محمد حسن عربي  فى التسعينات انتشرت التحقيقات و الرؤى الصحفية حول العنف الطلابى ، اذ اهتمت الصحف بشكل واضح باحداث العنف بين الطلاب ، او الموجه من السلطة ضد الطلاب من وقت لاخر كلما حدثت بجامعة ما احداث عنف ، او قامت السلطة بممارسة القمع ضد الطلاب بواحدة من الجامعات.

معظم التحقيقات و الكتابات الصحفية تناولت بشكل مسؤؤل و حصيف مسألة العنف بالجامعات ، واهتمت معظم تلك الكتابات باستطلاع اراء الطلاب انفسهم حول ما سمته الصحافة بظاهرة العنف الطلابى ، واذكر اننى كنت قد شاركت ممثلا لمؤتمر الطلاب المستقلين فى ندوة بصحيفة الايام عن العنف الطلابى و قد كانت وجهة نظرنا ان ما يحدث بالجامعات ليس عنفا طلابيا بقدر ما هو عنف موجه ضد الطلاب من السلطة . مهما تكن وجهة النظر ، حول العنف الطلابى ، الا ان الصحف لم تعد تتناول مسالة العنف بالجماعات على الرغم من حصيلة القتلى و المصابين من الطلاب الجامعيين فى السنوات الاخيرة ، وهى مسالة مثيرة للقلق اذ ان الصحافة لم تعد تعتقد ان هناك موضوعا جديرا بالاهتمام و بحاجة للدراسة او تسليط الاضواء عليه ، او انها لم تعد تعتقد ان ما تريقه من حبر فى هذه المسالة ذا جدوى.

  قبل فترة احاطنى بعض طلاب مؤتمر الطلاب المستقلين علما بان ادارة الجامعة بصدد تعديل دستور الاتحاد و بالاخص المواد المعنية بتشكيل مجلس الاتحاد ، اذ تبدو الادارة غير راضية عن الصيغة الحالية التى يشكل بها الطلاب مجلس اتحادهم وهى ( الحر المباشر ) اى ان الطلاب يختارون فى اقتراع مباشر اربعين طالبا من الطلاب المرشحين لمقاعد الاتحاد ليمثلوا مجلس الاتحاد .هذه الصيغة كانت و منذ وقت طويل موضوعا للجدل و الانتقاد ، اذ يقول منتقدو صيغة ( الحر المباشر ) انها لا تعبر تعبيرا فعليا عن ارادة الطلاب الغالبة لان الفائز بنسبة 51% فقط من الاصوات يحصل على مقاعد الاتحاد كلها مما يطيح باصوات الطلاب اللذين صوتوا ضد الفائزين و اللذين قد تصل اصواتهم الى 49% من مجموع الطلاب المصوتين و بالتالى فان مجلس الاتحاد لا يعبر فى الواقع عن قطاع واسع و عريض من الطلاب ، ومن ثم فانهم يدعمون صيغة ( التصويت النسبى ) اى ان يمثل مجلس الاتحاد الاوزان الفعلية للقوى الطلابية المتنافسة وفقا لنسبة الاصوات التى حصلوا عليها ، فاذا احرزت قائمة ما 5% من الاصوات فعلا ، فانها ستحصل على النسبة نفسها اى 5% من مقاعد مجلس الاتحاد مما يجعل من المجلس معبرا عن جميع الطلاب .الرؤية المذكورة ، تشكل لحد ما رؤيتنا نحن فى مؤتمر الطلاب المستقلين تاريخيا ، ولكننا تنازلنا عنها لظروف محددة ، وفقا لمتطلبات العمل السياسى الجامعى اذ لم تعد ذات جدوى حاليا .

  الادارات المتعاقبة لجامعة الخرطوم تحبذ رؤية الاتحاد بهذا الشكل ، اذ تعتقد سرا و علانية ان كل مشكلات العنف الطلابى ناتجة عن الغبن الذى يلازم استئثار فئة محددة بمقاعد الاتحاد فى مواجهة فئة ذات ثقل تصويتى لم تعكس الانتخابات هذا الثقل فى مجلس الاتحاد.تتجاهل رؤية الادارة المحببة و المهببة هذه ، ان احداث العنف المصاحبة للانتخابات الطلابية هى الاقل حدوثا ، و الاقل عدوانية حال حدوثها ، ففى جامعات الاسلامية / النيلين/السودان والخرطوم و غيرها من الجامعات ، لم تحدث احداث عنف بسبب الانتخابات لاتحاد الطلاب ، اوفى اطار تداعيات الانتخابات بشكل عدوانى اكثر من الاحداث التى لازمت احداثا سياسية لا علاقة لها بالانتخابات اطلاقا.فى 1998م اعتقلت السلطات بعد احداث مداهمة ليلية لداخليات الطلاب الطالب محمد عبدالسلام واوسعته ضربا و تعذيبا الى ان سلمت جثته بواسطة ادارة الجامعة الى اسرته بمدينة مدنى و قد كانت عملية الاعتقال و الضرب و الاغتيال فى عملية (المغيرات صبحا ) بسبب احداث مرتبطة بصندوق دعم الطلاب ، لا بانتخابات الاتحاد.فى يناير 1997م تم تعليق الدراسة بجامعة الخرطوم ، و تبعتها بقية الجامعات كنتيجة لاحداث تتعلق بالاعتراض على تسليع التعليم الجامعى و اتاحته فى السوق لمن يستطيعون سداد مصروفاتهم الدراسية بالدولار اذا ما قلت درجاتهم التى يحصلون عليها عن النتيجة التى تؤهلهم للقبول بالجامعة فى اطار المنافسة العامة.منذ اغتيال محمد عبدالسلام (وهو دفعتى بكلية القانون) وحتى قتلى جامعة الجزيرة لم تنقل لنا الاخبار احداثا للعنف صاحبت انتخابات الاتحاد ، او اعلان نتيجتها على الرغم من الاساليب الملتوية التى تلجا اليها السلطة لضمان فوز منسوبيها بمقاعد الاتحاد.فى جامعة الخرطوم كانت اكثر السنوات استقرارا فى التسعينات هى السنوات التى وجدت فيها اتحاد للطلاب بجامعة الخرطوم بغض النظر عن الفصيل الذى يسيطر عليه.

رؤية الادارة حول دستور التمثيل النسبى تخالف قناعاتها المعلنة ، فادارة الجامعة لا تعترف بالقوى السياسية الطلابية رسميا ، علما بان التمثيل النسبى يتحدث عن قوائم و ليس عن افراد و بالتالى ستجد الجامعة تتعامل مع من لا تعترف بهم وهى القوى السياسية.دستور التمثيل النسبى ايضا من شانه نقل الخلافات بين الاحزاب الى مجلس الاتحاد ، فاذا كان دستور التمثيل المباشر يفرز عمليا اتحاد على قدر من التجانس على مستوى الحد الادنى من البرامج ، فان دستور التمثيل النسبى سيفرز اتحادا متنافرا فى العموميات و التفاصيل ، فقد نشهد نقاشا فى الاتحاد فى جواز استقبال الطلاب الجدد بالغناء او شرعية وجود طالبات فى اجتماع واحد بمجلس الاتحاد مع طلاب و هكذا. لا ينتابنى شك فى ان الادارة ، و السلطة ، لا ترغبان فى التوزيع العادل لمقاعد الاتحاد بين الطلاب انحيازا لقيم العدل ، اذ انها لا تطرح مثل هذه الرؤية فى الجامعات التى تسيطر عليها باريحية كجامعة القران الكريم و الاسلامية و النيلين و السودان ، ولكنها تسعى الى تسويق مثل هذه الرؤية فى الجامعات  المتنازع عليها حتى تتمكن من الهاء الطلاب و اتحاداتهم عن القيام بواجباتهم الوطنية و الطلابية.