رشا عوض عندما طوى علم جمهورية السودان ليرتفع مكانه علم جمهورية جنوب السودان المستقل قبل عامين، كان ذلك تدشينا لمرحلة جديدة في تاريخنا، عنوانها "السودان إما أن يتجدد وإما ان يتبدد"، ولكن الحاكمين والمعارضين والشعب السوداني استقبلوا  تلك اللحظة التاريخية الفارقة ببرود وسلبية محيرة.

الحاكمون وأذيالهم من منابر العنصرية وبث الكراهية الدينية والعرقية قلبوا الصورة رأسا على عقب وحولوا (الخيبة الوطنية الكبرى) إلى احتفالات وذبائح وحديث ممجوج عن جمهورية ثانية رشيقة لأنها تخلصت من عبء الجنوب! المعارضة ممثلة في أحزاب الشمال كعادتها لم تفعل شيئا يرقى لحجم الحدث، ولو كانت معارضة جادة لجعلت من لحظة انقسام الوطن ساعة صفر لمواجهة حاسمة مع النظام ولرفعت شعار إسقاطه عاليا، لا سيما ان انشطار السودان تزامن مع ثورات اطاحت فيها شعوب المنطقة العربية بحكام على سوئهم لم يتسبب واحد منهم في تقسيم وطنه الى دولتين! والشعب السوداني على مستوى قواه الحية لم ينتج أي رد فعل قوي يعبر عن غضبه على انقسام وطنه،  والغضب المقصود بالطبع ليس موجها إلى الجنوب الذي اختار الاستقلال، بل كان  يجب ان يتوجه إلى السياسات المأزومة والممارسات العنصرية التي دفعت الجنوب دفعا إلى الاستقلال، لأن المواجهة الحاسمة لتلك السياسات والممارسات هي ضرورة حياة لما تبقى من الدولة السودانية، لا سيما ان هذه الدولة تضم جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وهي مناطق حملت السلاح جنبا الى جنب مع الجنوب وعانت من مظالم شبيهة ونزفت وذاقت الأمرين في حربها مع الدولة المركزية وقبل ان يكتمل استقلال الجنوب اندلعت الحرب في جبال النوبة وبعد الاستقلال باقل من شهرين اندلعت الحرب في جنوب النيل الأزرق، كما تضم هذه الدولة دارفور التي اندلعت فيها حرب شرسة ارتكبت فيها فظائع وجرائم حرب شبيهة بما كان يحدث في الجنوب ، وتضم هذه الدولة شرق السودان الذي حمل ابناؤه السلاح كذلك  وما زالت أرضه مزروعة بملايين الألغام ، ووضعت جبهة الشرق السلاح وفق اتفاقية هشة، وما زال هذا الإقليم يتجاور فيه الميناء والذهب ، والسل والعطش وحقول الألغام وهو جوار لا يبشر بسلام! وهذا يعني باختصار أن استمرار المنهج القديم في إدارة الدولة السودانية يعني ذهاب جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور وربما شرق السودان بذات الطريقة التي ذهب بها الجنوب، أي ان الشعب السوداني أمام خيارين: إما الإطاحة بنظام المؤتمر الوطني وإما الاستعداد لتفكك ما تبقى من السودان،

الإطاحة بالمؤتمر الوطني حتى تكون نقطة انطلاق تاريخية لتوحيد ما تبقى من الدولة السودانية، وحتى تكون استشرافا لعهد جديد بحق لا بد ان تتم هذه الإطاحة على أساس مشروع وطني كبير يكون (شمال ووسط السودان) جزءا مؤثرا وفاعلا ومساهما في هذا المشروع بالفكر والنضال السياسي وبالتضحيات، وأهم دور يجب ان يلعبه أهل الشمال والوسط في هذا المشروع هو تقديم البرهان العملي في ساحات المواجهة مع المؤتمر الوطني على ان هذه (الطغمة الإنقاذية) التي ارتكبت أبشع الجرائم باسمنا وباسم  ديننا وثقافتنا لا تمثلنا، بل هي العدو الاستراتيجي لنا نحن اهل الشمال والوسط بمثل ما هي عدو للجنوب القديم وللجنوب الجديد ولدارفور وللشرق، هي عدو لنا لأن حكم الاستبداد والفساد الذي أقامته سجننا وعذبنا وشردنا وأهدر فرصنا في النماء والتطور وفي الاقتسام العادل لثروات وطننا التي نهبت من قبل الأقلية الفاسدة، فالأكثرية ان لم نقل الأغلبية من أهل الشمال والوسط فقراء مسحوقون ومواردهم منهوبة ولا يتمتعون بمستوى التنمية والخدمات الصحية والتعليمية الذي تتيحه لهم موارد بلادهم، المستفيدون اقتصاديا من (الطغمة الإنقاذية) في الشمال والوسط  هم أقلية فاسدة، أما الأغلبية فلا مصلحة لها على الإطلاق في تدمير مشروع الجزيرة وتدمير السكك الحديدية والنقل النهري وضرب القاعدة الانتاجية في طول البلاد وعرضها في مقتل واستشراء المحسوبية التي أقصت أهل الكفاءة لصالح أهل الولاء!.

و(الطغمة الإنقاذية) هي العدو الاستراتيجي للشمال والوسط، من وجه آخر أكثر عمقا، وهو أن هذه الطغمة تمثل الاتجاه العنصري الاستعلائي المتعصب والمنغلق في ثقافة أهل الشمال والوسط، فقدمت ديننا وثقافتنا وانتماءنا الإثني في صورة الظلم والقهر للآخر الشريك لنا في الوطن وبالتالي فإن هزيمة المشروع الاستعلائي الإقصائي يجب ان تكون هدفا عزيزا لاهل الشمال والوسط لأن هزيمة هذا المشروع ليس مجرد تضامن مع أهل القوميات المهمشة والمستضعفة في الجنوب وجبال النوبة ودارفور  التي أذاقها هذا المشروع ويلات القتل الجماعي والتشريد، بل هو انتصار تاريخي للشمال والوسط نفسه، فمن أراد خيرا بأهل الشمال والوسط فعليه أن  يبذل التضحيات في سبيل ان ينتصر اتجاه الاستنارة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة  واحترام الآخر والاحتفاء بالتنوع، من بين الاتجاهات التي تتجاذبهم، فأكبر هزيمة معنوية وأخلاقية  لأهل الشمال والوسط هي ان ينتصر فيهم اتجاه العنصرية والاستبداد والفساد والإبادات الجماعية وجرائم الحرب وان يقدم القهر والموت والتعذيب والتشريد باسم دينهم وثقافتهم، وتأسيسا على ذلك فإن الأوفياء للشمال والحادبين على مصلحة الشمال هم الذين يناصرون الحقوق المشروعة والقضايا العادلة للأقاليم المهمشة ويبشرون بالسلام العادل وبالمحبة بين  أبناء الوطن الواحد، وليس الذين يدقون طبول الحرب والعنصرية ويبثون خطاب الغرائز الدنيا والعدوانية والكراهية العمياء من المهووسين والموتورين.

إن حالة الاستقطاب الإثني الحادة والانقسام العميق بين مكونات الوطن ليس فقط على مستوى التوجهات السياسية بل  على مستوى الوجدان والمشاعر، وحالة الغبن المتراكم، وازدهار حالة الكفر الجماعي بالدولة السودانية الواحدة في أوساط  أهل الجنوب الجديد (جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور)، كل ذلك يستوجب من المؤمنين بوحدة السودان سواء  من أهل الشمال والوسط ، أو من أهل الأقاليم المهمشة جنوبا وغربا وشرقا، يستوجب منهم الاصطفاف في مشروع وطني كبير أهم ما يميزه هو كسر الحواجز الإثنية والدينية والاجتماعية ومن ثم الكفاح المشترك ضد العدو المشترك ممثلا في (الطغمة الإنقاذية) باعتبارها اكبر عقبة في سبيل وحدة الوطن، وبالطبع لا تنحصر أهداف هذا المشروع في إزالة الطغمة بل تتجاوز ذلك إلى تغييرات جذرية ومنهجية في كيفية حكم السودان وإدارته. 

إن حالة الاسترخاء السياسي في الشمال والوسط  في هذا الظرف الذي تمضي فيه البلاد نحو التمزق تحتاج إلى وقفة، وفي هذا الإطار هناك قضية في غاية الخطورة لم تحظ بالقدر الكافي من النقاش المفتوح والمنهجي حتى في القاعات المغلقة ناهيك عن المنابر الجماهيرية ووسائل الإعلام، وهي قضية خوف أهل الشمال والوسط (وأعني هنا عموم الجماهير) من اي تحرك جدي لاسقاط النظام خوفا من ان يفتح ذلك التحرك الطريق  للزحف المسلح  على العاصمة من  الجنوب الجديد، فكلما أثيرت قضية التغيير في أي مجلس من مجالس المدينة – وأعني هنا تلك المجالس العادية غير الموالية للإنقاذ او المستفيدة منها –  كان الصوت الأبرز هو صوت من يقولون إذا دخل المسلحون الى المدن سيكون هناك قتل على أساس عنصري تدفعه الأحقاد والروح الانتقامية ، والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان تريد استئصال العنصر العربي،  واستباحة المدن من قبل المسلحين تعني الفوضى الشاملة وفقدان ما نحن فيه من أمن واستقرار نسبي، وبالتالي فإن الحكم القائم على علاته أفضل من الفوضى، وهذه المخاوف تغذيها الآلة الإعلامية للطغمة الإنقاذية لأنها المستفيد الأول من مثل هذه الروح التي تقود إلى الاستسلام لحكم المؤتمر الوطني بل والدفاع عن بقائه لأنه ضمانة لحماية أهل الشمال والوسط من حقد وانتقام الأطراف! وهنا يبرز السؤال ما هي الآليات السياسية و الإعلامية التي أنتجها سياسيو ومثقفو الشمال والوسط المنحازون لقضايا المهمشين والمستضعفين في كل أقاليم السودان ، والمؤمنون بعدالة القضايا التي دفعت الجنوب القديم والجديد لحمل السلاح ، ما هي الآليات التي أنتجوها لهزيمة هذا الخطاب الذي يدعي الخوف من العنصرية وهو في جوهره يصدر عن موقف عنصري، وكعادة العنصريين من  أهل الشمال والوسط ينسون أو يتناسون عنصريتهم هم تجاه قوميات معتبرة من شركائهم في الوطن، ويتناسون أن العنصرية المضادة، التي لا يستبعد ان تكون موجودة في اوساط تلك القوميات، ما هي إلا رد فعل على عنصريتهم هم التي جسدها نظام حكم البلاد لاكثر من عقدين من الزمان وقتل وشرد وارتكب الفظائع (المسكوت عنها مع سبق الإصرار والترصد) فكيف يكون رد الفعل مجرما بأكثر من تجريم الفعل الأصلي؟ وهذا لا يعني بالطبع شرعنة العنصرية المضادة التي تنظر إلى كل شمالي كجزء من نظام الإنقاذ او متواطئ معه، ففي هذا الوسط والشمال مناضلون شرفاء بحق، ولهم مواقف ضد كل انتهاكات حقوق الإنسان والمظالم التي تعرضت لها القوميات المهمشة، وهم أنفسهم تعرضوا للسجن والتعذيب والقتل على يد الطغمة الإنقاذية، وحتى انسان الشمال والوسط العادي المشغول بمعاشه والذي يسحقه الفقر والشقاء ولم يؤذ احدا ليس من العدالة أو الإنسانية في شيء استهدافه على أساس إثني، ومن هنا يبرز سؤال آخر ماهي الآليات السياسية والإعلامية التي أنتجها السياسيون والمثقفون المنتمون للحركات المسلحة أو المتعاطفون معها لهزيمة خطاب العنصرية المضادة والتأكيد على أن العدو المستهدف هو النظام الحاكم وسياساته ، وان المعارضين لهذا النظام والرافضين بصدق ومبدئية لكل سياسات الإقصاء والتهميش والعنصرية هم حلفاء لاهل الهامش. وهناك أيضا نظرة اهل الهامش الارتيابية لساسة الشمال والوسط باعتبارهم لا يختلفون عن الإنقاذ اختلاف نوع بل على احسن الفروض يختلفون عنها اختلاف مقدار، فكلهم من دعاة أسلمة الدولة وليست لهم رؤية واضحة أو فعل يذكر تجاه قضية التنمية غير المتوازنة، وبالتالي يراهن أهل الهامش على سلاحهم لا على العمل السياسي المشترك  مع المعارضة الشمالية، وهناك قطاعات معتبرة من المعارضة الشمالية تنظر إلى ذلك السلاح نظرة ارتيابية وتعتقد جازمة انه سيقود إلى دكتاتورية جديدة.

مشروع التغيير لا بد ان  ينتج خطابا موضوعيا وأفعالا ملموسة تبطل مفعول هذه المخاوف المتبادلة  المعوقة للتلاحم بين أصحاب المصلحة في التغيير شمالا وجنوبا حتى يتحقق التغيير بأيديهم جميعا ولمصلحتهم جميعا . .

 أواصل بإذنه تعالى