زهير السراج  * يظن كثيرون ان إنشاء الحكومة لمواقف المواصلات العامة فى مناطق استراتيجية ومهمة داخل مدينة الخرطوم مثل ميدان جاكسون ومعمل استاك وميدان شرونى، هو غباء او سوء تخطيط من الحكومة بسبب ما تخلقه هذه المواقف من ازدحام شديد واتساخ المدينة وتعقيد حركة المرور بالاضافة الى عدم حل مشكلة المواصلات المعقدة ..!!

* ولكن فى حقيقة الأمر، فان الحكومة أذكى من ذلك إذ تتعمد إنشاء مثل هذه المواقف فى أفضل مناطق العاصمة وأهمها من الناحية الاستراتيجية وأغلاها سعرا، لسبب فى غاية البساطة قد يصعب فهمه أو تصديقه من الوهلة الاولى، ولكنه حقيقة واقعة وهو (حماية الحكومة من الغضب الشعبى المحتمل واندلاع التظاهرات) ..!! 

* هذه الحقيقة هى فى الأصل سياسة مصرية قديمة استخدمت بنجاح كبير فى عهود ما بعد استيلاء الضباط الاحرار على الحكم فى مصر فى 23 يوليو 1952، بغرض تغيير البنية السكانية التحتية فى المدن الكبيرة خاصة القاهرة والاسكندرية للتضييق على الطبقة الوسطى التى تشكل خطرا على اهل الحكم بنزعتها الطبيعية الى الاحتجاج والثورة، وذلك بدفع اهل الريف الى النزوح الى العاصمة والمدن الكبيرة للبحث عن عمل ثم استيعابهم فى اعمال هامشية تشغلهم وتخفف عنهم عبء الحياة الناتج عن فشل  الحكومة فى ايجاد فرص عمل حقيقية لهم توفر لهم الحياة الكريمة، ولقد نجحت هذه السياسة بشكل كبير فى السنوات الاولى وحتى ما قبل الثورة الشعبية المصرية بقليل ولكنها فشلت فى آخر الأمر بسبب تكاثر الضغوط السياسية والاقتصادية على الشعب واحساسه العميق بالدونية بسبب سياسات نظام مبارك الاستعلائية ولم يعد بالامكان غير اندلاع الغضب الشعبى وسقوط النظام الحاكم ..!!    

* تهدف الحكومة بانشاء هذه المواقف أو المراكز الى استيعاب جيوش العطالة الضخمة الوافدة من الريف الى الخرطوم بسبب انعدام فرص العمل  هناك وضيق الحياة بعد انهيار الزراعة وانعدام الخدمات الاساسية مثل العلاج والتعليم وغيرهما .. فى اعمال هامشية تدر عليها القليل من المال يكفى  لسد الرمق فقط وتشغل كل وقتها من طلوع الشمس حتى غروبها وتنأى بها عن المشاركة فى اى نوع من انواع الاحتجاج الشعبى المحتمل وذلك بغرض المحافظة على الاعمال الهامشية التى تمتهنها وتمثل بالنسبة لها اهمية قصوى فى المحافظة على وجودها ..!! 

* لو لم تستوعب الحكومة هذه الجيوش الضخمة من العطالة فى اعمال هامشية تدرأ عنها  مذلة الجوع، مثل التى ترتبط بالمواقف العامة للمواصلات فى الاماكن الاستراتيجية الوسطية التى تجتذب اليها اعدادا هائلة من المواطنين القادمين الى مركز المدينة لقضاء حوائجهم اليومية، بالاضافة الى ارتباطها بحركة المرور فى التقاطعات الرئيسية، كما نرى فى معظم الشوارع الرئيسية واكثرها ازدحاما بالخرطوم لارتباطها بمراكز الخدمات، لتحولت هذه الجيوش الى مصدر خطر كبير على الحكومة فى حالة اندلاع اى نوع من الاحتجاج الشعبى مهما صغر حجمه ..!! 

* لذلك تجتهد الحكومة بل تتعمد انشاء هذه المواقف العامة لاستيعاب عشرات الالاف من العاطلين فى المهن الهامشية، كما تهدف لنفس الشئ بالسماح لعشرات الالاف بممارسة البيع العشوائى على الطرقات الرئيسية لتدرء عن نفسها خطرهم الداهم بعد ان عجزت عن ايجاد فرص عمل حقيقية لهم بسبب سياساتها الخاطئة وفشلها فى احداث تنمية حقيقية وتدميرها لكل المشروعات التنموية الكبرى كالجزيرة واهمالها المتعمد للريف بالاضافة الى الفساد المستشرى فى اجهزة الدولة وتركيبتها الفوقية، ولعل ذلك يفسر عدم مشاركة غالبية هؤلاء فى الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت فى العام الماضى، ليس لتأييدهم للحكومة ولكن بغرض حماية تجارتهم الهامشية والسلع البسيطة التى يحصلون عليها بالدين من تجار الجملة ليدرءوا بريعها المتواضع عن انفسهم خطر الجوع  ..!!   

* غير ان هذه السياسة قصيرة الاجل ولن تنجح طويلا فى تحقيق اهدافها وذلك لتكاثف الضغوط الاقتصادية على المواطنين يوما بعد يوم وازدياد حاجتهم الى المزيد من المال لمواجهة ازمة الغلاء الفاحش، بالاضافة الى التطور  الطبقى الطبيعى لهذه الجيوش وتطور احتياجاتها  بحكم تواجدها وانصهارها فى المدينة .. وستكون المحصلة النهائية هى الثورة الشعبية بالضبط كالتى حدثت فى مصر و اطاحت بالنظام  ..!!

زهير السراج

drzoheirali@yahoo.com