محمّد جلال أحمد هاشم  هل فعلاً التّغيير آتٍ؟ باتت العديد من قوى المعارضة مستيقنة من أنّ نظام الإنقاذ يشهد أيّامه الأخيرة وأنّ المسألة لا تعدو أيّاماً ويسقط النظام. قد يعيد هذا إلى ذاكرتنا ما ظلّت المعارضة تنشره أوّل أيّام النّظام قبل 24 عاماً عندما زعمت بأنّ الإنقاذ ليست سوى رغوة صابون وأنّها سوف تهمد لوحدها.

بيد أنّ دخول نظام الحكم في السّودان مرحلة التّغيير أصبحت مؤكّدة بأكثر من حجّة، منها الأصوات التي برزت مؤخّراً من داخل دوائر النّظام تدعو للتّغيير. فالمراقبون يشيرون إلى أنّ الإنقاذ قد حكمت لما يزيد عن العشرين عاماً دون أن تتمكّن من أن تحافظ على السّيادة على الأرض ووحدة البلاد؛ ومن يفشل في الحفاظ على هذين الشّرطين اللازمين لا يبقى أمامه غير أن يذهب. فهذا هو الأساس الأخلاقي للحكم. كما فشلت الإنقاذ في تحقيق ما جاءت من أجله، أي تحقيق مجتمع الوحدة والسّلام والعدالة. فقد أضاعوا الوحدة الوطنيّة بمجرّد إمساكهم بالسّلطة، بمثل ما أضاعوا السّلام والعدالة، وبرزوا كأفسد نظام في تاريخ السّودان الحديث والقديم. فضلاً عن أنّ نظام الإنقاذ قد أتى بنفس الأخطاء القاتلة التي أدان بها الأنظمة السّابقة، بل فاقها في ارتكابها. ثمّ هناك هذا السّونامي الذي يجتاح المنطقة؛ أو ليس كافياً أن يحكم رئيس أو نظام حكم شمولي بلداً ما لأكثر من عقدين؟

كلّ هذا من مّا يدعم أنّ أيّام الإنقاذ ربما أصبحت معدودة، حتّى لو كان هذا يعني إحداث تغييرات جوهريّة في بنية النّظام بها لا يصبح هو نفسه النّظام الذي حكم السّودان لما يزيد عن العشرين عاماً، أي من قبيل الدّمقرطة الحقّة. لكن السّؤال هو: ماذا عن سيناريوهات التّغيير؟ فحتّى الآن لا يبدو واضحاً في الأفق كيف سيذهب نظام الإنقاذ. أدناه سوف نقوم بمناقشة سيناريوهات التّغيير المحتملة.

السّيناريو الأوّل: الثّورة الشّعبيّة

يعتمد هذا السّيناريو على اندلاع الثّورة الشّعبيّة على غرار ما حدث في أكتوبر 1964م ثمّ في أبريل 1985م، ثمّ ما حدث في تونس ومصر في ربيع عام 2011م، وما تلا في اليمن وليبيا، ثمّ في البحرين وعمان والأردن والعراق وغيرها من دول المنظومة العربفونيّة. هذا هو أوّل السّيناريوهات التي ذهب إليها أكثر المراقبين. فهل هذا هو فعلاً ما سيحدث في السّودان؟ الحقيقة التي لا يمكن أن يتغالط فيها إثنان هي أنّه ليس هناك ما يتعلّمه الشعب السّوداني في هذا الخصوص بخلاف التّكتيكات؛ فهو قد اجترح ثورتين من قبل، وبالتّالي يصبح أقدر على أن يجترحها مرّة ثالثة.

إلاّ أنّ هناك متغيّراً في هذه الحالة يجعل الثّورة الشّعبيّة تختلف في شروطها عمّا حدث في أكتوبر وأبريل؛ ففيهما كان للقوى النّقابيّة دور بارز في بلورة الفعل الثّوري، بينما لا توجد هذه القوى الآن، فهي إمّا جميعها مع الإنقاذ (حسب نظر الإنقاذ)، أو تمّ تدجينها (حسب نظر المعارضة). كما لم تعد القوى الحزبيّة بنفس القوّة التي كانت عليها إبّان تلك الثّورتين؛ فالأحزاب الآن تقف في السّاحة كما يقف الرّجل الطّاعن في السّنّ وهو يعرف ما ينبغي فعله، بينما تخونه قواه الجسديّة فلا يُحير حِراكاً. كما يصعب في السّودان أن تعتمد الثّورة على تكنولوجيا الاتّصال مثلما حدث في مصر وتونس. فالسّودان بلد شاسع ولا تزال مناطق كبيرة منه لا تعرف عن هذه التّنكولوجيا شيئاً. ولكن هذا لا يمنع قيام الثّورة الشّعبيّة كونها عندما تهبّ عادةً ما تهبّ ضدّ كلّ الشّواذ (against all the odds).

أخطر ما يمكن أن تتمخّض عنه الثّورة الشّعبيّة هو اختطافها من قبل البنيّة التّحتيّة لنظام الإنقاذ بما يجعل التّحوّل الدّيموقراطي، برغم ذهاب النّظام، أمراً أقرب للاستحالة. لتوضيح الصّورة، دعونا نفترض أنّ المعارضة فازت في انتخابات عام 2010م، ففاز أحد مرشّحيها برئاسة الجمهوريّة، كما فازت بنسب متفاوتة بغالبيّة مقاعد االبرلمان، فضلاً عن اكتساحها لمقاعد المجالس التّشريعيّة بالأقاليم وبمناصب الولاة. فهل كان يمكن أن يتمّ التّحوّل الدّيموقراطي؟ نعم، أصبحت لدينا حكومة منتخبة ديموقراطيّاً، كما تمّ تغيير رموز النّظام السّابق. لكن، ماذا كنّا سنفعل لجهاز البوليس، ولجهاز القضاء، ولجهاز الأمن، فضلاً عن الجيش؟ ثمّ ماذا كنّا سنفعل للخدمة المدنيّة، وللقطاع الخاص الممسك بخناق الاقتصاد؟ فجميع هذه المؤسّسات قد تمّ تسييسها وتجييرها لصالح نظام الإنقاذ طيلة العشرين عاماً الماضية. وكم صدق أحد رموز الإنقاذ عندما جدّ العزم من قوى المعارضة خلال تلك الانتخابات بغية تغيير النّظام عبر صندوق الاقتراع؛ فقد قال (ولم يعزه التّبجّح): «إذا لم نأتِ عبر صندوق الاقتراع، فالدّبّابة التي أتت بنا لا تزال رابضة».

هذا ما يمكن أن يحدث في حال حدوث تغيير في شكل النّظام، دون بنيته، عبر الانفتاح الدّيموقراطي؛ فماذا يمكن أن يحدث إذا هبّت الثّورة الشّعبيّة بين عشيّةٍ وضحاها، فأزالت النّظام عبر زوال رموزه وبنيته الفوقيّة؟ بالطّبع سوف يتظاهر سدنة نظام الإنقاذ بأنّهم لم يكونوا إنقاذيّين في أيّ يومٍ من الأيّام، وأنّهم مع الثّورة. سوف يتقدّم بعض ضبّاط القوّات المسلّحة وقوّات الشّرطة، وربّما ضبّاط من جهاز الأمن، فيعلنون انحيازهم لثورة الشّعب. ولكن، إن هي إلاّ هنيهة حتّى يكتشف الشّعب بأنّ هؤلاء هم نفسهم رجال الإنقاذ وأنّ ثورتهم قد سرقها اللصّ نفسه. ويعتقد الكثيرون أنّ هذه هي الفرصة التي ينتظرها عرّاب انقلاب الإنقاذ، حسن التّرابي، ذلك في تعويله على الثّورة الشّعبيّة. فقيام الثّورة الشّعبيّة بعفيّتها التي شاهدناها في أكتوبر وأبريل، سوف يجعل تنظيم المؤتمر الشّعبي يلعب دور حبل النّجاة للإنقاذيّين الذين سوف يتظاهرون بأنّهم كانوا شعبيّين متستّرين. وهذا ما حدث بالضّبط للمايويّين الذين لم يجدوا بدّاً من الانخراط في الجبهة القوميّة الإسلاميّة (نفس التّنظيم الذي دبّر انقلاب الإنقاذ بقيادة حسن التّرابي) عشيّة سقوط نظام مايو في ثورة أبريل 1985م. ولكن، ما يجعل هذا الأمر شبه مستحيل هو وجود الحركات التي تحمل السّلاح، وهي في غالبيّتها علمانيّة بخلاف حركة العدل والمساواة التي تناسلت عن حركة الإخوان المسلمين بقيادة حسن التّرابي نفسه. فضلاً عن هذا، ليس من الممكن لحسن التّرابي، أو أيّ حركة يقودها، أن يحكم السّودان في أعقاب نظام الإنقاذ جرّاء الفشل الإسلاموي المريع الذي كشف عورة هذه الحركة.

في حال قيام الثّورة الشّعبيّة، يبقى عليها تحدّي أن تقتلع النّظام من جذوره، لا أن يتكرّر ما حدث في أكتوبر وأبريل عندما ذهب رأس النّظام بينما بقي جسمه ممثّلاً في مؤسّساته، بل وفي بعض رموزه. وهذه هي ربّما الحالة التي تمرّ مصر (وربّما ليبيا واليمن وتونس) من حيث اختطاف الثّورة من قبل نفس النّظام الذي قامت الثّورة ضدّه. فالأنظمة الشّموليّة أثبتت أنّها أشبه بالتّنين، لها سبعة أرواح وسبعة رؤوس، ولا يكفي قطع ما يبدو منها على أنّه الرأس الأكبر. يستبعد بعض المراقبين حدوث هذا، مشيرين إلى الوضع الاستقطابي في السّودان بين الإنقاذ ومعارضيها واستعصاء أيّ مواقف وسطى.

السّيناريو الثّاني: انقلاب القصر

يقوم هذا السّيناريو على التّغيير الداخلي في النّظام بما من شأنه أن يجعله قادراً على الاستمرار لفترة قادمة بنفس شموليّته. في سبيل إحداث مثل هذا التّغيير لا بدّ من مواجهة داخليّة تقوم بتصفية الاستقطاب الخفي ممثّلاً في مجموعة العسكريّين من جانب (ويقودها الرّئيس البشير)، ومجموعة الإسلاميّين من الجانب الآخر (ويقودها نائب الرّئيس علي عثمان). من جانب آخر يجوز النّظر إلى كلا رموز المجموعتين (كلاً على حدة) على أنّهما عبارة عن بطّة عرجاء؛ فمستقبل البشير معلّق بالموقف من المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، وعلي عثمان معلّق بتهمة الإرهاب التي ألصقها به شيخه حسن التّرابي الخاصّة بالتّخطيط لاغتيال الرّئيس المصري السّابق حسني مبارك. وكيفما كان الأمر، فالفوز في هذه اللعبة يمرّ عبر تجيير الحركة الإسلاميّة من جانب (وهي نفسها أضحت بطّة عرجاء من النّاحيتين الفكريّة والتّنظيميّة)، وضمان ولاء القوّات المسلّحة من الجانب الآخر. فلكي يفوز البشير باللعبة، باعتبار ضمانه ولاء الجيش بحكم خلفيّته العسكريّة، يحتاج إلى توحيد شتات الحركة الإسلاميّة الأمر الذي يستلزم التّصالح مع حسن التّرابي. ولكن المشكلة تكمن في استحالة تحقيق هذا التّصالح طالما كانت مجموعة البشير تضمّ نفس تلاميذ التّرابي الذين ثاروا عليه وقاموا بإقصائه، وعلى رأسهم يأتي علي عثمان محمّد طه، الأمر الذي يمكن أن يعطينا مؤشّراً لاتّجاهات المفاصلة والاستبعاد المحتملة. من الجانب الآخر، لكي يفوز علي عثمان محمّد طه باللعبة يتوجّب عليه التّخلص تماماً من التّرابي، الأمر الذي سيضمن له اصطفاف الحركة الإسلاميّة خلفه. بعد هذا عليه أن يتخلّص من البشير على أن يضمن ولاء الجيش عبر شخصيّة رفيعة الرّتبة يمكن أن تكون بديلاً للبشير. يدخل ضمن هذا السّيناريو أيضاً احتمال الانقلاب العسكري، أكان من الجيش ام من الأمن أم من كليهما، وهو احتمال ضعيف. فقد دلّت التّجربة السّياسيّة السّودانيّة على أنّ أنظمة الحكم الدّيموقراطيّة تتمّ إزاحتها بأنظمة عسكريّة؛ بينما تتمّ إزاحة الأنظمة العسكريّة الشّموليّة بالثّورات الشّعبيّة. ولكن، مع هذا يمكن للانقلاب أن يحدث بوصفه انقلاباً داخل المنظومة بغية تجديد دمائها. ولكن، كيفما كان هذا التّغيير، فإنّه لا يعدو كونه بداية النّهاية لحكم الإنقاذ؛ إذ ليس من المتوقّع أن يخرج أيّ واحد من الفريقين بحالة يكون فيها النّظام أقوى من مّا هو عليه. 

السّيناريو الثالث: التّحوّل الدّيموقراطي

يعتمد هذا السّيناريو على اتّباع خطّة واضحة وصادقة للانفتاح الدّيموقراطي وتفكيك نظام الإنقاذ من داخله وبرضى أهله والقائمين على أمره. مثل هذه الخطوة قد تشهد بدرجة عالية وغير مألوفة من الذّكاء الوجودي الذي عادةً ما يعوز الشّموليّين، والأيديولوجيّين الدّينيين منهم على وجه التّحديد. ولكن، هذا السّناريو، إذا حدث، قد يؤدّي إلى تخليد الشّخصية التي ستبادر به وترعاه، أكانت البشير أم علي عثمان محمّد طه، أم خلافهما. ولكن، من يمكن أن تواتيه مثل هذه الاستنارة السّياسيّة والفكريّة، ثم الأخلاقيّة، لا يمكن له أن يفوته قطار التّغيير الأكثر مواءمةً وملاءمةً الذي أتاحته اتّفاقيّة نيفاشا في الفترة ما بين 2005م ــــ 2011م؛ فقد كانت تلك فرصة تاريخيّة لنظام الإنقاذ ليتحوّل إلى نظام ديموقراطي حقيقي بما من شأنه أن يعصم وحدة البلاد من شرور الانفصال والتّشظّي الوطني، على أن تكون هناك بعض ضمانات بعدم الملاحقة فيما يتعلّق بالثّروة والممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان في إطار ما هو مقبول. إذ كيف يجوز لمن يمكن أن تواتيه مثل هذه الاستنارة التّاريخيّة أن يقوم بتزوير الانتخابات بالطّريقة الفجّة، عديمة الذّكاء، عديمة الاحترام لعقول الشّعب، بمثلما ما رأيناه في عام 2010م، بدلاً من اهتبال تلك الفرصة التّارخيّة لتحقيق التّحوّل الدّيموقراطي الحقّ؟

عليه، ليس وارداً أن يتحقّق هذا التّغيير الدّيموقراطي الذي يمرّ عبر بوّابة تفكيك نظام الإنقاذ. فالخطب القذّافيّة التي أدلى بها عمر البشير عشيّة إعلان نتيجة الاستفتاء أشارت إلى أنّ قادة الإنقاذ ماضون في طريقهم لا يلوون على شيئ. فضلاً عن ذلك، تأتي محاولاتهم غير الذّكيّة في محاصرة دولة الجنوب الوليدة ومعاملتها كما لو كانت قطاع غزّة، ثمّ الرّدّة السّياسيّة إلى مرحلة سنوات الإنقاذ الأولى من حيث تكميم الأفواه، والتّنكيل بالخصوم السّياسيّين وإقصاء كلّ من لا يتّفق معهم، لتؤكّد أنّ قادة الإنقاذ كأبعد مايكونون عن التّحوّل الدّيموقراطي الحقيق. ولكن، مع هذا، لن يعدموا الحدّ الأدنى من الذّكاء الذي يمكّنهم من المناورة ومحاولة تطبيق نوع من الانفتاح الصّوري. بيد أنّ مثل هذه الخطوة قد تجعلهم ينزلقون؛ إذ ليس أخطر من التّظاهر بالدّيموقراطيّة بالنّسبة للأنظمة الشّموليّة؛ فغالباً ما تتحوّل اللعبة إلى سلوك جدّي، فينقلب السّحرُ على السّاحر.

كيفما كان الأمر الذي سينتهي إليه قادة الإنقاذ من حيث الإيغال في الشّموليّة وتكريس الدّيكتاتوريّة، عليهم أن يقدّموا تنازلات للقطاعات الاجتماعيّة التي يعوّلون على دعمها. وليس هناك ما يمكن أن  يقدّموه في وضعهم الهشّ هذا غير المزيد من امتيازات الحرّيّة التي غالباً ما ستبدأ باعتبارها امتيازاً خاصّاً بمجموعات بعينها دون باقي قطاعات الشّعب. إلاّ أنّ خطورة هذا الأمر تنطوي في أنّ دائرة الحرّيّة أشبه بدوائر الماء، لا تني تنداح وتنداح حتّى تعمّ صفحة المجتمع. إذن، لا يبقى أمام نظام الإنقاذ غير أن يتفكّك، إمّا بيدهم وبإرادتهم، وهو قمّة الذّكاء، أو بعوامل الشّيخوخة المبكّرة التي أصابت مشروعهم الفكري جرّاء مجانبته ومفارقته للواقع. فالحقيقة أنّ نظام الإنقاذ قد تجاوز عمره الافتراضي بما يزيد على عشرين عاماً؛ فلولا الضّعف البنيوي والفكري للبنية السّياسيّة، الذي انعكس كضعف بنيوي، لما استمرّ هذا النّظام الهشّ كلّ هذه السّنوات.

السّيناريو الرّابع

هو ما يمكن تسميته بسيناريو شرق أفريقيا، وهو أن تقوم حركة تمرّديّة بالهجوم على العاصمة، ومن ثمّ اقتلاع النّظام الحاكم، واقتلاع مؤسّساته الملتبسة بمؤسّسة الدّولة. فهذا السّيناريو قد حدث في تشاد، أفريقيا الوسطى، الكنغو الدّيموقراطية (زائير سابقاً)، رواندا، بوروندي، يوغندا، إثيوبيا، أريتريا، الصّومال؛ فلم لا يحدث في السّودان؟ في رأينا، لا يجوز إدراج حالة ليبيا ضمن هذا السّيناريو باعتبار أنّ المعارضة فيها قد نجحت أيضاً في إسقاط النّظام عبر ثورة مسلّحة؛ فهذا المثال يسقط من اعتبارنا بسبب الدّور الرّئيسي الذي لعبته قوّات حلف الناتو.

عليه، ما الذي يمنع حدوث هذا السّيناريو في السّودان، خاصّةً وأنّه كاد أن يحدث عندما توجّهت حركة العدل والمساواة بقيادة الشّهيد خليل إبراهيم بحوالي 2000 جندي من حدود تشاد فدخلوا العاصمة، بينما نظام الحكم يرقب مجيئهم لخمسة أيّام متتالية؟ وقبل ذلك بما يزيد قليلاً عن 30 عاماً، أي في 1976م، قامت قوّات الجبهة الوطنيّة المعارضة (حينها كانت مجموعة الإخوان المسلمين القابضة على حكم الإنقاذ الآن ضمنها) باجتياح الخرطوم العاصمة، قادمين من ليبيا، فكادوا أن يسقطوا نظام مايو العسكري الدّيكتاتوري. إذن، هناك عدّة تجارب يمكن النّظر إليها باعتبارها تمارين متقدّمة لتحقيق هذا السّيناريو. الآن، هناك ما يعرف بالجبهة الثّوريّة وهي جماع الحركات المسلّحة (الحركة الشّعبيّة لتحرير السّودان ــــ الشّمال، حركة العدل والمساواة، حركة تحرير السّودان [جناح منّي أركو منّاوي)، حركة تحرير السّودان (جناح عبد الواحد محمّد نور). فإذا أضفنا إلى ذلك الدّور الإستراتيجي الذي ستلعبه جمهوريّة جنوب السّودان من تقديم الدّعم الفنّي واللوجستي، فضلاً عن الخدمة كخلفيّة استجمام، لهذه الحركات، خاصّةً بعد أن سعت حكومة شمال السّودان بيديها وقدميها إلى مهاجمتها، ومن ثمّ اشتعال فتيلة الحرب بين الدّولتين.

يصبح مثل هذا السّيناريو ملائماً عندما تلتحم المجموعة الحاكمة وتذوب في مؤسّسة الدّولة على غرار ما رأيناه طيلة سنيّ الإنقاذ. وينطوي هذا السّيناريو على مفارقة تكمن في أنّه في اللحظة التي ظنّ فيها شماليّو السّودان الانفصاليّون أنّهم قد تخلّصوا من تبعة أفريقيّتهم ممثّلةً في انفصال جنوب السّودان، تأتي الأحداث لتثبت لهم أنّهم لا يزالون يخضعون للمعايير الأفريقيّة للتّغيير، وليس المعايير العربية، أو ما يعرف بالرّبيع العربي. فالسّودان، بمناخاته المداريّة، لا يعرف الرّبيع إلاّ كمفردة في اللغة لا محلّ لها من الإعراب. وبنفس المنوال، لا علاقة للرّبيع العربيّ بما يحدث في السّودان. فالعرب الآن، والآن فقط، قد دخلوا مرحلة أن يتحرّك الشّارع ليقوم بإسقاط الأنظمة الدّيكتاتوريّة الباطشة والفاسدة، فضلاً عن الظّلم المطلق. في هذا، عليهم أن يتهيّأوا لسلسلة طويلة من الإحباط، من قبيل ما مرّ به الشّعب السّوداني في ثوراته الشّعبيّة الثّلاث التي اجترحها خلال المائة عام من 1885م إلى 1985م (المهديّة: 1885م، أكتوبر: 1964م، أبريل: 1985م). في هذا، ليس هناك ما يمكن للشّعب السّوداني أن يتعلّمه، فهو متقدّم بأكثر من قرن على باقي الشّعوب العربيّة (من ثار منها ومن لم يثر بعد ومن لن يثور أبداً).

ربّما يكون هذا السّيناريو عالي التّكلفة من حيث الأرواح والمال والمؤسّسات، وبالتّالي قد يتخوّف البعض من أن يكون هو نفسه مقدّمة لمرحلة من التّداعيّات والتّساقط المؤسسي بما يمكن أن يقود إلى انهيار مؤسّسة الدّولة أو الصّوملة. إلاّ أنّنا ينبغي أن ننظر إلى هذا السّيناريو على أنّه يرتكز إلى نموذج سوداني متوطّن في مجال الثّورات الشّعبيّة، ألا وهو نموذج الثّورة المهديّة. وبالتّالي، يمكن الزّعم بأنّ الشّعب السّوداني قد تجاوز نموذج ثورتي أكتوبر وأبريل من حيث كونهما ثورة سلميّة، منقّباً في مخزون تجربته الثّرّة، وعائداً إلى نموذج ثورة شعبيّة آتت أُكُلَها من قبل. ومع هذا، لا يجوز ألاّ نضع اعتباراً لاختلاف الزّمان والمكان. فقد حدثت الثّورة المهديّة في فضاء ثقافي وأخلاقي يختلف تماماً عن الفضاء الحالي الذي يتميّز بحرائك العولمة. ولعلّ واحدة من أسباب تثاقل الثّورة الشّعبيّة في السّودان هو استشراف الشّعب السّوداني لمرحلة جديدة، بها يودّع حقبة مثقلة بالتّقاليد المخالفة لكلّ سمات الأصالة، ليستقبل في المقابل حقبة جديدة قوامها الجمع بين الأصالة والحداثة. فالانعتاق من ربقة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة التي ظلّ الشّعب السّوداني خاضعاً لحراكها لما يزيد على الخمسمائة عام لا محالة يمرّ عبر مخاضٍ عسير ومرير. بين هاتين المرحلتين توجد مرحلة في منتصف الطّريق، لا هي بحداثة ولا هي بأصالة، تبدو كما لو كانت حالة من حالات التّداعي الذي يتيح لقوى الرّجعيّة فرصة كبيرة لتبدوَ كما لو كانت حالة حضاريّة وما هي بذلك. لهذا تبدو هذه المرحة كحالة من حالات الانحطاط هو ما عليه حال الشّعب السّوداني في زمن الإنقاذ. فالحكم السّيّئ يُخرج من الشّعب أسوأ ما فيه، وبالفعل أخرجت الإنقاذ أسوأ ما في الشّعب السّوداني.

وبعد، لا بدّ من التّنبيه إلى أنّ أيّاً من هذه السّيناريوهات ليس سوى مرحلة ضروريّة من المعاناة في سبيل استشراف ديموقراطيّة حقيقيّة وليست صوريّة تقوم فقط على إجراء ميكانيكي للانتخابات. على هذا، ينبغي للشّعب السّوداني أن يكون مستعدّاً لتحمّل مسئوليّته في اختيار من يحكمونه، بدلاً من انتظار شخصيّة تخلّصهم من عذابهم، لا يعرفون عنها شيئاً، ولا يملكون أيّ شيء لترقّبها غير حسن الظّن.