استيلا قايتانو هناك دائما فرق ساشع بين نظام الحكم في جمهورية جنوب السودان والسودان، في السودان نجد ان الرئيس يسانده حزبه اخطأ ام اصاب، وانهم عصبة واحدة يمارسون نفس الاشياء وبآلية واحدة، لذا فهم دائما قوة ومجبرون على الدفاع عن بعضهم لان غرق احدهم يعني غرق الجميع،  لذا يوجد دائما وصف نحن والآخرون، نحن هم المؤتمر الوطني والاخرون هم الاخرون وهم الاعداء في اغلب الاحيان،

فهم المواطنون وهم المعارضة سلمية كانت ام مسلحة،

والبطش بالاخرين يعني لهم الحياة بكل معنى الكلمة،  وفي سبيل دفاعهم عن

حياتهم يفعلون كل شئ، فلا شئ اعز من الحياة ولو كان على حساب حياة

الاخرين او حتى إذا ادى ذلك الى انقسام الوطن الى عدد من الدويلات، لا يهم فقط

ان يظلوا موجودين ويتمتعون بالسلطة والثروة على حساب الوطن والناس .

اما في جمهورية جنوب السودان، رغم وجود تشابه كبير في بعض الاشياء،

كالفساد وتعيين المقربين من الحزب او الاقارب في المناصب والوظائف

واندياح مقاتلي الامس في نهب وسرقة قوت الشعب بقوة عين، نجد دائما ان

الرئيس سلفا يقف بالمرصاد امام تلك الفظائع، رغم قلة مخاطباته الجماهيرية، ولكنه دائما يأتي بقرارات ويوضح لمواطنيه كل الملابسات التي تحدث دون

تستر على اي شئ، وربما كان ذلك مستمداً من ثقافة الجنوبيين عموماً، وهي

الصراحة غير المغلفة بالمجاملات، ولا فرق اذا كانت تلك الصراحة جارحة او

جارحة، بل الاهم من ذلك هو ان الحقيقة يجب ان تقال، مرة او حلوة .

لذلك نجد ان الرئيس سلفا يقوم بمهمات صعبة، في ظل دولة هشة كدولتنا،

دولة ينتشر فيه النظام القبلي بصورة يصعب تجاهلها او تجاوزها، لانه عندما

يعين اياً كان في منصب ما، فان ابناء منطقته يقيمون له ما يشبه الاحتفاء

في فندق من الفنادق المنتشرة في جوبا سعيدين بابنهم الذي تقلد منصباً ما

ويفتخرون به، من ما يعني سراً بان القبيلة كلها يمثلها ذاك الابن، من ما يعني

اذا تمت اقالت ذاك الابن لاي سبب من الاسباب قد يعني ذلك اقالة القبيلة من

المنصب، وربما يؤدي الى تزمر افراد القبيلة سراً ومحاولة التستر على

ابنهم، كنت اتمنى كما احتفلت القبيلة بمنصب الابن في يوم ما عليها احضار

ذاك الابن في يوم الاقالة او تقديمه الى التحقيق  وسؤاله عن الاسباب،

وتحميله مسؤولية اشانة سمعة القبيلة، لانه كما يستمتع الابن بحماية

القبيلة عليه عدم تجاهل اغراق قبيلته في تهم هو سبب اساسي فيها لان

القبيلة يجب إلا تلعب دور التطبيل فقط وانما يجب ان تلعب دور الرقيب

ايضاً !، المثقفون يفرقون بين هذه الاشياء وان كل شخص مسؤول مسؤولية

مباشرة عن افعاله، حسن فعله فذاك مفخرة للوطن ولقبيلته، ساء فعله ذاك

امر يعنيه هو شخصياً ولا تعمم على كل القبيلة  .

وان الرئيس سلفا في هذه الامور حذر كثيراً في خطبه القليلة، قائلا احذر

هؤلاء الذين يحاربون القبلية في العلن ويمارسونها سراً .

ثم ياتي دور رفقاء الامس في كسر مجاديفه عندما يضربون بكل شعاراتهم

السمحاء ايام النضال ويقبلون على مال الشعب ويحولون مليارات الدولارات

الى حسابهم الخاص، متجاهلين من حاربوا باسمهم قبل الان وانتزعوا التأييد

والدعم العالمي بسبب مواطني جنوب السودان، تناسوا كل ذلك في بضعة سنين،

وكأن كل ذلك كان مجرد وسيلة تجعلهم يسيطرون على السلطة والثروة وليست

غاية لخلق نموذج السودان الجديد الذي طالما حلم به الاوفياء من ابناء

السودان شمالاً وجنوباً، ولكن بدلاً عن ذلك تم لطمنا في وجوهنا بقسوة

وغرقنا في احباط عام ورددنا سراً بان لا فائدة ترجى من السودانيين .

وفي قمة احباطنا يخاطبنا الرئيس ويعلن بافتضاح عن لستة الـ 75 شخصاً الذين

اكلوا ميزانية جنوب السودان كلها لعامين، ميزانية الصحة والتعليم والبنية

التحتية من طرق وجسور وخدمات المياه والكهرباء والمرتبات والطورائ .. الخ

 ميزانية 8 ملايين مواطن ابتلعها 75 شخصاً فقط واسرهم بالطبع  .

ثم تأتي مشكلة زعزعة الامن في مدينة جوبا وقتل ونهب الناس ليلا بواسطة

قتلة مأجورين او افراد من القوات النظامية، وقد يستشعر الرئيس بان هؤلاء

ليسوا مجرد قطاع طرق ينتشرون في المدينة و يمارسون الجريمة المنظمة ولا

يلقى عليهم القبض، وانما هو عبارة عن تصفية حسابات بين رفقاء الامس على

شكل الضرب في الاداء الوظيفي حتى يقال من منصبه ويأتي آخر بدله يكون اكثر

قرباً من فئة ما،  فيقول في خطبة اخرى احذر هؤلاء المندسين في الحكومة

ويقول انه يعلمهم واحدا واحداً، بان يتركو تلك الاعمال ويقبلوا لحماية

وخدمة المواطنين .

ثم يعلن قبل شهور بسرقة مبلغ معتبر من مكتبه الخاص، وسط دهشة واستنكار

الكثيرين، رغم ان الحادث مخجل ويضرب بصورة مباشرة في المقربين منه، من

موظفين وحرس وخدم واقارب ويجعله هو نفسه في مركز التساؤل والاتهام وان

هناك من لا يحترم سيادته كرئيس للدولة، ولكنه قالها وصارح الشعب بالحادث

دون محاولة للتستر .

ثم تأتي قراراته بسحب صلاحياته من نائبه رياك مشار رغم دستورية القرار إلا

ان هناك الكثير من الشائعات المخيفة قد انتشرت، لدرجة ان حذرنا البعض

بالخروج في ذاك اليوم وتغييب الطلاب من المدارس لانه قد يحدث عنف بسبب

القرار، ولكن تجاهلنا ذلك بحس ان لا يمكن التراجع من هذه المرحلة الى

مرحلة اكثر ظلاماً، لان الفاعل سيكون ملاماً اياً كان ولن يحظى بأي تأييد

بعد افتعال عنف غير مبرر، وقد يكون ذلك هم حماة القبيلة وابن القبيلة

الذي يمثلهم في الحكومة والمساس به يعني المساس بالقبيلة  ولكن القت تلك

الشائعات الرعب في قلوبنا وظللنا في ترقب الى ان طمأننا المسؤولون بانهم

مارسوا بند عادياً موجوداً في الدستور وقالوا لنا يجب ان نتثقف ونعرف دستور

البلاد جيداً حتى لا ننجر خلف الشائعات، ونقول ايضاً مدافعين عن جهلنا

بالدستور ليس هناك دخان بدون نار  .

وقبل ايام يفاجئنا الرئيس برفع الحصانة عن وزيرين واحالتهم للتحقيق،

ولقد اثلج ذلك صدر مواطني جنوب السودان، ليس انتقاما من الوزيرين لانه لم

تثبت الادانة عليهما بعد، ولكن كانت رسالة بعث بها الرئيس لمواطنيه بانه

سوف يرد لهم حقهم وهو يعلم معاناتهم بسبب امثال هؤلاء المسؤولين، وكانت

رسالة لبقية اللستة بأنه لم ينسهم ولكن اعطاهم فرصة كافية من الوقت

لارجاع ما نهبوه من مال الشعب والبلد وإلا..  التشهير، لان ما اغضب شعب

جنوب السودان في لستة الـ 75 هو عدم ذكر الاسماء لان الشعب كان يريد معرفة

هؤلاء بالاسم ومصيرهم، ولكن الرئيس كان يعلم بذكائه الاجتماعي بان ذلك

لن يخدم هشاشة السلام الاجتماعي في دولة جنوب السودان ويجب ترك كل شئ

لاوانه  .

ثم يأتي ويظهر ضبط نفس مبالغ فيه حين قتل السلطان دينق كوال سلطان عموم

دينكا قوك على ايدي افراد من المسيرية، وانحنى امام رياح تلك العاصفة

لتمر، لان الانجرار خلف افاعيل المؤتمر الوطني قد يجر البلاد الحرب مرة

اخرى وجنوب السودان ليس لديه امكانيات خوض حرب معنوياً لان الناس خرجوا

من الحرب تواً .

ثم تأتي قرارات الرئيس عمر البشير بوقف ضخ النفط عندما لم يرضَ بمساومة

جاء بها وزيرا الخارجية والدفاع السودانيان بشأن مهاجمة الجبهة الثورية

من خلال دولة الجنوب، ومن ثم صارح المواطنين بأن حكومة الخرطوم قد توقف ضخ

النفط اعلانا ً منه لرفض المساومة خلال تخريج دفعة  لضباط الشرطة، وجعل

شعبه القوي دوما مستعداً للاستمرار في حالة التقشف وانا على يقين بأن رئيساً

بهذه الكيفية سوف يقف معه الشعب مهما صعبت الظروف .

اولا ً: يدير دولة ذات هشاشة امنية واجتماعية وفي داخلها الكثير من

المليشيات في مرحلة الانصهار ليصبح جيشاً قومياً لم يتبلور بعد، مجتمع تحكمه

القبلية اكثر من المواطنية .

ثانيا : يحاول كبح الجشعين والذين يحاولون الاغتناء من اموال الشعب

واخضاعهم للقانون مهما كانت مناصبهم وربما يجر ذلك عليه الكثير من

الاعداء وكن مقابل ذلك يرسي حكم القانون والعدالة .

ثالثاً : يحاول الحفاظ على وضع مستقر بين جمهورية جنوب السودان والسودان، ليس بموجب مرور النفط وكفى، لان ذلك هو الشئ الطبيعي الذي يجب ان يحدث

بين دولتين ذواتا تاريخ مشترك وجغرافيا متقاربة وتداخل المصالح الاقتصادية

وقبائل تماس متداخله اجتماعياً على اطول حدود بينهما، وعدم  مجاراة

الرئيس  البشير في قراراته التي تستفزه لخوض الحرب وذبح الصلات ومعاداة

المصالح حتى التي يستفيد منها المواطنون شمالاً وجنوباً بدون اي مراعاة

لاي شئ كانه نوع من انواع الانتحار .

انه حقاً جدير بالاحترام كونه استطاع هندسة الداخل والمحافظة على استقرار

نسبي باقل الخسائر  والحفاظ على صورة جنوب السودان خارجيا  امام المجتمع

الدولي والافريقي بضبط النفس انه حقاً رئيس المهمات الصعبة.