كاملا بهاسين العنوان أعلاه هو لكتيب يشرح  مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) ويجلي الغموض حول هذا المفهوم عبر الإجابة على أهم التساؤلات التي تدور حوله، وأهم ما يوضحه الكتيب هو ان (الجندر) مفهوم تحرري يهدف للعدالة وتغيير واقع التمييز واللا مساواة المبني على أساس الهوية الجنسية(ذكر او أنثى) مع كامل الاعتراف بهذه الهوية وخصائصها البيولوجية، ولكن ما يهدف إليه (الجندر) هو ان لا تكون هذه الخصائص البيولوجية أساسا للتمييز بين الجنسين في المكانة الاجتماعية ومن ثم الانتقاص من الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية،

لقد التصقت مفردة (جندر) بالنساء لانهن وفي مختلف بلدان العالم وعبر التاريخ تعرضن للتمييز السلبي وهو تمييز له تجلياته في مختلف الثقافات والعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية، مما جعلهن ولاسباب موضوعية في حاجة ماسة لمفهوم(الجندر) لكي يتحررن ويحققن العدالة، ولكن من الناحية المفهومية فإن (الجندر) يشمل الرجال كذلك، باعتباره يسعى للعدالة والمساواة. 

وعبر هذه السلسلة ننشر هذا الكتيب وهو من تأليف كاملا بهاسين، نشره مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة، وقد قام بترجمته وتحريره الاستاذ عبد المنعم الجاك.  

كيف يمكن ترجمة كلمة )نوع اجتماعي «جندر »( إلى لغات جنوب آسيا؟

هذه مشكلة حقيقية، إذ بينما توجد كلمتان مختلفتان في اللغة الإنجليزية للتعبير

9 فهم النوع الاجتماعي «الجندر »

عن «الجنس » والنوع الاجتماعي «الجندر »، ففي معظم لغات جنوب آسيا نجد كلمة ) )Linga

للدلالة على مفردتي الجنس والجندر. وللتمييز بين الجنس والنوع الاجتماعي الجندر نجد

في لغات جنوب آسيا كلمة براكريتيك لينقا ) Praakritik Linga ( بمعنى الجنس البيولوجي، بينما

كلمة ساماجك لينقا ) Saamaajk Linga ( تدل على النوع الاجتماعي الجندر أو مفهوم الجنس

الاجتماعي. وفي الحقيقة تعتبر تعريفات لغات جنوب آسيا أفضل من تعريفَي الجنس والجندر؛

لأن المفردتين تحملان معنييهما مباشرة ولا تحتاجان إلى مزيد من التوضيحات.

لكن، ألا يُعتبر النوع الاجتماعي «الجندر » ذا علاقة وثيقة بالجنس؟؛ والأدوار والسلوكيات

المحدّدة للنساء والرجال، ألا تُعتبر قائمة على الاختلافات الجنسية بينهما؟

إلى حدٍّ ما هذا صحيح. فبسبب التكوين الجسدي للنساء وليس كل النساء فإنهن

يحملن الأطفال ويُطعمنهم)ن(، ويأتيهن الطمث، ولكن خلاف هذا فليس هنالك ما يفعلنه ولا يقدر

عليه الرجال، كما لا يوجد شيء يقوم به الرجال ولا تقوى عليه النساء، فالحمل لا يعني أن النساء

وحدهن القادرات أو الملزمات برعاية الأطفال، فالرجال بنفس القدر يمكنهم القيام برعاية الأطفال.

وعلى هذا الأساس، فليس بالضرورة أن يكون التكوين الجسدي للرجل والمرأة هو المحدِّد لصفاتنا،

ومهامنا ومصائرنا.

لكن في الواقع يصعب جداً تثبيت ما هو مشكَّل طبيعياً وما هو مفروض اجتماعياً، فما

إن يُولد الطفل حتى تبدأ الأسرة والمجتمع في عملية تحديد النوع الاجتماعي «الجندرة ». فكثير

من ثقافات جنوب آسيا تحتفل بقدوم المولود الولد، ويمطرونه بالحب والتقدير وبأفضل الرعاية

الغذائية والصحية، بينما تصيبهم الحسرة في حالة المولود البنت، فالأولاد يتم تشجيعهم ليكونوا

أقوياء وقادرين على التعبير، أما البنات فيتم تشجيعهن على الاحتشام والبقاء بالمنزل.

ليس ثمة في جسد البنت ما يمنعها من ارتداء الملابس القصيرة أو تسلُّق الأشجار أو ركوب

الدراجات، وليس في جسد الولد ما يمنعه من اللعب بالدُّمَى أو رعاية أشقائه الصغار أو المساعدة في

الطبخ أو نظافة المنزل. كل هذه ليست سوى اختلافات قائمة على النوع الاجتماعي «الجندر »، وهي

من ابتداع المجتمع. والبرهان على حقيقة أن تحديد النوع الاجتماعي «الجندر » يُعزى إلى الاختلافات

الثقافية والاجتماعية، وليس كأمر يعود إلى الطبيعة، أن النوع الاجتماعي «الجندر » يظل في تغيير  دائم بتغير الأزمنة، واختلاف الأماكن، وبين المجموعات الاجتماعية المختلفة. ومثال لذلك: حالة ابنة

الطبقة الوسطى، التي تظل مقيدة بالبقاء داخل البيت أو المدرسة، بينما الفتاة القروية تتجول

بحرية في الحقول، وترعى الماشية، وتتسلق الأشجار لجني الثمار. فكلتاهما فتاتان، لكن ما اكتسبتاه

من قدرات وطموح وأحلام يختلف، بالرغم من أن جسديهما يتشابهان. وبالمثل، فإن العديد من العائلات لا يسمحون للبنات بالذهاب إلى المدرسة أو الخروج من المنزل بعد سن 10 أو 11 سنة،

حسب التقاليد، وفي معظم الأحايين يُزَوَّجن في سن البلوغ.

أما الآن فقد تغير ت أشياء كثيرة، بما فيها التعليم. تغير أيضاً تقسيم الأدوار والمسؤوليات بالنسبة للرجال. وهذا ما نعنيه عندما نقول إن النوع الاجتماعي «الجندر » متغير

ومختلف، ويمكن أن يختلف باختلاف الأسر، والمجتمعات، كما يمكن أيضاً أن يكون مختلفاً باختلاف الأزمنة في الأسرة الواحدة.

حتى أجسادنا يمكن أن تتشكل أو تتغير، سواءٌ أكان ذلك بفعل أنفسنا أم بفعل المجتمع والثقافة. إذ يمكننا أن نغير حجم أجسادنا، أو أشكالها، أو أن نقويها، ويتم ذلك بالتدريب، أو الاستخدام، أو عدم الاستخدام، أو سوء الاستعمال، والأمثلة الواضحة على ذلك أجساد المصارعين

رجالاً ونساء، بُناة كمال الأجسام، الرياضيون، الراقصون وممارسو اليوقاإلخ. وبالمثل، فإن لأجساد النساء القدرة على الحمل والإنجاب، ولكن من شأنهنّ أيضاً أن يخترن إذا ما كن يردن الإنجاب، وأن

يخترن عدد الأطفال الذين يرغبن، ولهنّ أن يخترن التباعد الزمني للإنجاب. فالإنجاب ليس أمراً حتمياً على النساء كما هو على إناث الحيوانات.

«إذا استطاعت المرأة أن تطبخ، فإنّ الرجل

يستطيع أيضاً؛ لأن المرأة لا تطبخ برحمها .»

يُستنتج من هذا؛ أن الأوضاع المختلفة، التي تتمتع بها النساء والرجال في المجتمع،

تُحدَّد اجتماعياً وثقافياً، وهي من صنع الإنسان، وتأثير الطبيعة في ذلك محدود. فالنوع الاجتماعي

«الجندر »، على خلاف «الجنس »، هو الذي يحدِّد وفي كل مكان تقريباً أن النساء كمجموعة

يُعتبرن أدنى مكانةً من الرجال، فالنساء يتمتعن بحقوق أقل، ويمتلكن مصادر أقل، ويعملن لساعات

طويلة قياساً بالرجال، إلا أن عملهن أقل تقييماً أو أقل أجراً. إضافة إلى ذلك، فالنساء يواجهن عنفاً

منظماً سواءٌ أمِن الرجال أم عبر المجتمع، كما يمتلكن القليل من السلطة لاتخاذ القرار في المؤسسات

الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية. وقد صَوَّرت كلاوديا فان ويرلوف ) )Claudia Van Werlhof

النظام الاجتماعي القائم على تحديد علاقات النوع الاجتماعي الجندر بأنه:

)لا يوجد نظام اجتماعي في التاريخ تمادَى وشَوَّه واستَغَلّ الاختلافَ الطبيعيَّ بين الجنسين بشكل وحشي ومنظَّم كما يفعل نظامنا الاجتماعي، فقد حوَّل الجنس، كتكوين طبيعي، إلى نوع اجتماعي «جندر » مصطنع، حيث جعل الرجال من «الذكورة » والنساء من «الأنوثة »، وهو في الحقيقة قد حوَّل الرجالإلى فئة بشرية، بينما ينظر للنساء كجنس فقط. في النهاية، وبعد تفصيل هذه

الاختلافات الاجتماعية طَرَح النظام الاجتماعي هذه الاختلافات على أساس أنها طبيعية، ليتم تذويبها من ثَمّ في صُوَر الاستغلال الاقتصادي( ) 2(.

إن أي مجتمع يفرض معايير مختلفة على البنات والأولاد، وعلى النساء والرجال، وتحدِّد هذه المعايير تقريباً معظمَ أوجه حياتهم ومستقبلهم. ويمكن النظر إلى هذه المعايير بصورة أوضح

في ما يلي:

الملبس:

البنات والأولاد، والنساء والرجال، يرتدون ملابس مختلفة في معظم المجتمعات. وفي بعض

الأماكن ربما تكون هذه الاختلافات طفيفة، ولكن في بعضها تبدو صارخة. وفي بعض المجتمعات

النساء يغطين أنفسهن من الرأس حتى أخمص القدمين بما في ذلك الوجه. إن طريقة اللبس يمكن

بالفعل أن تؤثر على الحركة، وعلى الشعور بالحرية والكرامة.

المميزات:

في معظم المجتمعات يُتوقع من النساء أن يَبدون بطبائع مضبوطة؛ كالرّقّة، والعناية، والتغذية، والطاعة، بينما يُتوقع من الرجال أن يَظهروا أقوياء، ذوي ثقة بالنفس، ومنافسين وسليمي

التفكير. وقد قالت فاسانث كانبران ) Vasanth Kannabiran (، وهي إحدى النسويات الهنديات:

)يُفترَض أن تكون تربية الأطفال أمراً في طبيعة المرأة، كحالها الموروث في الإنجاب!. ليس تربية الأطفال الذين ننجبهم فحسب، بل يُفترض أن يكون الحب أو الأمومة كامنة بداخلي تنتظر أن تفيض كالنهر على أي إنسان يحتاج

إليها. هكذا نصيرُ أمّهاتٍ أبديات؛ أُعطي الأمومة لطفلي، لأطفال الآخرين،

لزوجي، لإخواني، لأخواتي، ولأبي، الذي اعتاد أن يناديني: «أمي الصغيرة »!. وعلى

هذا الأساس أصيرُ أماً للجميع. بهذا المفهوم الواسع، فإنه يتوقع منك أن تفيضي

بإحساس الأمومة لعموم الكون، ويفترض في هذا أن يكون طبيعياً!، ولكن ليس

العمل على الإطلاق. هذا أمرٌ تؤدّينه بسهولة كالتنفس والأكل والنوم( ) 3(.

الأدوار والمسؤوليات:

عادةً يُعتبر الرجال أرباباً للأسر، ومُلاّكاً، ومديرين للممتلكات، ونشطاء في السياسة والدين

والأعمال والمهن المتخصصة. وفي الجانب المقابل، يُتوقَّع من النساء، ويدرَّبن، على الإنجاب، وعلى

العناية بالأطفال، وعلى تمريض كبار السن والعاجزين، فضلاً عن القيام بكل الأعمال المنزلية وغيرها

من مهام. وهذه الأدوار، تُحَدِّدُ عادةً إن كنّ سيتعلّمن أم سيُحرمن من التعليم، كما تحدّد مجال

تدريبهن للعمل وطبيعة العمل. وعموماً لا يخفى أن مقدار الاختلاف بين أدوار الرجل والمرأة يتباين

بدرجة واسعة. فالقواعد التي تحكم هذه الأدوار، في بعض الأحايين، ليست سوى تمييزية، وتظهر

القليل من القلق بين الجنسين حول التبادل المؤقت لأدوارهما.

تقول كورا ديبويس ) :)Cora Du Bois

)بالرغم من وجود فوارق بين الأدوار الاقتصادية للجنسين، لا يُجانب السلامة أن يؤدِّي أحدهما دَور الآخر؛ إنه، بالأحرى، يحظى بالإعجاب لامتلاكه مهارة إضافية. فالمتعارف عليه أن النساء ينظِّمن الاقتصاد المعيشي، بينما يهتمّ الرجال

بالإجراءات المالية. لكن العديد من الرجال يتحمّسون لأعمال البساتين، كما تمتلك العديد من النساء مهارات مالية. ففي بعض الثقافات تُعتبر أعمال البساتين من الحرف النسائية، وانخراط الرجال بها يعتبر برهاناً على الانحراف الجنسي، وفي ثقافات أخرى يمكن تصميم مهارات وأدوار خاصة للإناث المتفوّقات في مهام

مصمّمة للجنسين() 4(.

وفي المقابل:

)تفرض بعض المجتمعات أدواراً صارمة لكل من الجنسين. ففي حالة

هنود المُندُرُوكُو، في وسط البرازيل، الذين اتخذتهم آن أوكلي ) )Ann Oakley

نموذجاً لمجتمعٍ، نجد استقطاباً للأدوار على أساس الجنس والتقسيمات الجنسية

يعتبر عنصراً اجتماعياً أساسياً. والفصل المكاني والاجتماعي بين الجنسين مكتمل

فعلياً، فالرجال والأولاد يسكنون في منازل خاصة بهم منفصلة عن الإناث. فكل

مجموعة جنسية باستثناء الأطفال تتفاعل فقط داخل مجموعتها، والتنافر بين الجنسين يظهر في العديد من الشعائر والمناسبات. وينتشر الاستقطاب الجنسي، ليس فقط في المهام الاقتصادية والأدوار الاجتماعية بين الجنسين، ولكن

أيضاً يشمل المساحة الشخصية؛ إذ يأخذ شكل السيطرة والخضوع. ولا يغيب القلق حول مقدرة الناس على البقاء داخل الأدوار الجنسية وأنماط الشخصية المفروضة، وحول مقدرتهم في تجاوز رغباتهم الحقيقية والخيالية، إذ يُعَرب عن كل هذا في العديد من صور الفلكلور والشعائر() 5(.

وللمتابع من الخارج، تبدو اختلافات النوع الاجتماعي «الجندر » في المجتمعات الغربية

طفيفةً، ولكن، كما أشارت آن أوكلي ) :)Ann Oakley

)يُعتبر الجنسُ الأساسَ المنظِّمَ للبنية الاجتماعية في المجتمعات الغربية اليوم. وبالرغم من الاعتقاد العام بخلاف ذلك، يلعب نوع الجنس دَوراً كبيراً في تحديد الأدوار الاجتماعية. عليه ليس من المستغرب أن نجد قلقاً عميقاً حياله، في الثقافة الغربية، كما هو الحال لدى المُندُرُوكُو، يضرب بجذوره في المطالب حول الأدوار القائمة على النوع الاجتماعي «الجندر ». ويرى العديد من الأطباء النفسانيين أن جزءاً كبيراً من استقرارنا النفسي كناضجين يأتي من معايشتنا داخل حدود هذه الأدوار، والتي يجب أن نعايشها إذا أردنا المحافظة على قوانا العقلية() 6(