استيلا قايتانو عبق المهن(قصة طويلة) اهداء : الى روح د. جون قرنق دي مابيور ، والى جميع الارواح التي صعدت فى ذلك اليوم .  ضوء خافت داخل مركبة عامة، انتهى عمرها الافتراضي، وتاهت معالمها لانها تحمل كل معالم المركبات الارتجالية التي تنجبها المنطقة الصناعية.

 من الخارج اشبه بشاحنة متوسطة الحجم من الداخل بص بمقاعد مرتجلة وضيقة

السائق معزول في كبينة القيادة من ما يجعلها اقرب الى شاحنة نقل صغيرة.

شخير ماكينة تنذر بعطب مفاجئ، دخان اسود يخرج هزيلا ثم يتكثف مثل ذيل

سنجاب.

السائق يظهر جزءاً من وجهه خلال نافذة صغيرة لا يري الناظر منه سوى وجهه المدبوغ

وشعيرات ناتئة بيضاء تتوزع متفرقة على ذقنه وجنبات وجهه اشبه باشواك

الصبار، كاملة الاستعداد للقفز نحو لحم حي.

آخر المركبات تحمل آخر الاتون ليلاً، اجمل الاوقات يقضونها وهم في

طريقهم الى البيوت، والمركبة تزدحم بهم وروائحهم وعبق مهنهم.

ابكر يتصبب عرقاً وزيتاً تفوح منه رائحة البنزين والجازولين تشعر وانت

قربه بصعوبة في التنفس، يلتصق بجسده بالطو فقد الطريق الى لونه بعد ان

وقفت البقع السوداء البترولية بينه والنصاعة، يعول اماً ثرثارة واخوة

مشاغبين.

حاجة آمنة والتي لم تحج ابداً، ثقيلة الانفاس والجسد، تفوح منها رائحة

الكسرة الرهيفة والحلومر والويكة وبقايا اطعمة لم تبعها فتشتم رائحة

الفسيخ والتقلية والخدرة المفروكة وملاح الروب الابيض، مخترقة تماما

برائحة الشطوط الخضراء والكول وبقايا عصائد الدخن والفتريتة، قفتها التي

تعاني الانقراض ولا تستطيع الصمود امام غزو رقع جوالات السكر البلاستيكية

الى جسدها النباتي، حاجة آمنة تدعي معرفتها بكل شئ وكثيراً ما تفتكر

وتعتقد وتكثر من “على ما أظن” في ابسط الامور عندما تنتابها نوبة التثاقف،

لان روادها الاساسيين من الموظفين الحانقين والمثقفين المحبطين والطلبة

الغاضبين والشماسة الذين تسميهم اولادها وذلك عندما انقذوها ذات كشة من

مصادرة العسكر لاوانيها حيث حمل اي واحد منهم آنية الاطعمة والقفة العجوز

واختفوا في ازقة المدينة، عندما وصل العسكر كانت تجلس على بنبرها العتيق

مثل ملكة قديمة، وبعد ان اجهزو على ستات الشاي والباعة المتجولين وذهبوا، حينها اتى الشماسة الواحد تلو الآخر يعيد إليها اوانيها بكامل

محتوياتها فكافأتهم بوليمة حقيقية بدل الفتات الذي يتركه الزبائن بعد

الامتلاء، وليمة  لم يحلموا بها يوما، أكلوا المرارة بالعتي والشطة

واستلذوا تماما بالتقلية بالعصيدة وكانت التحلية فطيرة باللبن الرائب

وقليل من السكر.

 حاجة آمنة رغم ادعائها الثقافة والكلام المهذب، لكنها سرعان ما تتم

حديثها بانتصاب اصبعها الاوسط في وجه الجميع وملحقة اياه بكلمة ( طز او

انعل ابو كدا ) هذا الختام هو ما يجعلها تحس انها حقاً انتقمت من احدهم

اكثر من كلمات المثقفين وجمل الطلبة التي تجعلها تحس بالضعف وابتلاع

الغضب، مميزة بشلوخها الثلاثة الطويلة والعريضة مصبوغة بلون داكن قليلاً

من لون بشرتها على صفحة كل خد وشفاه بلون القطران القديم، عندما يتجمع

العرق في حوض عينيها ينساب باحدى تلك الاخاديد لتتميز بدموع صيفية دائمة

لاتنضب ولا تشير الى حزن، كانت تطلق ضحكات معدية بعيونها لتهزم المأساة

في عقر وجهها.

نافوني، تفوح منها رائحة فول سوداني مسحون (الكايموت او الدكوة ) ولحوم

الصيد المجففة على نار هادئة والاسماك الجافة المملحة التي يرسل لها من

الجنوب  فتملأ الانوف برائحة العفونة العتيقة واللذيذة فتشتهي الكجيك

وملاح الكايموت واللوبا بالعصيدة الساخنة.. تربط راسها بمنديل صغير

وتترك اذنيها خارجاً مثل الاجنحة، ذات لثة داكنة تجعلها لؤلؤية الضحكات

وعندما تفرح، ولؤلؤية الشتائم عندما تستفز، يدها دائمة الانشغال بنسج

شراشف الطرابيز واغطية الكراسي والملاءات وتشكيلات السكسك الجميلة

والملونة، مستعدة للمشاركة في المعارض لبيع انسجتها اذا ما اتيحت لها

فرصة.

تيًة.. قصير ومفتول العضلات تفوح منه رائحة السنابل المحصودة تواً،

كثير الحركة والمرح لا يكف عن الغناء لذنوبة حبيبته التاريخية، اصبحت

ربابته تشغل حيزاً في الحافلة لا يستغنى عنها، عندما يلمس تيًه وترها

الوحيد اليتيم تقشعر وتتغنى باجمل الانغام، وكم ساهمت في تقريب المسافات

وابتلاع المرارات عندما ينطلق تيًه على صهوة وتر ويهز رأسه المتوج بالقش

والالياف والاتربة  طرباً ومن ثم يغرق في ضحك بصوت عالٍ وعميق حتى تدمع

عيناه عندما تحاول حاجة آمنة ارتجال رقصة (كرنق) ممسوخة فتبدو اقرب الى

قفزات قرد مذعور عندما تجهز آلام المفاصل وثقل جسدها وسنين عمرها على

الحركات الاساسية للرقصة، حينها تحبط وتجلس ورقصتئذٍ يتحرك نحوها تية

مشجعاً ويرقصا معاً ضاربين صفائح المركبة الهرمة في تناسق بديع وينسجم

الجميع في تصفيق وضحك خفيف وشفيف غير مفخخ بالازمات إلا السائق الذي يوقف

البص ويشتكي دوما من ازعاجهم ويصفهم بالسكارى والحيارى وعندما يتلفت

لقيادته ينتصب اصبع حاجة آمنة الاوسط خلف اذنيه كالرمح.

سميرة.. صغيرة ولعوب، تطقطق لغة لزجة باستفزاز وتحرك شفتيها في غنج

معلنة عن انوثتها الفطيرة التي اكتشفتها ساعة انتهاك احد ما على طفولتها

عندما كانت تعمل خادمة نظافة في احد البيوت، فظنت انها امرأة كاملة،

ذات صوت حاد اقرب الى الضجة، لا تحترم احداً ولا تخاف من احد الا الله كما

تقول، الكل يخشى غضبها او اثارتها لانها حينها تتحول الى عاصفة من الغضب

تضرب وتشتم وتبكي الى ان يُغشى عليها متشنجة. وجهها الدامي ساحة معركة

عنيفة بين لونها الاسمر الداكن ومساحيق تبييض البشرة الرخيصة والفاسدة

فضاعت ملامحها بحثاً عن نموذج الجمال الابيض الذي تراه على التلفاز ووجوه

الفنانات الائي يتحولن الى بضات وبيضاوات بعد اغنيتين وحفلة ونصف اعلان

سخيف لكريمات التفتيح.. تفوح منها رائحة التسالي وحلاوة فوفلية وسمسمية

والحلويات المحلية الصنع، نارية الالوان وشديدة الحلاوة.. وبالطبع

رائحة رجل او رجلين.

دانيال بشلوخ عظيمة على جبينه يحملها كتاج منذ يوم تنصيبه رجلاً من رجال

القبيلة الاشداء، وصديقاه رحمة وسعيد .. اللذان لم يرحم شبابهم احد،

تفوح منهما رائحة الاسمنت والرطوبة الخفيفة فتخالهم غيمات متعطرات بالدعاش، شذى التقاء الماء بالارض تلك الرائحة التي تفتح شهوتك لحب الطين، لقد

انهكهما تماماً بناء المدينة وتسلق البنايات العالية وفي خواطرهم اسئلة

مثل متى تصبح قراهم المدكوكة بالحروب والمحتضرة بالنزوح والامراض

والمجاعات والاهمال، الغارقة في الظلم والظلمات مثل هذه المدينة الساحرة

اللامعة بالاضواء والنعيم والتي لا توجع رأسها وضميرها بالسؤال عن من هم

على بعد ساعة من قلبها الاسمنتي المتحجر ؟؟.

رامبو الصغير هو لقب اختاره لنفسه لانه معجب ببطل في فلم ما يحمل بنادق

ويطلق رصاصات وينقذ الضعفاء.. هو كمساري البص الخرب، عبأ طفولته في

زورق من ورق ورماه في بحر المعيشة الصعبة عندما اجبر على ان يكون ناضجاً

وهو لم يبرح ازقة الطفولة بعد، يحكي:  بان الكفار في الجنوب اسروا والده

سنين طويلة وفي يوم هرب منهم ولمن وصل، كتلوهو ناس الديش قايلنو متمرد

لكن بعد داك قالوا شهيد وحيدخلنا الجنة كلنا.

هكذا هو طفل يحكي مأساة بلغة الاطفال، لا تفارق القبعة رأسه الذي تزاحمت

في فروته دوائر قاحلة  بسبب القوباء آكلة الشعر.

رمضان مشهور بالافندي، لانه دائما يعبر عن نفسه بلغة لا يفهون كيف

يرًكبها ولكنها جميلة ومشبعة ومترعة بالامل ، مفرط في الاناقة والنظافة

رغم احتضار هندامه بفعل الشموس والصابون والعرق، مرعوب من فكرة ان يموت

بالكوليرا والملاريا والعرقي الفاسد، لا تخلو يده من ورقة او كتاب وقلم

بغطاء ازرق على جيب قميصه، في أغلب الاحيان يتشاجر مع رامبو بسبب انه

لا يملك نقوداً، يضطر في النهاية على استدانة حلاوة فوفلية او سمسمية من

سميرة لاسكاته، دائم التحدث عن زمن لا يأتي وعن وطن لا يظلم فيه احد،

وطن يحترم فيه ابناؤه بعضهم بعضاً، وطن موعود بقادة رحيمين وموعود بخيرات

كثيرة، تفوح منه رائحة الجرائد والحبر والصعوط.

الدرويش معروف بالفقير.. جالس هناك في ركن قصي، يرتدي الالوان..

هائماً في فلوات  شاسعة، زاهداً في دنيا تتعذب بالاسئلة، كان متوازناً

اكثر من الجميع رغم مظاهر الجنون الذي يظهر عليه، يحمل ابريقاً ومسبحة

طويلة من الخرز، عندما يغرق الجميع في الاحباط والتبرم كان يغرق هو في

الذكر والغياب السماوي.

ضوء خافت وحياة ضاجة بالداخل، معركة روائح التي ليس فيها مكاسب او هزائم

رائحة اناس كادحين وروائح بقايا تجارة غير مربحة، روائح لا تلغي بعضها

البعض انما تتماهى وتتحد لتصبح رائحة واحدة، رائحة البص. البص الذي

يترنح بهم في الطرقات كأنه يهدهد الجميع، ولكنهم يقاومون النعاس حتى لا

تفوتهم الحوارات الساخنة والمحطات، صخب وغناء جماعي وإظهار البطولة رغم

هزيمة الوطن الفادح لهم.

البص الآن يحبو اعلى الجسر، الجسر الذي يفصل بينهم والمدينة.. يفصل بين

الطين والاسمنت.. بين النور والظلام.. بين الجهل والعلم.. بين

الرفاهية والحرمان وبين الصحة والمرض ، حينها يشهر تًية ربابته ذات

الوتر الواحد في وجه الجميع ويعزف النشيد الوطني ويشاركه الجميع في صوت

يبدأ ضعيفاً ثم يقوى ويقوى والكل يستعرض مفرداته ولكن حاجة آمنة دائماً

بالمرصاد تحاول ترميم الكلمات التي لوت عنقها اللسن ذوي اللغات المحلية

وعندما يفشل صوتها التصحيحي في دحر هدير الاصوات القوية، تقذف اصبعها

الاوسط في وجه الجميع، وتضيع بذاءتها سدى وسط تصفيق حار حول رأسها ذي

المسائر المتشربة بزيت الكركار المعتق، مطعم بعطر الصندل والقرنفل وقشر

البرتقال وشحوم الضأن.

البص يودع المدينة ويرحل عميقاً في الظلام حيث يسكنون.

ذات يوم سمعوا بموت الزعيم المفاجئ، قالوا ان طائرة كانت تقله اصطدمت

بالجبال اثناء عاصفة رعدية، كان البص يضمهم بحنو كأنه يواسيهم، كان

يلفهم صمت قاسي وغضب يعتمل بالدواخل وكل واحد منهم كان يستمع الى صوت

الزعيم المحبوب يتردد في الفراغ وهو يحمل لهم وعوداً بيضاء بلون الروح

والضوء، وآمالاً ضخت فيهم الحياة والاستمرار في الكفاح بعد ان اصبحوا

انصاف نيام وانصاف اموات وكل واحد منهم يعتقد بانه وحده من اختص باعطاء

الحقوق وتحقيق الاحلام كأنه يقول لكم جئت لاحرركم من كل هذا لانكم

تستحقون.. هكذا شرعوا في الحلم دون كابح، احلام واحلام هكذا ترتطم

وتتحطم بجبال واقع ثلجي حزين، ليغرق الجميع في احراج امام الوطن.

السائق غارق في القيادة يسوق احلام الجميع واحزانهم وغضبهم . كان البص

قد فقد اعضاء اساسيين لا يعلمون ما مصيرهم هل هم احياء ام موتى بعد احداث

الخراب الذي تلا موت الزعيم، حتى الحزن عليه كان مختلفاً، صعدت ارواح

كثيرة تسابق روحه نحو السماء، موت غريب وجرائم غريبة، قتل وضرب وخراب

واغتصاب وانقسام بين الناس وحريق، الشوارع مدججة بالسلاح والغاضبين.

الحافلة الآن تحبو نحو قمة الجسر في وجوم، كان اطول يوم وابعد مسافة..

وتجارة لم يبيعوا منها شيئاً، مد تيًة يده في تكاسل نحو ربابته ذات الوتر

اليتيم وعزف النشيد الوطني بدأ الجميع بوهن وكانت الاصوات تزداد وهناً

وفتوراً الى ان انتهى بالنشيج والدموع طالما قاوم الجميع اخفاءه وبكاء

جماعي على امل خطفه الموت بغتة، الكل غارق في مأتمه الخاص، ينثر رماد

آماله على صفحة النيل الساكن، وتتسلل يده في الظلام بحثاً عن مواساة في

كف الجالس قربه.. ثم صمت وهدير مركبة هرمة انتهى عمرها الافتراضي ويجرح

هذا السكون شخشخة قلم الافندي على الورق،  كان يكتب بشراسة وكأنه يبكي

عبر حبر قلمه، كان يستدعي الجميع عبر خياله ويسمعهم وهم يملوه آمالهم

ليخط رسالة طويلة لا يدري لمن يجب ان ترسل ولكنها رسالة وكفى، القى نظرة

الى حاجة آمنة كانت ضحكتها مهزومة تماماً امام جحافل الدمع المعرًق كان

يسمعها تقول : لما الرحيل ونحن من ظننا اننا على اعتاب احلامنا، كنت

اريد مفارقة قفتي العجوز وافارق الشقاء واقضي بعض الايام قرب اولادي بعد

ان انشغلت بالمعيشة الطاحنة اتركهم نيام واعود واجدهم نياماً اتفاجأ

باطوالهم الزائدة في اسرتهم وعلاقتي بهم مثل علاقتي بالاشجار اسقيها

واترك لها الباقي فاتفاجأ بظلها، كل خوفي ان اكتشف يوماً انها لا تثمر،

واتمنى حج بيت الله حتى اصبح بحق حاجة آمنة، هل هذا حلم يستدعي الفجيعة

؟.

نافوني.. على صهوة خيالها باذنيها الطائرتين خارج عصبة رأسها، اختفت

اسنانها اللؤلؤية في زمة ممدودة واثار دمع مالح على الخدود، تنسج شكلاً

غير مفهوم بابرة الكروشي بعصبية وافكارها تتعقد مثل الخيوط التي بين

يديها وتسأل باتهام: لماذا قتل ؟ تمنت فتح مشغل لتعلم النسوة بعض حرف

النسيج والتطريز وصبغ الملابس، عندما انتهت من حلمها كان النسيج الذي في

يدها قد تحول الى بندقية دون فوهة.

استدعاه رامبو الصغير بفرقعة من اصابعه الصغيرة، حلم بالعودة الى

المدرسة وعلاج آكلة شعره واستعادة زورق طفولته الذي ضاع في مراسم تنصيبه

عائلاً للاسرة.

استدعى الشباب.. رحمة ودانيال وسعيد الذين يحلمون  بمدن مضيئة ونظيفة

فيها كل ما يحتاجه الانسان ليعيش  بكرامة في قراهم.

استدعى سميرة التي امنيتها ان تصبح بيضاء وست شاي ماهرة في احدى المحطات

الكبيرة، وربما تتعلم الكتابة والقراءة، لتقرأ عن كيفية ان تصبح بيضاء

لتصبح اكثر جمالاً.

نظر الى الدرويش ووجد ذقنه تشرب من دموع عينيه ويتمتم باسماء الله.

وهكذا استمر في الكتابة بشراسة، الى ان اصبح البص يترنح بهم يمنة ويسرة، وهم لا يعلمون بان قلب السائق قد مات وتوقف في آخر محطات حياته  قبل

قليل  بنوبة قلبية مفاجئة، واصبح البص يجري وحده دون سائق فعلي، الى ان

قفز بهم من فوق الجسر نحو صفحة المياه الهادئة تماماً إلا من ضجيج موتهم

الجماعي.

وفي اليوم التالي.. تجمهر المتفرجون على الجسر، ودائماً لا بد من وجود

متفرجين، انظارهم مثبتة على صفحة الماء، قفة حاجة آمنة المنكفئة واواني

الاطعمة، منديل راس نافوني يسبح وحيداً دون اجنحة، وقبعة رامبو الصغير

وعلبة مسحوق سميرة التي لم يمهلها الموت المزيد من الوقت لتشويه وجهها،

ابريق الدرويش ومسبحته، قلم الافندي ورسالته غير المكتملة، كانت

اشياؤهم تسبح متراقصة وتبتعد عن الجسر رويدا رويداً بفعل الموجات الخجولة

الناعمة كأنها تزفهم نحو العدم.

الشمس قوية وتضرب سطح الماء ليتبخر ويصنع طبقة رقيقة من الضباب فيبدو

النيل كأنه طبق حساء ضخم ساخن ينذر بالغليان، اعتدته الاقدار على نار

هادئة وقودها وطن باكمله ومكوناته آمال وشعب وعبق مهن.