خالد فضل  صديق عائد للبلاد بعد بضعة أسابيع قضاها فى دولة خليجية متوسطة الحال, ظل يحكى بانبهار ما شاهده هناك من مظاهر الدولة وسيماء السعادة والرضا على وجوه حياة المواطنين والمقيمين من غير أهل البلاد. صديق آخر عائد من دولة آسيوية ليست ذات شأن مرموق يحكى عن ذات ما يقوله ذلك, أما الآيبون من اوروبا أو امريكا أو اليابان أو جنوب افريقيا, فهؤلاء حديثهم من ما لا يعتد به اساسا لانعدام أوجه المقارنة بين ما يحدث هناك وما نعيشه من واقع

ووقائع هنا, قبل سنوات أجرى أحد الزملاء الصحفيين مقابلة مع كادر سودانى يتولى منصبا مرموقا فى احدى المنظمات الاقليمية الافريقية وصدف أن تلك المنظمة كانت بصدد اختيار قيادة جديدة لها ومن ضمن المرشحين احد السودانيين , لكن فى النهاية ذهب المنصب لغيره بحيثيات لا تقدح فى مؤهلات ذلك الخبير لكنها بوضوح تقدح فى مؤهلات البلد المنحدر منه , وأذكر عبارة مؤثرة قالها ذلك الشخص للزميل الصحفى (بلادنا لا تستحق ما يجرى لها). وبالفعل بلادنا لا تستحق ما يجرى فيها على أيدى بعض أبنائها والحاكمين منهم على وجه التحديد. بلاد فيها النيل الازرق والنيل الابيض ونهر النيل ويرقد أهلها يحلمون بالسقيا وتدهمهم كوابيس الظمأ وتنفق مواشيهم بسبب العطش وتتعارك قبائلهم على دونكى أو مورد ماء؟ بلاد فيها ارض فى خصوبة طوكر ووديان القاش وسهول الجزيرة وأودية كردفان وطين الجبال والانقسنا وعميد الخصب والبهاء جبل مرة وارض البطانة وفيض القضارف والدالى والمزموم بل حتى تخوم الخرطوم, ومع ذلك يتكفف أهلها من جوع ويغدون فى مسغبة ويتضور اطفالها من سوء التغذية ويقتات منهم بشر على مكبات القمامة والمغالط عليه زيارة خاطفة لمكب نفايات الخرطوم فى جهات طيبة الحسناب جنوبى الخرطوم, بلاد تحتل المرتبة الثانية عالميا فى معدلات الاصابة بالدرن وفق احصاء اخير, فهل بلادنا تستاهل ما يجرى لها ؟ لماذا يحدث ما يحدث؟ المرض الجوع الخوف عدم اطمئنان كما يغنى أبوعركى البخيت. بلاد أنجبت عبدالخالق ومحمود ووردى ومصطفى وحميد ومحجوب شريف وبركة ساكن ومحجوب محمدصالح وعلى المك وصلاح وعبدلله الطيب والدوش و منصورخالد والحلنقى وابوآمنة حامد والامير نقدلله ويوسف كوة وفليب عباس غبوش ومالك عقار ودريج وامين مكى مدنى والشيخ مصطفى الامين والبلابل ومحمدية وجكسا وسبت دودو وفاروق ابوعيسى والشريف حسين الهندى والعميرى وسيف الجامعة وووو , بلاد ابدعت مؤتمر الخريجين وأنشأت المدارس الاهلية وملجأ القرش وانتخبت النقابة والبرلمان وانتظمت فى أحزاب وسهرت فى السينما والمسرح وقرأت المتنبىء وشكسبير وانتفضت فى اكتوبر ضد الديكتاتور وفى ابريل ضد امام المسلمين, بلاد منها فاطمة احمد ابراهيم ونازك محجوب ورشاعوض وآمال عباس ومريم يوحنا ونجلاء سيداحمد , بلاد طعم من ذرتها وعيشها ولبنها وروبها أهل الحجاز وكسا سلاطينها الكعبة المشرفة بالحرير, وأقام فيها من أهل افريقيا من أقام , واستوطنها الترك والمصريون والاغاريق والارمن والاثيوبيون والشوام , بلاد منها السلطان عجبنا الميراوى والناظر منصور العجب الرفاعى وبابو نمر المسيرى وحسن تاج الدين المسلاتى وود ابوسن الشكرى وترك البجاوى , بلاد صلى فيها الشيخ تاج الدين البهارى وسلك فى الطريق ودبانقا والهميم والسمانى وباركها البابا وعمد فيها بخيتة قديسة , بلاد شقتها السكة حديد وازَّت فيها الورش والمصانع وجرت على مياهها البواخر وسلكت دروبها الوعرة اللوارى ومشت عليها الدواب وسار اقوام بها على الاقدام, بلاد رعت فيها الماشية وعردت فيها حيوانات البر وشقشقت العصافير وغنت القمارى وماجت الجوارح والصقور , هضلمت السماء فى تموز (إله الخصب إذ هو يضاجع عشتار ) كما فى الاسطورة التى يعرفها سكان بلاد الرافدين, بلاد يصوم اهلها على فطرة الاسلام السوى ولو كان النهار نهار مايو وبدايات يونيو  يخرجون زكاتهم وصدقاتهم دون حاجة لديوان جباة, يصلون ارحامهم يبرون اهلهم يوقرون كبيرهم يرحمون ضعيفهم والصغير, يعمرون مساجدهم دون رياء او قائمة تمام , يقرعون أجراس كنائسهم دون وعيد وازدراء يحيون طقوسهم وكجورهم دون أن ينقص ذلك فى انسانيتهم شعرة, بلاد تتدلى فيها المساير دليل جمال وحسن زينة ومواكبة موضات دون أن يخدش للعرض أو الشرف ثوب , تجنى القطن فى المزارع حسناوات تقف على الماكينات وهى تهدر شابات وتنور سوح الجامعة بالذكيات الفطنات وفى كل ليس لفضائح (الدار ) من مكان  والاسواق حكر والمراعى بكر وكل الاعمال تنهض بها النساء فى بلادنا دون الحاجة لبوليس آداب. بلادنا لا تستحق ما جرى لها بالفعل من خراب وتخريب من دمار وتدمير من نهب وافقار من ذل واحتقار من انحطاط جعل كل من سافر وآب يبدى الحسرة والاسف على ما صار وكيف أن بلاد الدنيا كلها تزدهر بتنوعها بتعددها بحكمها أيا كان نوعه وإن كان ملك أو شيخ أو أمير, بلاد الله الاخرى تزدهر وبلادنا تحتضر تعود الى سؤال البداهة كل حين , أتكون أو لا تكون؟ والحاكمون فى غيهم سادرون يمزقون حقيقة التعددية والتنوع فى خطاب جماهيرى عنوانه (نهاية الدغمسة بانفصال الجنوب) يلغون القطاع العام بجرة قلم مخاتل تحت دعاوى الخصخصة والسوق الحر ويؤسسون فى الشركات باسماء الولايات والمؤسسات فى تناقض تام مع ما يذيعون, يعربون التعليم الجامعى ويبعثون بابنائهم الى كنف الانجليز والامريكان, يحجبون طفلات مرحلة الاساس ويحتفلون باعياد ميلاد بناتهم واولادهم باحدث الديسكوهات وافخم محلات المأكولات والمشروبات والحلويات, حيث مهرجانات الازياء التى ما علمتها النساء الغبش فى حواشات الجزيرة أو مراعى دارفور او جروف الشمال, يجرون على شرطة الآداب الاجور والمخصصات لمداهمة البيوت الفقيرة ومطاردة ستات الشاى وبائعى المساويك ومعاقرى العرقى وهم فى احتفالاتهم وزيجاتهم وملاهى بناتهم واولادهم لا يحصرون, يقضون الاجازات فى الملايو واللندرة ومن تواضع منهم فتركيا ودبى أقرب اليهم من أمبدة بالسبيل, والاستثمارات  الاستثمارات تشفع لمن يحتقب منهم ملايين الدولارات تلك التى اعدموا بسبب وجودها فى خزنة اسرته (مجدى) وعندما يسطو ساطٍ على منزل أحدهم يفتح البلاغ (بالدينار الكويتى والدرهم الاماراتى والليرة اللبنانية والفرنك الفرنسى واليورو الاوروبى وابو كبيرة الدولار الامريكى) وهيئة الحج والعمرة والغابات والمواقف والامدادات والزكاة والنهضة الزراعية والثروة الحيوانية والشركات النفطية والخطوط الجوية والبحرية والسلكية واللاسلكية ونسيج قدو وكناف ابو نعامة ووابورات الحرقة نورالدين والمطار وكبرى الدباسيين وشارع القذافى والميادين والساحات العامة واراضى ام دوم وتعويضات مفصولى البنوك وووووو, بلادنا لا تستحق أن يحكمها قطاع الطرق منعدمو الضمير, بلاد انجبت( كودى الدومة) ضابط ادارى فى نواحى الصعيد عندما زارهم الشيخ زايد رئيس الامارات فى رحلة صيد فرافقه لبضعة أيام لزوم البروتكول , فلما اقفل عائدا من مكان الصيد منحه الامير اكرامية (100) جنيه بحساب السبعينيات من القرن الماضى , لكن الموظف المسؤول جاء ليعلن عن تلك الاكرامية على ملأ الموظفين محولا اياها الى نفع عام اذ عنده أنه ما نال تلك الاكرامية لشخصه إنما جاءته لمنصبه وهو منصب عام أفرأيت كيف أن بلادنا لا تستحق ما جرى لها  ورأيت كيف أن كل من سافر وآب يبدو مبهورا بما عند الآخرين محسورا مكسوفا من ما نراه يجرى هنا رأى العين؟؟.