حاتم الياس موسى يبدو أن الرئيس عمر البشير وهو علا فى أعلى السلطة, وفريقه من أهل المؤتمر الوطنى لايختلفون عنا كثيراً فى تدبير أمورهم فى أدارة الدولة  ومباصرة أحوال أدارتها, فمثل معظم  الشعب السودانى يمضى فى تدبير شؤون حياته اليومية بنظرية (رزق اليوم باليوم) وكذلك يبدو أن الرئاسة  وطاقمها والصف الطويل من أعضاء المؤتمر الوطنى بمتحدثيه الرسميين أو غير الرسميين لهم مثل مالنا فى التعيش بما تخلفه الظروف وليس بأدارتها على نحو عقلانى.

وطول فترة الأنقاذ مرت بأزمات كثيرة ومتنوعة كان للواقع الدولى والمحلى دور فى أستمرارها وبقائها بعشوائية غير منظمة شكلت نتائجها الفوضوية مكسباً لها, كل ذلك ومن يوم مجيئها وحتى هذه اللحظة جعلت المواطن السودانى يتعايش مع الأنقاذ كما يتعايش مع واقع مفروض عليه لايقبله ولكن يسايره لحين, ساهم فشل التجارب الديمقراطية وأنهيار حلم الثورات التى أنجزها من قبل هذا الشعب  فى بقاء الأنقاذ وأستمراراها , بجانب أن المعارضة لم تخلق شرط البديل الذى يرفع شعار التغيير بوعد وشعر ورؤية تؤكد خلق القطيعة مع السابق  وفى الغالب لم تقدم الكثير سوى أنتاج خطابها القديم وأعادة زرعه فوق ساحة يأس مًجدب للشعب السودانى .كل ذلك ساهم فى أن يكتسب قادة الأنقاذ (مناعة متوهمة) ضد السخط الشعبى وكانه من طبيعة الأشياء التى ترافق التدابير البيروقراطية لحكمهم حالة يمكن أن نوصف وجودها لديهم, مثل سخط مرؤوسين من رؤسائهم فى العمل فى حين تتأخر المرتبات أو نسيان دفع علاوات مستحقة..
ومن الواضح أن حكومة الأنقاذ حتى الأن لم تدرك أن العلاقات العميقة جداً بين شعب جنوب السودان وشماله لم تتأطر فى خانة العداء على الرغم من محاولاتها الحسيسة فى أن تصبح عداوة مقيمة تشتغل على مفهوم الآخر المُهدد والخطر على الشأن الوطنى وتتيح للأنقاذ أكمال شرعية الحديث باسم الوطن نذهب أبعد من ذلك ونقول أن الحركة الشعبية نفسها الحاكمة فى جنوب السودان لم تنفصل عن الكيان النفسى للمواطن السودانى منذ أن كانت بداياتها الأولى فى الغابة كحركة مقاومة جنوبية خرجت من عباءة الدعوات الأنفصالية القديمة لطرح وطنى شامل حتى لحظة وصولوها للخرطوم ولقاء الناس بها وجهاُ لوجه , اٍن الفترة القليلة التى كانت فيها الحركة الشعبية تحكم مع المؤتمر الوطنى هى الفترة التى جرب فيها السودانيون طعم الأستقرار الحقيقى فى الجنوب والشمال ومن يجرب طعم السلام وثماره لن يكون راغباً فى أن يتناول (حُصرم الحرب) ولو بداعى الجهاد والأستشهاد وهو الخطأ الذى تقع فيه الأنقاذ حين تتصور أنها يمكن أن تعيد للراهن نفس القاموس القديم بجلالاته وأعراس شهدائه وصوت الدانة التى تفتتح برنامج ساحات الفدا , فكان خيراً للأنقاذ أن تمضى فى طريق السلام لو كانت مهتمة بحياة شعبها وأستقراراه مع دولة جنوب السودان وتحتمل التفاوض الطويل معها بما فى ذلك التسويات والأستحقاقات السياسية الداخلية مع (قطاع الشمال) بدلاً من أعادة أنتاج فيلم (المجاهد الجعلى الشجاع الذى يعرض على أنغام الحماسة) وكل ركام السنوات السابقة فلن يكون بمقدورها بعد كل هذه السنوات الأعتماد على سياسة التجييش تحت قيادة الحركة الأسلامية وشبابها المستعدين للصعود نحو معارج الأخرة شهداء للدين والوطن. , بجانب أن كل الشعوب التى شهدت حروباً طويلة مستمره أو متقطعة تفقد مع مرور الوقت حماستها وأستعدادها  مهما  كانت طبيعة الشعار والخصم الذى يُعد له التجييش والتعبئة..لأن الشعار الذى يحرض على الحرب لايمكن ان يحافظ على توهج روح أمانيه المتحمسة طول الوقت, خصوصاً اٍذا كانت الحياة الواقعية تهزم يوتوبيا الشعار بالممارسة المجافية له وتتناقض مع من نزعوه نحو القداسة والتطهر والشهادة لأجل القيم السامية,  سيكون الموت ثمناً وتضحية غير مستحقة وغير مبررة لدوافعها.
الأنقاذ بعد القرار الأخير بقفل أنبوب النفط تحبط أكثر شعب شمال السودان ربما أكثر من شعب جنوب السودان الذى سيجد فى عدائها دافعاً للألتفاف حول حكومته وتدعيم مفهوم الوطنية فى دولة جديدة تشكل أيضاً فيها التباينات القبلية مهدداً لبناء الدولة الوطنية على عكس شعب شمال السودان الذى أنتظر أستتباب السلام وعودة ضخ النفط حتى يحدث أنفراجاً ما لمعاناتهم اليومية, عل ذلك يساهم فى تخفيفها..لكن كالعادة تُظهر الأنقاذ بأنها نظام فى خصومة نفسية وسياسية مع متطلبات السلام وأنها لاتستطيع أن تعيش الا تحت قرع الطبول..وهم لايدركون أن الشعب سئم ذلك ومازالوا بعيدين كل البعد عن سماع السخط الشعبى الذى بلغ أقصى درجات الغضب والتبرم..لأن الدولة تُصر على أن تحول كل الوطن ( لثكنة عسكرية) تنام وتصحو على صوت المدفع…..