍ إضافيةٍ كثيرة.

لكن ترشيد الاستخدامات والاستفادة القصوى من حوض النيل وإضافة مياهٍ جديدة إليه تحتاج إلى التعاون بحسن نية ونديّة والتخلّي عن سياسة الاستعلاء والإقصاء التي انبنت عليها اتفاقية مياه النيل لعام 1959. هذه الاتفاقية التي ترفض الاعتراف بحقوق الدول الأخرى في حوض النيل الذي تأتي كل مياهه من أراضيها. بل إن الاتفاقية لا تعترف حتى بسيادة هذه الدول وحدودها وسلامة أراضيها.

10

لكل هذه الأسباب التي تطرّقنا إليها في هذا المقال نرى أنه قد آن الأوان لمصر والسودان التخلّي عن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 والانضمام إلى اتفاقية عنتبي مع دول النيل السبعة الأخرى. وسوف يتيح هذا الانضمام فرصاً للتعاون والعمل بحسن نيّة وجديّة ونديّة من أجل تنمية وتطوير حوض النيل والاستفادة من مياهه بطريقةٍ عادلة ومنصفةٍ وقابلةٍ للاستمرار لمصلحة شعوب الحوض التي يرزح معظمها تحت الفقر والجوع والعطش والظلام. وسيتحوّل سدّ النهضة إلى مشروعٍ تنمويٍ تستفيد كل دول النيل، بما في ذلك مصر والسودان، من الطاقة الكهربائية الهائلة والنظيفة وغير المكلّفة التي سيولّدها، والتي يحتاج إليها كل دول الحوض وبصورةٍ عاجلة. هذا بالطبع بالإضافة إلى فوائد سدّ النهضة الكبيرة والكثيرة على السودان والتي ناقشناها في مقالاتنا السابقة. 

وقتها سوف يحلُّ التعاون الحقيقي محلّ النزاعات، وتحلُّ المنافع المشتركة محلّ البرامج الآحادية وطبول الحرب.

 

Salmanmasalman@gmail.com

www.salmanmasalman.org