فايز السليك الفيلسوف الفرنسي ذائع الصيت جان بول سارتر، كان يرى أنه يهودي، واسرائيلي، وجزائري، فحين تعرض اليهود لمحرقة الهوليكوست، أكد تضامنه مع محنتهم، وحين تشرد الفلسطينيون وصاروا مثل جلد الأرض صنف نفسه بأنه فلسطيني، وحين مارس أهله الذبح في الجزائر كان يرى أنه جزائري، هو موقف الضمير الإنساني،

، حيثما يتعرض الأنسان إلى محنة، وقف معه، تضامناً مع قضيته، ومأساته إلى أن يتعافى أو ينتصر لقضيته.

 لا تنامي

 الليل أوغل لا تنامي

 وفراخك الزغب

 هل تذكرون هذه القصيدة ؟ لعلنا جميعنا كنا قد رقصنا لها طرباً، وأشدنا بشفافية شاعرها الكبير محي الدين فارس، لأنها جعلتنا نتوغل داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، نحس معاناة نسائهم، ونذرف الدمع على تشرد أطفالهم، ونتساءل لماذا هم هكذا؟؟ محرومون من أقل الحقوق الإنسانية ؟

واللجوء؛ حالة نفسية واجتماعية خطيرة، مأساوية، وهي وصمة عار  في جبين كل الإنسانية،  أن يكون بيننا أناس تشردوا بسبب الحروب، أو الظروف الطبيعية، من مجاعات، وفيضانات، وجفاف وتصحر، وهي حالة تدعو إلى التضامن.

لكن، وبذات السؤال؛ هل شعر أحدكم بمأساة في بلاده؟ لاجئات كثيرات يفترشن الأرض، ويلتحفن السماء؟ وهل شعر أحدنا بمأساة دارفور؟ وجبال النوبة ؟ والنيل الأزرق ؟. ودارفور هذا الجرح النازف؛ مر عليها أكثر من عشرة أعوام، بسبب غارات الجنجويد، أصوات حوافر خيولهم وصهيلها، رعبهم وصلفهم، المدعوم بتضامن حكومي فاضح.

الطائرات ترمي الحمم، وتحرق البيوت، وتثير الرعب، وما تمر دقائق معدودات حتى يقتحم الجنجويد البيوت المحروقة، والقرى المسلوبة، ينهبون، يأخذون ما تبقى، وفوق ذلك، يغتصبون، ويقتلون، يسفكون الدماء، فيهرب من يستطيع، أو تستطيع، لتنقذ نفسها من براثن الموت، أو الموت.

هذا يحدث عندنا، على مرمى حجر مننا، إلا أنني لم أسمع إلى اليوم شاعراً من شعرائنا يوثق لنا أوضاع لاجئاتنا، ومأساتهن الكبيرة، وهي مأساة صنعتها حكومة، من واجبها حماية الناس، لا اثارة الرعب فيهم، ومارست عليهم أفظع الجرائم وأكثرها ، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

إن مواقف الشمال النيلي من قضايا الهامش، لا سيما دارفور تكشف لنا عمق حالة من التشظي التي نعيشها في السودان، فليس من الممكن ؛ أن لا يؤثر مقتل آلاف من أبناء الوطن في الآخرين، ولا يمكن تصور أن لا تستفز صرخات النساء المغتصبات صمت المركز المتواطئ، ولا  تصور لنا مشاهد التنافر الوجداني بين مكونات ما يسمى بالدولة السودانية، التي لا تزال تنتج ذات برامج القتل، والترويع، والتهميش، فبالطبع ثمة علةٌ ما، أو أزمةٌ ما مرتبطة بالعقل السوداني، أو العقل الجمعي.

ولذلك؛ علينا ان نتذكر أن السودان هو ضمن أكثر أربعة دول في العالم تصدر اللاجئين عابري الحدود، ولا نتفاعل حزناً مع ذلك، وأن هناك من عاش عشر سنوات في اللجوء، وسط المعسكرات، وهناك مجموعات جديدة هربت نحو الكهوف بسبب القصف الجوي الحكومي، والقتل الجماعي.، بسبب اللون، والعرق.، واليوم علينا ان نقول كلنا ” نحن دارفوريون، ونوبة، وأنقسنا وفونج.. نحن سودانيون”، فمن لم يصله هذا الشعور فهناك ثمة شرخ في وجدانه الإنساني، وهو الشرخ الذي يجعلنا نحس بمعاناة لاجئة في مخيم في بيروت، وهو أمر مهم، وضروري، لكن كان الأجدى أن نشعر بمعاناة بني جلدتنا، من هم منا، ونحن منهم؛ فمن يكتب معاناتهم ؟.

واليوم، سادتي هو اليوم العالمي للاجئين، علينا أن نرفع شموع المحبة، أن نتذكر أن هناك ضحايا، ويدنا في يد بعض. تضامناً مع هؤلاء،، أنا سوف أوقد اليوم شمعةً لضحايا الإبادة الجماعية، واللاجئين، من يعيشون في العراء، وبين الكهوف.، فلماذا لا نحذو حذو سارتر ؟؟.