استيلا قايتانو جمهورية جنوب السودان الدولة الجريحة بالحروب الطويلة والدمار المنظم وتطبيق سياسة الارض المحروقة، الغام مدفونة تحت الارض مازالت تنبض بالموت ومازلنا نتذكر تلك الاسرة التي اصابها لغم ارضي في بيتهم قبل شهور، والقصة المؤلمة هي ان سيدة اتت من العمل وافترشت حصيراً على الارض

وجلست مع اطفالها تسمع حكاوي شقواتهم وشكواهم وتداعبهم ثم فجأة ينفجر

لغم من تحتهم هكذا بدون اي مقدمات لتتحول تلك اللمة الاسرية الى شتات من

اللحم والاعضاء المبتورة والعدم .

 جراحات حرب جسدية ونفسية مازال يعاني منها الكثيرون، وليس كل

جراحات الحرب تسببت فيها الحكومة المركزية في الخرطوم، ولكن هناك جراحات

تسبب فيها الجنوبيون لبعضهم البعض، ابأن الانشقاقات التي حدثت في جسد

الجيش الشعبي و راح ضحيتها الالاف بايدي بني جلدتهم في تسعينات القرن

الماضي  وايضاً النزاعات المسلحة بين الشمال والجنوب تركت ملايين القتلى

والجرحى، كل هذه الفظائع اثرت في بناء الكيان الاجتماعي السليم بالنسبة

لمواطني الدولة الوليدة، تحس ان كلاً في جزيرته كل لديه صندوق ذكريات اسود

لا يحب ان يقترب منه الاخرون ليفتحوه، وعندما تريد بناء علاقة انسانية

اذا كانت صداقة او جيرة قد يستهلك ذلك منك وقتاً طويلاً حتى يتثبوا هم

حسن نيتك، وعليك فقط ان تعطيهم فرصة لتطمئن قلوبهم . هذا كله لان لكل

واحد منهم جراحاته وغبنه واحساس دفين بالانتقام ولا احد مستثنى من ذلك

وقد تكون انت مجرد جهة تفرغ فيها الغبائن والكراهية بدلاً عن الجهة الاصلية

التي تسببت في ازماته، لذا تحركت الدولة لاقامة المصالحة الوطنية بين

ابناء جنوب السودان .

والمصالحة الوطنية كانت ضمن بنود اتفاقية نيفاشا ولقد قفز الشريكان فوقها

لتنفيذ اجندة اخرى، متجاهلين تماماً حق الشعوب السودانية جمعاء في هذا

الحدث، وكان المبرر في ذاك الوقت، بان المصالحة الوطنية يعني الاعتراف

بالجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في حق الضحايا، والتحقيق فيها واعلان

الحقائق وادانة المجرمين وتعويض الضحايا وذويهم ومن ثم يكون الضحية مستعداً

للتسامح والتجاوز وفتح صفحات جديدة، من ما يعني ان محصلة المصالحة الوطنية

تعني البرء والتئام الجروح والخروج من دوائر الغبن والكراهية والانتقام

الى رحاب الاحساس بالتعويض والتسامح والاستعداد للتعايش واخذ عبر عدم

تكرار هذه الاحداث مهما حدث وفي هذا يتساوى فيها حاملو السلاح ضد الحكومة

الوطنية (الحركة الشعبية والمليشيات المنشقة عنها والحكومة المركزية

نفسها في الخرطوم)، ولكن كانت محصلة المصالحة الوطنية للماسكين على زمام

الامور او شريكي نيفاشا يعني ظهور المجرمين وربما بدل ان يقود ذلك

للتجاوز قالوا ان ذلك سيقود الى فتح الجراحات وتحفيز شعور الانتقام في

نفوس البعض . وكأن تجربة المصالحة الوطنية تجربة فريدة سيخوضها

السودانيون لاول مرة في تاريخ البشرية، تجربة المصالحة هى تجربة عالمية

خاضتها الكثير من الشعوب وبعدها انطلقوا الى الامام ولم يكرروا الانتهاكات

في حق اخوتهم بعدها، واجد ان سبباً من اسباب اعادة تجربة الجنوب في جنوبي

النيل الازرق و كردفان ودارفور هو لاننا تركنا لهؤلاء تجاوز بند المصالحة

الوطنية، حتى يعرف الجميع ماذا تعني الحرب ؟؟ وما هو شعور من مات ذووهم

امام عيونهم ولم يمهلوا فرصة حتى دفنهم واصبحت جثثهم غذاء للحيوانات

والطيور الجارحة ، ويسمعون ويشاهدون الضحايا وهم يتحدثون عن الانتهاكات

التي حدثت لهم ولذويهم بالصوت والصورة والاهم من ذلك تسمية المجرمين .

نريد ان نقول ان المصالحة الوطنية التي سيخوضها الجنوبيون هى من الخطوات

المهمة جداً لبناء دولتنا واعادة ترميم العلاقات بين الناس لتجاوز

الغبائن والجراحات ليستعد الناس للتعايش والتسامح واعطاء فرصة للاخرين

لتصحيح اخطائهم التي ارتكبوها في حقنا .

وعلى الجميع تخيل ماذا كان سيحدث لو شدد الجميع على تنفيذ هذا البند،

اكثر من التشدد على تنفيذ بند تقرير المصير ؟؟ كان ذلك سيكون مهما

للدولتين انفصلا او توحدتا . لان البندين الاثنين موجودان في الاتفاقية وكانت

ملزمة التنفيذ اذا وجدت ارادة وطنية حقيقية كان ذلك يكفينا شر الشد

والجذب لخوض حرب شاملة بين الجارتين، لقد سقط هذا البند  كما سقط بند

المشورة الشعبية والتي اشعلت محرقة اخرى لا يعلم احد كيف ومتى تنطفيء .

لقد تكونت اللجنة القومية للمصالحة والسلام والتعافي الاجتماعي برئاسة

المطران دانيال دينق، ليخوض الجنوبيون تجربة المصالحة الوطنية ليتساموا

فوق الجراحات ومحاولة الاستمرار معا لوحدة المصير والارض وشعب جنوب

السودان . وقال رئيس هذه اللجنة : بانها ستتكون من كل قطاعات وشرائح شعب

جنوب السودان وعلى الذين يحسون بان صوتهم غير مسموع عليهم الاتصال

باللجنة حتى لا ينسوا احداً . واعلنت اللجنة بانه قبل يومين من الاحتفال

بعيد الاستقلال اعلنت بان يوم 8 يوليو القادم يوم وطني للصلاة من اجل

الوطن، وسيبدؤه المسلمون يوم 5 يوليو (الجمعة)  في المساجد وسيلحق

بهم المسيحيون يوم 7 يوليو في كنائسهم وسوف تنتظم كل البلاد في هذه

الصلوات حتى الذين لديهم اديان اخرى غير المسيحية والاسلام عليهم فعل شئ

من اجل الوطن لان  عملية المصالحة الوطنية عملية تقوم على القيم الروحية

التي توجد في التقاليد الافريقية والمسيحية والاسلامية . وان اللجنة

ستخاطب جذور المشكلات التي تواجهها البلاد الآن والتي تعود الى فترة

الحرب الاهلية قبيل الاستقلال .

وقال بان عملية المصالحة لن تتم في شهور بل تحتاج لسنين لاستيعاب كل الناس

ومخاطبة انتهاكاتهم بشفافية ويجب الا نتعجل الامر .

نعم يجب  ألا نتعجل الامر ويجب استيعاب الكل حتى نقتل جرثومة الاحساس

بالاقصاء والكل يعلم بان هذا واجب وطني يجب ان يقوم به الجميع، لفائدة

الوطن والناس ولذا يحدونا الامل بان يوم بكرة جميل وان الحرية والعدالة

والازدهار في طريقها للتحقق ولو بعد حين.