مدحت عفيفي تنطلق بعد قليل بمدينة كادقلي السودانية، فعاليات بطولة سيكافا للأندية، نسخة العام 2013، وتأتي هذه الدورة بعدما أوقعت القرعة السودان لاستضافتها، في الفترة من 18 يونيو وحتى 2 يوليو 2013، وبدلاً عن تحكيم صوت العقل، لجأت الحكومة السودانية لمحاولا الكسب السياسي، وقررت أن تنظِّم الدورة في مدينتي الفاشر وكادوقلي!

في محاولة سياسية بائسة تقودها مع بعض من مناصريها من سدنة الدكتاتوريات الشبيهة، تهدف في الأصل لذر الرماد فوق العيون، وللتغطية على الجرائم الوحشية، والدمار الماحق، والانتهاكات الجسيمة، التي كانت وماتزال تجتاح إقليم دارفور منذ العام 2003، وإقليم جنوب كردفان منذ العام 2011، حُصدت خلالها أرواح آلاف الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال والشباب والعجزة، حرب ضروس أهلكت الحرث والنسل، والضرع والزرع، شرّدت وأفقرت واحرقت واغتصبت، وعاثت في الأرض فسادا.

قَبِلَتْ الحكومة السودانية أن تستضيف سيكافا، في مسرحية مكشوفة للتغطية على سوءاتها المستمرة في السيطرة على الأوضاع في ذينك الإقليمين، وغيرهما من أقاليم السودان التي ترزح تحت دوي المدافع. واختارت أكثر المدن السودانية عرضةً لاستهداف الجبهة الثورية، ظانّةً أنها بهذا المسلك؛ سوف تضع الجبهة الثورية بين شقي الرّحى: (إذا ما قصفت قوات الجبهة الثورية المدن، ألّبتْ عليها المجتمع الدولي وتحديداً دول الإيقاد، وإذا ماعَبَرَتْ الدورة الرياضية بسلام: فالسودان آمن في مرقده وليس هناك نزاع كما يزعمون!). وهذا تفكير عقيم يعرِّض حياة الكثيرين للخطر؛ خاصة إذا ما تمت قراءته مع تنويهات الجبهة الثورية للفرق المشاركة؛ من أنها في لحظات صراع مع حكومة الخرطوم، ومدينة كادقلي أحد مسارح العمليات بينهما. إن مسلك الحكومة السودانية بتخطيطها هذا يشبه كثيرا المثل القائل: قطع الأنف لإغاظة الوجه، فكلا السيناريوهين اللذين تلعب عليهما حكومة الخرطوم، لايعدوان كونهما سيناريوهان غير ذي قيمة، فاحتمال استهداف مناطق استراتيجية في المدن التي ستؤدى فيها المباريات وقصفها، هو احتمال قائم، وركون الحكومة السودانية لحملة تجييش داخل أضابير دول الإيقاد لاعتبارات الاستقطاب الأفريقي المحموم، هو أمر من السذاجة بمكان فدول الإيقاد ليست بالخواء الذي لا تميز فيه بين من لديه قضية من غيره، أم ياترى قد نسيت الحكومة السودانية إدعاءاتها على لسان د.غازي صلاح الدين من أنهم قد أتوا لتخليص أفريقا من أدرانها ونشر الإسلام على كل دولها؟!

أما السيناريو الآخر والمتعلق بإنقضاء أجل الدورة الرياضية بسلام، فبالفعل قد يقنع البعض باستتباب الأمن في الإقليم، ولكن ماذا عن السودانيين والسودانيات الذين واللائي يعيشون في كنف  هذا الوطن؟ هل ستنطلي عليهم الحيلة؟ نشك في ذلك وكثيرا. شاهد الأمر أن الحكومة السودانية تقحم الرياضة في السياسة لتعالج بها مشاكل تخصها، ويكفينا ماسمعناه بآذاننا من خطب جوفاء وعبارات مسهوكة خرج بها علينا والي جنوب كردفان السيد أحمد هارون المطلوب بواسطة المحكمة الجنائية الدولية، والسيد عثمان يوسف كِبِر والي ولاية شمال دارفور، ترمي في الأساس للتشويش على سامعيها من أن الرياضيين سفراء للسلام! ولكن في جوهر الأمر فإن الفِرَق الرياضية القادمة للمشاركة أداة من أدوات تحقيق المكاسب السياسية لحكومة الخرطوم، أقرّت بذلك أم لم تقر، فهل هذا ماترجوه تلك الفرق؟

ماتجدر الإشارة إليه في هذه المساحة، هو عدم تدخل الإتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) -وهو على علم ودراية بطبيعة النزاع في السودان!- والركون إلى موقف المتفرج الذي لا يحرك ساكناً أو يقدم إعتراضاً على اختيار تلك المدن!! هل لم يسمع الكاف بأحداث هجليج؟ هل لم يتابع الكاف ماحدث في أبوكرشولا؟؟ هل نسيَ الكاف أم تناسى إجتياح قوات حركة جيش تحرير السودان لمدينة الفاشر؟ هنالك بعض الفرق الرياضية ذات النظرة الواقعية للأمور، تنبهت للأغراض الدنيئة والرخيصة التي تتاجر بها الحكومة السودانية، فقررت الانسحاب من الدورة، مثل فريق توسكار الكيني، وفريق الناصر من دولة جنوب السودان، ولكن يبقى السؤال مفتوحاً على مصراعيه: ماذا ستفعل السفارات الموجودة في السودان والتي لم تعارض دخول الفريق القادم من دولتها حين تغلِّب الجبهة الثورية السيناريو الأول وحين يمسي الوضع: لايجدي البكاء على اللبن المسكوب؟