رشا عوض  لخصنا في الجزء الأول من هذه المقالة المخاوف المتبادلة بين الشماليين والجنوبيين الجدد باعتبارها أحد العوائق المهمة في طريق اصطفاف جميع السودانيين والتحامهم للعمل يدا بيد ضد العدو الاستراتيجي للسودان بشماله وجنوبه وشرقه وغربه ممثلا في نظام المؤتمر الوطني الحاكم، وتوصلنا إلى أن إنتاج خطاب ومواقف عملية تبطل مفعول هذه المخاوف شرط أساسي من شروط نجاح السودانيين في إحداث التغيير بأيديهم جميعا ولمصلحتهم جميعا.

في هذا السياق لا بد من نقاش موضوعي للمخاوف بدلا من إنكارها أو القفز فوقها، وأجدر هذه المخاوف بالنقاش هي مسألة الخوف من تغيير تكون اليد العليا فيه لسلاح الجبهة الثورية، جانب من هذا الخوف فندناه في الجزء الأول من المقالة  وهو الجانب الذي ينطلق من النظرة العنصرية من عامة أهل الشمال والوسط للأقاليم المهمشة، ولهذا الخوف جانب آخر لا بد من مناقشته، وهو أن السلاح عدو للديمقراطية، وأن الذين يحملون السلاح يرفعون مطالب مناطقهم غير آبهين بمطالب التحول الديمقراطي في عموم السودان، وأن المساومة بين حملة السلاح والنظام الحاكم يمكن أن تقود إلى نيفاشا أخرى تنتهي بانفصال جديد، لا سيما أن المجتمع الدولي وهو لاعب أساسي في الشأن السوداني يدفع في اتجاه حل إصلاحي يكون النظام القائم جزءا منه، إضافة إلى أن المفاصلة الدموية الشاملة وتحول كل مدن البلاد وعاصمتها إلى مسرح للقتال هو أمر باهظ التكاليف ويمكن ان يؤدي الى انهيار وتشظي شامل.

من ناحية موضوعية من حق الناس ان يختلفوا في منهج التغيير ومن حقهم ان يرجحوا التغيير بالوسائل السلمية والعمل المدني وينبذوا العمل المسلح، ولكن بشرط ان يكون هناك عمل محسوس على الأرض وحراك مدني بائن للعيان، ولكن المشكلة الأساسية في السودان هي ان من ينبذون العمل المسلح ويشككون في نوايا أصحابه ويسهبون في الحديث عن أضراره ومخاطره يفعلون ذلك من مقاعد الاسترخاء السياسي! متجاهلين بداهة أن الساحة السياسية لا تحتمل الفراغ، وأن الوسيلة الوحيدة لتفادي الكلفة الباهظة للتغيير بالسلاح هي الإقدام على التغيير بالوسائل السلمية، وهذه أيضا لها كلفة باهظة في ظل نظام مستبد وفاسد وقمعي كنظام الإنقاذ ولكنها وبحسابات موضوعية ستكون أقل من كلفة التغيير بالسلاح، لأن تصويب اللعنات إلى العمل المسلح من مقاعد العطالة والاسترخاء السياسي معناه التواطؤ مع نظام الإنقاذ ومساعدته على استدامة احتكاره للسلطة ومواصلة قهره للشعب السوداني.

إن الذين حملوا السلاح لم يستأذنوا أحدا في حمله، وبالتالي لن يضعوا سلاحهم مجاملة لأحد، بل إنهم سوف يعملون بجد ومثابرة في ميدان المواجهة بالسلاح لأن هذا هو الميدان  الذي هم فرسانه ولأن هناك قضايا عادلة تحركهم، وسوف يكون وزنهم السياسي ومكتسباتهم في أية تسوية سياسية بقدر ما يحققون من انتصارات في هذا الميدان، تأسيسا على ذلك يجب على الخائفين من التغيير بالسلاح أن يهبوا إلى الميادين التي من المفترض أن يكونوا هم فرسانها أي ميادين العمل المدني السلمي من أجل إسقاط النظام، ويسقطوا النظام بأيديهم هم حتى يقفوا مع حملة السلاح على أرض الندية والتكافؤ وتجد أولوياتهم السياسية حظها من الاهتمام في أية عملية سياسية لهندسة المستقبل، جنبا الى جنب مع أولويات حملة السلاح، وهذا المنطق ينطبق حتى على  الذين يناصرون الجبهة الثورية ويراهنون عليها في إحداث التغيير من قوى مدنية، فيجب على هؤلاء أيضا القيام بواجبهم النضالي من أجل التغيير لأن الساحة السياسية لا يتقدم فيها أحد إلا على قدر إنجازاته وتضحياته.

وإذا أردنا لهذه البلاد أن تتوحد فلا بد من تغيير واقع العمل في جزر سياسية معزولة، كل منها متشككة ومرتابة في الأخرى، لا بد من العمل المشترك بين أصحاب المصلحة في التغيير، ولا بد من مد جسور التواصل والتفاهم بين الحركات المسلحة والقوى المدنية، والأهم من ذلك مد جسور التواصل بين هؤلاء جميعا والشعب السوداني الذي لا بد من مخاطبته بعمق ومنهجية لا تفترض فيه فقدان الذاكرة، لأن أي تغيير رهين لتحرك هذا الشعب.      

في ختام هذه المقالة أود الإشارة إلى خاطرة لم تغادرني منذ ان فكرت في الكتابة حول هذا الموضوع، وهي أن حديثي ربما يكون أشبه بما يفعله بعض التلاميذ عندما يحلون الامتحان ويجتهدون في تجويد الإجابات بعد ان يكون الزمن المخصص للإجابة قد انتهى وتم جمع الأوراق ! ولا أدري هل هذا إفراط في التشاؤم أم أننا كسودانيين فعلا سقطنا في امتحان الوحدة الوطنية ودخلنا عمليا في مرحلة الانقسام إلى عدد من الدويلات المتناحرة، ولكن هذه الخاطرة الكئيبة لم تصرفني عن كتابة المقالة لأن الفكرة المركزية التي تدور حولها هي أن هزيمة مشاريع العنصرية والاستبداد والفساد، وانتصار مشاريع الإخاء الإنساني والمساواة والديمقراطية يجب ان تكون هدفا لنضال السودانيين على اختلاف انتماءاتهم، وأن الحكم الراشد الذي يحقق حرية وكرامة وإنسانية ومصالح السودانيين لا يمكن تحقيقه إلا بالاصطفاف خلف الأفكار والقيم والمبادئ والمشاريع السياسية الراشدة والمستنيرة ، لا خلف الأعراق أو القبائل أو المناطق، وهذه الفكرة تظل ضرورية لنهضة السودانيين وتقدمهم كجزء من المجتمع البشري سواء استمر ما تبقى من السودان كدولة موحدة، أو انفرط العقد وقامت عدة دويلات سودانية، صحيح هناك أوضاع شائهة وشائنة دفعت القوميات المضطهدة والمهمشة سياسيا واقتصاديا وثقافيا  على أسس عنصرية  لحمل السلاح والاصطفاف خلف الانتماءات الأولية( العرق والقبيلة والجهة) انتصارا للكرامة وطلبا للحقوق، ولكن حتى إذا انتهت هذه المواجهات المسلحة بالانقسام إلى عدة دويلات، فإن كل دويلة سوف تجد نفسها وجها لوجه مع واقع التنوع الإثني والقبلي داخلها، والتعددية السياسية، وستجد نفسها وجها لوجه مع مجموعات ذات نزعات استبدادية ساعية للهيمنة السياسية واحتكار السلطة والثروة والامتيازات، وفي هذه الحالة سيكون المنقذ الوحيد هو المشروع الديمقراطي، مشروع الحكم الراشد القائم على المشاركة والشفافية والمساءلة والمحاسبة وسيادة حكم القانون، مشروع التنمية الاقتصادية والإنسانية والعدالة الاجتماعية، فهذا المشروع العابر للانتماءات العرقية والدينية والثقافية هو الضمانة الوحيدة للاستقرار وحفظ حقوق الإنسان وكرامته، هذا المشروع تحتاجه دولة جنوب السودان الوليدة، وحتما ستحتاجه دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق إذا أصبحت دولا مستقلة، وسيحتاجه شرق السودان، كما ستحتاجه جمهورية (مثلث حمدي) العربية الإسلامية. كل إقليم من أقاليم السودان هو منطقة تعدد عرقي وقبلي وديني وثقافي واختلافات سياسية، ولذلك يحتاج كل إقليم لفن إدارة التنوع والاختلاف، فلا يعقل ان ينشطر هذا السودان إلى دويلات بعدد قبائله، ورغم اختلافنا الجذري مع الدولة المركزية في السودان ولا سيما في نسختها الإنقاذية، ورغم اعترافنا التام وألمنا البالغ لما تعرضت له جبال النوبة ودارفور وجنوب النيل الأزرق من مظالم وانتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان وجرائم بشعة، فإن الحل النهائي  ليس في التمزق والتشظي، ولكن منع هذا التمزق والتشظي يتطلب أفعالا كبيرة وجريئة وإرادة وطنية صلبة وهذا ما تفتقر إليه ساحتنا السياسية البائسة.