عادل العفيف مختار                                                                         لم ألق كثير انتباه الي مسألة اللون هذه بل لم اعرها ادني اهتمام, لكن خلال وجودي في الخليج تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك من ان السوداني- وانا هنا أتحدث عن الشريحة التي تلقت نوعا من التعليم العالي- لا يثق بمقدراته المكتسبة عن طريق العلم, بل يشك حتي في مقدراته العقلية والتي من المفترض ان تكون قد اهلته ووضعته في موضع يكون فيه هو الممسك بدفة الامور والموجه لها لا التابع فاقد الهوية. انا علي يقين كامل ان الانسان كلما تقدم به العمر االمحسوب  بعدد السنوات كلما نضج وازداد حكمة وعلما وتقدير صائب لما هو متوقع من احداث.

المقولة الخالدة التي تقول” اكبر منك بيوم اعلم منك بسنة” قد تم ضحدها تماما ببعض ابناء جلدتنا هنا في الخليج, فكم بحزنني ان اجد رجلا في الخمسين من العمر وقد اضحي اراجوز مضحك علي يد من هم أقل منه عمرا وعلما وخبرة. وعلي ذكر الخبرة والتي هي تراكم سنين يحدث خلاله تطور لافت ينعكس ايجابا علي صاحبه , لكن وفي الحالة التي نحن بصددها كثيرا ما تجد صاحب الخبرة بلا خبرة كأنه لم يستفد من طول التجارب فهو تماما مثل الشخص الذي قيل له أن خبرته هي في الحقيقة سنة واحدة فقط تكررت خمس وعشرون مرة.

استصغار النفس وانعدام الثقة بل فقدانها تماما في مواجهة الجنسيات الاخري والشعور بالدونية تجاهها يعزوه البعض الي التنشئة الصوفية والتي نشئ عليها معظم اهل السودان, يقولون ان الصوفية هي سبب تواضع كثير من السودانيين, وهذا التواضع انعكس سلبا فصار مذمة بدل ان يكون محمدة. لقد ارتبط التواضع بالعلم فقيل” تواضع العلماء” لكن ان يتحول تواضع العلماء هذا الي سبة فهذا ما لا يرضاه كل صاحب نفس ابية حر. ينظر الاخرون الي السوداني عالما كان ام جاهلا بانه طيب حد السذاجة او بالاحري ساذج يستطيع أي طفل غرير أن يضحك عليه, كما ان السوداني نفسه ساهم بقدر كبير في ترسيخ هذا المفهوم , فهو تراه ضعيفا منكسر الارادة لا يقوي علي شئ امام اصحاب البشرة البيضاء واعني بهم العرب الشوام والمصريين الذين يزاملوه في بيئة عمل واحدة. فهو ان تحدث لا يبين مراده كما انه يعجز تماماعن توصيل فكرة بسيطة الي مستمعيه , ولقد رأيت أناسا يستهلون حديثهم في اجتماعات رسمية بكلمة ” هناي” و “الحاجة دي” او في اثناء الكلام يبتدي بجملة غير مفيدة تماما كأن يقول ” اذا كان ما هناي خلاص ممكن تقبل” ويختذل باقي الحديث في مخيلته  باعتبار ان االاخرين  قد تسللوا خلسة الي داخل عقله وادركوا في ماذا كان يفكر ومن ثم فهم قادرون علي اكمال جملته والتي هي اصلا لم تفد , والغريب انه يطالب الاخرين باكمالها وفهمها.

رأيت في مشاهدتي اليومية رجالا كبار في السن يستمعون  الي اخرين باندهاش تشوبه متعة واصغاء كاصغاء التلميذ غير النجيب  وكلهم آذان صاغية الي من هم دونهم سنا وعلما وخبرة, ليس هذا فقط بل يصل الامر بهم الي استخدامهم  كأدوات في تنفيذ مخططات يعملون لها فان نجحت كان لهم خراجها وان فشلت فالقوانيين لا تحمي الحمقي والمغفلون . هنا اذكر الروائي الكبير شالرز ديكنز Charles Dickens   في احدي شخوصه الابطال عندا استخدم احد النقاد لفظ الاداة Tool  واصفا الشخصية بانها ساذجة وطيبة القلب لكنها كانت اداة في يد الاخرون an unfortunate tool in the hand of others. ذلك يحدث لا لأن الشخص الذي امامه له مقدرات خارقة بل لأن الذي امامه يفوقه وسامة ولونا وكأن هذين المبررين كفيلين برفعه الي مصاف الخوارق. لقد ساهم السوداني بنفسه في تكريس هذا الفهم لدي العامة والخاصة من اهل الخليج  وذلك لانه غير مقنع في تقديم اي حجة , اضف الي هذا عدم اعتنائه بمظهره العام, فهو لا يهتم بوضع ربطة العنق وان وضعها تجدها “مشاترة” في غير ما اتساق في اللون وطريقة الربط وغير منسجمة مع البنطال, هذا المظهر المهترئ زاد الطين بلة add insult to injury  . في حين تجد الاعراب من الجنسيات الاخري بلا أي مؤهل يتبؤون المناصب العالية  ويمتطون فاره السيارات وهم يظهرون في اناقة كاملة مصحوبة بشنطة جلدية فاخرة لا ادري ما بداخلها لكنها تكملة “لعدة العمل” يساعدهم في ذلك لونهم الباهي وهم في ذلك ينافسون الاخر والذي هو فاقد كل الصفات الواردة اعلاه. اذكر اني كنت رئيسا لقسم اللغة الانجليزية وطلب مني ان نجري مقابلة لعدد من المتقدمين  من مختلف الجنسيات, جاءوا من كل حدب وصوب سوريون , فلسطينيون اردنيون مصريون وسودانيون, لاحظت الاناقة الظاهرة عليهم وهم يرتدون ال Full suit مع انه لاحظت في اثناء المعاينة والتي كانت تجري باللغة الانجليزية ان هناك ضعفا بائنا وركاكة لا تخطئها العين. ثم جاء احد السودانيين وهو يرتدي بنطالا باهتا وقميصا ليس باقل حالا من البنطال فتم استبعاده بسرعة للمظهر, وجاء اخر بجلابية لم تكن بيضاء تماما وحافي الرأس للوهلة الاولي ظننته سائق لكنه لم يكن كذلك. الانطباع العام عن السوداني بانه غير مبال ولا يجيد فن الحديث ويفتقر الي الطلاقة عند الاجابة عن اي تساؤل. طلب  احد المدراء من رئيس احد الاقسام والشهادة لله كان بارعا في مجاله ان يأتيه بخطاب كانا قداتفقا عليه في احد الاجتماعات وقتها كنت مارا من مكتب لاخر فاستوقفني المدير وطلب مني ان اسمع الرد الذي تكرم به عليه السوداني وقد كانت اجابته ما عارف الخطاب وين´رد عليه المسؤل ” ارجو ان لا تتعامل معي بطريقة شغل السودانيين هذه”

العاطفة الزائدة عن الحد هي مذمة اخري لنا عندما اقتيل الحريري عبر احدهم عن حزنة الفاجع وهو في حالة بين البكاء والعويل رد عليه بعض من اهل الشام مستنكرا عليه حزنه قائلا انا لم احزن مثل حزنك مع اني الاقرب الي لبنان منك, لكن الشعور بالدونية تجاه الاخر يجعلنا نحزن لهم وننفعل لما يحيق بهم اكثر من انفعالهم هم انفسهم, فنحن بالنسبة الي لبنان شعب لاقيمة له وكذلك الحال لكل او معظم الدول العربية. فهم لم يذرفوا الدموع عندما قتل اهل دارفور بل الذي بكي الحريري كان الاحري به ان يبكي دارفور او يبكي وطنه المأزووم, وهم ايضا لم يبكوا الجنوب ولم يهتموا لاسرائيل وهي تضرب بورتسودان ثم العاصمة المؤمنة بالنظر. حضر الاديب الراحل الطيب صالح الي الرياض وخطب القوم بالدارجي قائلا ” بس نحن ما نتشوبر” في القضايا التي لا تهمنا.

عقدة العربي ذو اللون الابيض وتضاؤل وانهزام الشخصية السودانية المأزومة باللون تجسدت في اعلي مستوي هرم الدولة, ظل المصريون يسخرون منا كلما اتيحت لهم الفرصة , بل في برنامج شائه سخر الممثل المصري احمد ادم من رئيس الجمهورية الذي نصفه الاسفل عاري يقصد انفصال الجنوب ويريد حلايب وشلاتين فعل ذلك في جهل تام باللهجة السودانية مستخدما لهجة نوبة مصر بل لهجة البوابيين, وقتلت الطبيبة السودانية وشوهت سمعتها ونحن نرفل في دونية بازخة تجعلنا ننفق مليون دولار في مهرجان كروي يكرم فيه الفريق المصري.

الدونية الميقتة لم تخلو منها حتي قاماتنا الادبية ودونك الشاعر الكبير السر القدور وهو يحاور الشاعر االضخم عبد الرحمن الابنودي علي مركب في شاطئ النيل السعيد كا يسميه قدور وذلك في برنامج ونسة علي النيل نري السيد قدور جالسا كالتلميذ الوديع والمطيع وهو يردد مؤمنا علي كلام الابنودي ” نعم, نعم, نعم دون ان يعطي نفسه حق المداخلة وابداء الرأي في المجال الذ يجيده السر قدور فهو يلعب في ملعبه لكن الاحساس بأن الاخر افضل منه جعله واجما اصما يردد نعم , نعم خلف كل جملة يقولها الابنودي حتي قال له” هو انت موش عندك غير نعم” وواصل السر بطريقة درامية مقصودة هذه المرة نعم نعم نعم وذلك بطريقة السر الفكاهية ردا علي تساؤل الابنودي, مع ان السر قامة تضارع الابنودي قهو شاعر مجيد خلدت اشعاره المغناة في وجدان شعب السودان. هذا لا يعني ان الكل بهذه الصفات الانفة الذكر لكنهم يشكلون اغلبية. عندما امعنت النظرفي هذه الظاهرة اتضح ان اغلب من تعتريهم متلازمة الدونية هم ممن لم تكن لهم مواقف فكرية او سياسية واضحة المعالم منذ طلب العلم في الجامعات, لكنهم يصوتون للاتجاه الاسلامي في انتخابات اتحادات الطلاب مع العلم انه لم يعرف لهم التزام ديني, بل ان فيهم ثلة كانت ترتاد البارات المشرعة الابواب في شبه القارة الهندية وبعض الدول الاخري. ذهبت مجموعة من هؤلاء الي السفارة السودانية في الرياض ذات خميس للادلاء باصواتهم  في الانتخابات الرئاسية الاخيرة لصالح الرئيس البشير مبررين ذلك بأن لا بديل له وهنا ايضا تظهر ظاهرة الاستغلال للمغفل النافع, صفات ذميمة  شكلت شخصيات سالبة في الوجود وعقد كثيرة لا حد لها تبرز منها عقدة التقاصر عن الاخرين وعقدة اللون وتصور ان الاخرين يفقونهم شكلا وعقلا اضف الي كل هذه العلل العصية العلاج لعب دور المغفل النافع لفئة والضار للجميع.

 

محاضر اللغة الانجليزية للاغراض الخاصة  ESP   بكليات الطب والصيدلة

بالجامعات السعودية

adilafifi@hotmail.com

aafifi@mcst.edu.sa