عبد الله  الشيخخط الاستواء رسالة من مغترب : من يشاهد القنوات الفضائية السودانية وهو يطل عليها من الخارج ( والحمد لله الذي جعلها قنوات بعد أن كانت قناة واحدة ) يشعر بان السودان كله يغني ويرقص ( لا غرابة فقد انتقلت عدوى الغناء والرقص من رب البيت ) ، غناء في كل الأوقات والمناسبات ..!

لا قضايا ولا مشاكل ولا أزمات، كأن مشكلة العطالة قد انتهت، وحُلت أزمة الديون المتراكمة وعُبدت الطرق وأُقيمت المشاريع العملاقة واستقرت الكهرباء في كل الأطراف والنواحي، ومدت أنابيب المياه النقية التي شقت بطن الأرض العطشى منذ سنين، والنيل يتوارى حيياً وهو يجري مسرعا نحو الشمال هربا من الإهمال ،وأزيز القطارات يهدر يشق الصحاري والبراري وهو ينقل السلع والمنتجات إلى أركان الدنيا الأربعة !
كأنهم بنوا الصروح العلاجية الكبرى في كل مدينة وقرية ، وأقيمت المصانع وفاض الإنتاج وتدفق على الجيران وزرعت المساحات الشاسعة قمحا ( وفولا ) وتمني ! هي الدهشة بعينها لمن يبحث عنها في هذا الزمان ، فقر يضرب في عمق النسيج المجتمعي ويفتت أركانه ، مؤسسات حكومية منهارة أهلكها التردي والفساد ،مشروعات خاسرة أفشلها سوء الإدارة والتخريب ، العملية التعليمية بلا مخرجات فقط جيوش من العاطلين يرفعون في كل عام من مؤشر الزيادة في عدد المشردين الهائمين على وجوههم الباحثين عن مخرج حتى ولو (لإسرائيل) ، مرافق صحية تعفنت بفعل القرارات الطائشة والإهمال المتعمد، شعب مذهول يمضي نحو المجهول ..
التاريخ تحول إلى أكاذيب تنسج بأباطيل الحاضر، تجزأت الجغرافيا وتاهت في ذاكرة التشويش المتعمد والتشويه المقصود، تحولت السماحة إلى ثارات وحروب، اتجاهات تنقص وأخرى تتململ في انتظار فرص الانعتاق ، إخطبوط عصابتي من ( عصابة ) يسيطر بقبضة حديدية على كل مفاصل التجارة بأيد قوية باطشة تخنق أنفاس السوق ، تحولت السياسة إلى تكسب وتجارة وتهافت على موائد المناصب . لا مفر اليوم إلا نحو القصر أو الوزارة ، من نخب شائهة متهالكة تفوح من جنباتها روائح التملق والنفاق ،هذا هو المشهد الحقيقي الذي أراه رغم محاولات التزيين والتزييف للصورة والحدث و رغم عمليات التجميل الفاشلة ،التي تجرى بين الحين والآخر لتغيير الصورة والتي تؤدي إلى فضح الحقيقة أكثر كلما حاول الجراحون الفاشلون من عمليات الترقيع والرتق للفتق الذي شق جسد الوطن منذ خمس وعشرين عاماً، والنتيجة كما قال احد الشعراء المجهولين :
 حكمتو شعب كان زي الورد
افقـرتوهـــــو
وشردتوهـــو
وجهجهتوهو
وعنصرتوهو
وقطعتو حبل كان واصل ود
***
وجدتو مصانع لقيتو مزارع
وسكـــة حديـــد جد بالجــــد
عطلتوهـــا
وفرتقتوهـا
ووقفتوهــا
وشلعتوهـا
وقطعتو رزق عمـال من حد
***
وين تعليمنا ووين ترنـيمــنا؟
وين ادابنــا ووين كتــابنــــا؟
وين رياضتنا ووين ريادتنا ؟
مرمطوهـا
واخرتوها
وافشلتوها
وطيشتوها
وخلفـــتوها جهـــل عن قصد
***
كروش ممدودة متر مترين
أيادي طرية نعومة ولين
طالعين ماكلين نازلين بالعين
مناشر تنشر مطحونين
بفقه السترة محميين
ومندسين ومدسوسين
بفقه ضرورة وقوة عين
نهابين ومغتصبين
فساد شفناهو رأي العين
وشميناهو أبو العفين
وناس بهناك دايشين دايخين
بطونهم خاوية وما لاقين
وجوهم هايمة وفقرانين
وعينهم طالعة وكمان صابرين
وليه ساكتين ؟!
ولي متين ساكتين ؟!
القنوات الفضائية السودانية تغني، ووجه السودان لمن يطل عليه من الخارج ، يراه راقصاً طروباً.. ما الذي حدث ؟ العالم من حولنا يفور ويمور يبحث عن التغيير ونحن نحلل في أغاني الحقيبة ، ونصدح (يا ليلة ليلك جنا )،، وتجيب المدح ليلى، ويزيد ساكن القصر  رقصا وطربا..!؟

محمد عبد العاطي عامر
صحفي سوداني
الرياض / الممكلة العربية السعودية