د. سلمان محمد أحمد سلمان 1 امتلأت الصحف الورقية والالكترونية على مدى الشهرين الماضيين بالمقالات عن سدّ النهضة الاثيوبي، وواصلت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية مقابلاتها مع كل من اعتقد أنه يستطيع أن يدلي بدلوه في بحير السدّ. وقد تناول الكتاب والمتحدّثون الموضوع من عدّة زوايا شملت الفنيّة والقانونيّة والهندسيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وحتى العسكريّة.

ولا بُدّ من ملاحظة أن معارضي سدّ النهضة في السودان صاروا ملكيّين أكثر من الملوك أنفسهم. فقد ارتفعت أصوات المعارضين السودانيين تُخيف الشعب السوداني بالدمار والغرق من انهيار السدّ، وبالجوع والعطش لأن السدّ سيحجز نصيب السودان من المياه، وتطالب الحكومة باتخاذ الإجراءات المناسبة لوقف ما سمّاه بعضهم بـ “الاعتداء الغاشم على حقوق السودان التاريخية وأمنه المائي.”

غير أنه قد تزامن مع هذه الدعوات الخاطئة وغير الموفّقة بروز بعض الأصوات العاقلة في مصر والتي تنادي بالاعتراف بحقوق دول النيل الأخرى والتعاون والحوار معها. فقد دعا الأستاذ فهمي هويدي في مقاله المنشور “بصحيفة الشروق” بتاريخ 15 يونيو عام 2013 إلى التعاون بين الأطراف، وإنهاء “أجواء الهرج والانفعال التي تسود مصر في الوقت الراهن.” وطالب أن “يشكل التعاون المفترض في إطار الاتفاقية الأخيرة فرصة للتفاهم ومعالجة بعض تداعيات مشروع سد النهضة.” وهي المطالبة التي فهمها الكثير من القراء على أنها دعوة لمصر لتنضمّ إلى اتفاقية عنتبي وتناقش سدّ النهضة في إطار تلك الاتفاقية والمفوضية التي ستُنشِئها. وهي دعوةٌ جريئة قد تكسر حاجز الخوف والتردّد المصري من اتفاقية عنتبي.

وقد واصل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل السير في هذا الطريق عندما ذكر في مقابلةٍ على فضائية “سي بي سي” في 20 يونيو عام 2013 “انه لا بد من إزالة الاحتقان مع إثيوبيا حول أزمة سدّ النهضة، وأن نتوقف عن التهديد”، مُنتقِدا تصريحات الرئيس مرسي بأن كل الخيارات مفتوحة لحل الأزمة، ومشيراً “إلى أن الخيار الوحيد المفتوح هو التعاون بين الناس وفهم أن النيل مصلحة مشتركة.” وأوضح  الأستاذ هيكل “أننا فى المؤتمرات الأخيرة نطالع أفريقيا بالوجه الذى لا تريده وهو الاستعلاء والإرهاب.”

توقّفتُ كثيراً عند إقرار وقبول الأستاذ هيكل “أن النيل مصلحة مشتركة.” فهذا الإقرار يحِلُّ لأول مرة في تاريخ مصر مكان سياسات الغطرسة والإقصاء والاستعلاء (كما ذكر السيد هيكل نفسه) التي تميّزت بها اتفاقيات وبرامج ومواقف مصر والسودان حول نهر النيل منذ أن وقّعا منفردين على اتفاقية مياه النيل عام 1959. وقد أدخلت هذه السياسات العرجاء مصر والسودان منذ ذلك العام في نفقٍ مظلمٍ وعزلةٍ سياسيةٍ متزايدة.

وقد أثارتْ مواقف مصر والسودان الرافضة لحقوق دول المنبع أبعاداً كثيرة منها القانوني والسياسي. ونرى أنه يجب أن تُثير هذه المواقف أيضاً البعد الأخلاقي، خصوصاً موقف معارضة سدّ النهضة الذي سوف يساعد الشعب الاثيوبي على الخروج من حالة الجوع والعطش والظلام والفقر والبؤس التي يعيشها منذ آلاف السنين.

سوف نتناول في هذا المقال البعد الأخلاقي لمسألة تقاسم مياه النيل، بما في ذلك الاعتراض على سدّ النهضة، ونوضّح أن هذا البعد ظلّ وما يزال غائباً في هذه المسألة. وسنجادل أن قيم العصر من حقوق الإنسان (بما في ذلك الحق في حياةٍ كريمةٍ خاليةٍ من الجوع والعطش والظلام والفقر)، ومبادئ العدالة والوقوف ضد كافة ألوان الظلم والإقصاء والاستعلاء تتطلّب الاعتراف بحقِّ كل دولة وشعوبها في الاستفادة من مياه النيل، بما في ذلك قيام سد النهضة، إن كنّا نؤمن فعلاً بهذه القيم والمبادئ.

2

ارتبطت اثيوبيا ارتباطاً وثيقاً خلال المائة عامٍ الأخيرة بالمجاعات القاسية التي سبّبها الجفاف وأدّت إلى موت قرابة مليوني شخص وحوالى خمسة مليون رأس من الماشية. كانت مجاعة عام 1973 والتي نتج عنها موت مائة ألف شخص الشرارة التي أشعلت الغضب وأدّت إلى انهيار نظام الامبراطور هيلاسيلاسي في عام 1974. غير أن اسم النظام الماركسي الباطش الذي حلّ مكان الامبراطور ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمجاعة الأعوام 1983 – 1985 القاسية والتي أدّت بعد فترة جفافٍ طويلةٍ وتوقّف هطول الأمطار في شمال اثيوبيا وسوء الإدارة والحروب الأهلية، إلى موت مليون اثيوبي من الجوع وحوالى ثلاثة مليون رأس من الماشية. كان منظر الأطفال وهم يصارعون الجوع ويموتون في أيدي أمهاتهم خلال تلك الأعوام الثلاث أمراً قاسياً على قلوب المشاهدين في كل العالم. وكان أقسى من ذلك منظر الأمهات والآباء وهم يبحثون عن شخصٍ مقتدرٍ يعطونه طفلهم منحةً إن وافق على إطعام وإيواء ذلك الطفل. وتمّت تسمية تلك المجاعة بـ “مجاعة القرن.”

لم يتحمّل العالم تلك المناظر البشعة فهبّ للمساعدة في درء هذه الكارثة الإنسانية. تبرّع أطفال المدارس في معظم أنحاء العالم بوجبة إفطارهم أو غدائهم لأطفال اثيوبيا، وأهدت نساؤه بعضاً من حُليهنّ للمساعدة في وقف تلك المأساة. وتساءل عقلاء الكوكب: كيف يمكن أن يحدث هذا في عالم اليوم- عالم الحق الإنساني في الحياة والغذاء والماء والسكن. وقرّر العالم ممثلاً في منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية أننا كوكبٌ واحد إذا داهمت المجاعةُ والكوارثُ جزءاً منه هبّت بقية الكوكب لنجدته والوقوف بجانبه. وتجمّع فنانو العالم وأنتجوا وأنشدوا معاً تلك المقطوعة الموسيقية الرائعة الخالدة “إننا نحن العالم – عالمٌ واحد” والتي رفعت الوعي بالكارثة، وجمعت بني البشرية معاً، وجلبت مئات الملايين من الدولارات لجوعى اثيوبيا، مما ساهم كثيراً في تخفيف حِدّةِ المجاعة.

غير أن الجفاف عاد مرةً أخرى إلى أجزاء من اثيوبيا ونتجت عنه مجاعةٌ أخرى في عام 2003. ورغم محدودية تلك المجاعة في الزمان والمكان، إلا أن التقديرات أشارت إلى موت الآلاف وتأثّر عشرات الآلاف من الأطفال منها. وامتدّت تأثيرات الجفاف لتصل تنزانيا وكينيا ويوغندا أيضاً كما سنناقش لاحقاً.

لا بد أن نضيف هنا أن نهر النيل ظل يجري من اثيوبيا رغم الجفاف والمجاعات والموت، ويحمل أكثر من 70 مليار مترٍ مكعبٍ كل عام تعبر الحدود الاثيوبية إلى مصر والسودان، مثلما حدث تماماً إبان فترة المجاعة في الأعوام 1983 – 1985. وكانت المفارقة أن اثيوبيا واصلت عطاءها للسودان ومصر في سنوات المجاعة، وواصل النيل سريانه كاملاً كما كان يفعل منذ عشرات الآلاف من السنين، رغم ذلك الجفاف القاسي وتلك المجاعة الكارثية.

وقد أثارت تلك المجاعات والكوارث الإنسانية  السؤال حول حقِّ حكومات دول المنبع (بل وواجبها ومسؤوليتها) في استعمال مياه النيل للخروج بشعوبها من مآسيهم وفقرهم وبؤسهم وكوارثهم ومجاعاتهم، مثلما فعلت مصر والسودان.

3

بدأت دول حوض النيل الجلوس على طاولة النقاش في منتصف ستينيات القرن الماضي إثر المشاكل التي نتجت من الارتفاع الكبير والمفاجئ في بحيرة فكتوريا. وقد تمّت الدعوة لذلك الاجتماع بواسطة دول بحيرة فكتوريا الثلاثة (يوغندا وتنزانيا وكينيا). وقد شملت الدعوة مصر والسودان، رغم رفض مصر والسودان مشاركة دول النيل الأخرى في مفاوضات مياه النيل في أكتوبر عام 1959.

غير أن جمهوريتي مصر والسودان لم ترفضا فقط مشاركة دول النيل الأخرى في المفاوضات. بل ذهبتا أكثر من هذا وأعلنتا في غطرسةٍ واستعلاءٍ وإقصاء في اتفاقية مياه النيل لعام 1959، قبل أعوام قليلة من ذلك اللقاء: النيلُ نيلنُا ومن أراد قطرةً منه فليقدّم طلبه لنا وسنقرّر إن كنّا سنعطيه أي قدرٍ من مياه النيل أم لا، وسنحدّد هذا القدر ونراقب عدم تجاوزه. وقد ضمّنت مصر والسودان هذا القرار المتغطرس في اتفاقية مياه النيل لعام 1959 التي وقّعتا عليها منفردتين، ورفضتا مشاركة أي دولةٍ نيليةٍ أخرى في التفاوض معهما حولها.

لم تشفع  لاثيوبيا حقيقة أنها المصدر لأكثر من 85% من مياه النيل وأن شعبها قد أنهكته المجاعات والفقر والعطش والظلام، وأنها تحتاج إلى مياه النيل وسدوده، مثلما تحتاجها مصر والسودان، لتخرج شعبها من حلقة المجاعات القاسية المتكرّرة. وتواصلتْ وقويتْ معارضة مصر ومعها السودان لأي مشروعٍ في دول المنبع. وتوقّفت اثيوبيا لبعض الوقت عن محاولاتها استخدام مياه النيل بسبب فقرها ومشاكلها الداخلية، وبسبب رفض الغرب ومؤسساته المالية تمويل مشاريعها على نهر النيل.

وقد زادت علاقات نظام  الرئيس محمد أنور السادات قوّةً ومتانةً مع الغرب – خصوصاً مع أمريكا – بعد توقيع مصر على اتفاقية السلام مع اسرائيل في كامب ديفيد في 17 سبتمبر عام 1978. كانت أولى تصريحات السادات بعد اتفاقه مع اسرائيل أن الأمر الوحيد الذي سوف يقود مصر إلى حربٍ أخرى هو مياه النيل. وبدأ مسلسل “بذل قطرة الدم مقابل كل قطرة ماءٍ” تفقدها مصر من مياه النيل.

واستغلّت مصر علاقاتها الجديدة والمتينة مع الغرب، وخصوصاً مع امريكا، في معارضة ووقف أي مشروعٍ في دول المنبع، خصوصاً اثيوبيا. ساعد مصر في ذلك النظام الماركسي العنيد والباطش في اثيوبيا. وقد وقفت مصر في طريق بناء “سدّ فينشا” في اثيوبيا، ونجحت في وقف أي تمويلٍ له من الغرب وبنوكه ومنظماته المالية.

 وتواصلت سياسة الإقصاء والاستعلاء من مصر والسودان حول مياه النيل. فقد عرضت مصر على اسرائيل مدها بمياه النيل. وفي نفس الوقت اعترضت مصر والسودان على مشروع مياه الشرب في تنزانيا، وفرضتا شروطهما للموافقة على مشاريع الطاقة الكهربائية من مياه النيل في يوغندا. كما قررت مصر والسودان تجفيف مستنقعات جنوب السودان ونقل بعض مياهها شمالاً دون أي اعتبارٍ للمضار التي ستلحق بقبائل جنوب السودان من جراء ذلك التجفيف. وتواصل ذلك المنحى الإقصائي والاستعلائي برفض سد النهضة الاثيوبي رغم منافعه الكبيرة للسودان، وعدم وجود أي مضارٍ ذات شأن لمصر.

سوف نناقش هذه المسائل بشيءٍ من التفصيل حتى نضع تساؤلنا عن البعد الأخلاقي لاعتراضات مصر والسودان على استخدام أي قدرٍ من مياه النيل بواسطة دول النيل الأخرى (ولو لقطرةٍ واحدة)، بما في ذلك سد النهضة، في سياقٍ تاريخيٍ وموضوعي.

4

 رغم أن مصر رفضت الموافقة على استعمال أي قطرةٍ من مياه النيل بواسطة الدول النيلية الأخرى، إلا أن الرئيس السادات أعلن في إحدى زياراته لاسرائيل في مدينة حيفا في 5 سبتمبر عام 1979 عرضه توصيل مياه النيل لاسرائيل. قال السادات لمستمعيه الاسرائليين: لقد أوصلتُ مياه النيل لسيناء، فلماذا لا نوصلها لكم أيها الجيران والأصدقاء الطيّبون الجدد؟ إن هناك الكثير من الآمال والكثير من الفرص.

وبعث الرئيس السادات إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحم بيغين بعد أسابيع قليلة من عودته من اسرائيل خطاباً يؤكّد فيه عرضه بمدِّ اسرائيل بمياه النيل. وقد ذكر السادات في ذلك الخطاب: ”حيث أننا شرعنا فى حل شامل للمشكلة الفلسطينية، فسوف نجعل مياه النيل مساهمة من الشعب المصرى بإسم ملايين المسلمين كرمز خالد وباق على اتفاق السلام، وسوف تصبح هذه المياه بمثابة مياه زمزم لكل المؤمنين أصحاب الرسالات السماوية فى القدس ودليلا على أننا رعاة سلام ورخاء لكافة البشر.“ وقد تمّ نشر نص هذا الخطاب فى مجلة أكتوبر الأسبوعية لسان الحزب الوطنى الحاكم وقتها فى عددها بتاريخ 16 يناير عام 1979 تحت عنوان “مشروع زمزم الجديد.“

مصر التي لم تسمح بنقطة ماءٍ لدول الحوض التي هي المصدر لكل مياه النيل تقرّر منح مياه النيل في كرمٍ وسخاءٍ لاسرائيل!!! وها نحن نسمع الآن من بعض الكتاب والسياسيين المصريين الذين خدموا السادات ومبارك بإخلاصٍ وتفاني عن تهديدات اسرائيل لمصر في دول المنبع وتآمرها على حقوق مصر والسودان في مياه النيل.

ولا بُدّ من التأكيد على أن هذا الكرم والسخاء لاسرائيل من مصر يتعارض مع القانون الدولي الذي لا يقرُّ نقل مياه النهر خارج الحوض إلّا بموافقة كل دول الحوض. وقد تمّ تقديم ذلك العرض السخي لاسرائيل في الوقت الذي تستمرّ فيه مصر والسودان في اعتراضهما ورفضهما لأي مشروعٍ في أيٍ من دول حوض النيل الأخرى، مهما كان حجمه ومهما كان الدافع والحاجة الإنسانية والأخلاقية إليه، كما حدث في مشروع “شين يانغا” لمياه الشرب في تنزانيا.

5

لقد كان محزناً (ومُحْرِجاً) أن يتابع العالم رفض مصر والسودان التام لمشروع “شين يانغا” في تنزانيا والذي قامت فيه دولة تنزانيا بشقِّ قناةٍ لنقلِ مياهٍ من بحيرة فكتوريا لأغراض الشرب لعددٍ من قراها التي ضربها الجفاف والعطش في عام 2003، وهو نفس العام الذي عادت فيه المجاعة لاثيوبيا. كانت كمية المياه التي سوف يتمّ استخدامها لأغراض الشرب في هذه القرى في شمالي غرب تنزانيا لا تتعدّى المليار مترٍ مكعب سنوياً. غير أن تأثيراتها على السودان ومصر لن تزيد عن مائة مليون متر مكعب بسبب تنظيم مستنقعات جنوب السودان لانسياب مياه النيل الأبيض.

أقامت مصر والسودان الدنيا ورفضتا المشروع وهددتا بضربه دون التفكير لحظةً في الجانب الأخلاقي للاعتراض على المشروع والتهديد بضربه، ودون التفكير أنه لمياه الشرب لمجموعاتٍ فقيرةٍ هدّها العطش والجفاف في دولةٍ تساهم في مياه النيل. تمّ هذا الرفض والتهديد في الوقت الذي تضيع فيه أكثر من 17 مليار متر مكعب من مياه النيل في التبخّر في مصر والسودان (10 مليار في بحيرة السدّ العالي، و7 مليار في سدود السودان، منها 2,5 مليار من خزان جبل أولياء الذي انتفت الأسباب التي تمّ من أجلها إنشاؤه). وتمّ هذا الرفض لمشروع تنزانيا رغم عرض مصر مياه النيل لاسرائيل. تجاهلت تنزانيا الاحتجاجات وأكملت مشروعها ووقفت معها دول العالم ومنظماته وخبراء القانون الدولي للمياه.

وقد أوضح ذلك المشروع بجلاء عزلة السودان ومصر في قضايا مياه النيل، وغياب الحساسية والاعتبار لاحتياجات دول النيل الأخرى، حتى لمياه الشرب التي يعتبرها القانون والشرع والأخلاق حقاً إنسانياً مطلقاً لا يقبل الجدل. لقد غاب الجانب الأخلاقي تماماً في رفض مصر والسودان لهذا المشروع والتهديد بضربه، مثلما غاب عندما عرضت مصر مياه النيل لاسرائيل. وقد غاب ذلك البعد الأخلاقي أيضاً عندما نسي السودان ومصر، أو تناسيا، حقوق المجموعات القبلية في جنوب السودان، وقاما بالإضرار بتلك الحقوق ببناء قناة جونقلي، كما سنناقش أدناه.

6

بعد أربعة أعوام من توقيع اتفاقية أديس ابابا بين الرئيس جعفر نميري والسيد جوزيف لاقو في مارس عام 1972 قرّرت مصر والسودان الشروع في حفر قناة جونقلي. كان الغرض من القناة هو تجفيف مستنقعات جنوب السودان وإضافة جزءٍ من مياهها، (قُدّرت بخمسة مليار متر مكعب سنوياً)، للنيل الأبيض لصالح استعمالات مصر والسودان وحديهما. عارض أبناء جنوب السودان المشروع وأشاروا إلى أنه لا يحمل فائدةً واحدةً للجنوب، وعدّدوا أثاره السلبية عليهم. شملت تلك الآثار السلبية انحسار مناطق الرعي، وتغيير نمط الأمطار في المنطقة، بالإضافة إلى تعطيل القناة لحركة القبائل ومواشيها بين شرق وغرب القناة بحثاً عن الكلأ والماء. لم تُعِرْ مصر والسودان اهتماماً لتلك الاعتراضات وتصدّت الشرطة بعنفٍ للمظاهرات الهادرة التي خرجت ضد قناة جونقلي  في مدن الجنوب الكبرى. قُتِل عدّة أشخاص وجُرِح العشرات وتمّ اعتقال أعدادٍ كبيرةٍ من الطلاب والسياسيين المعارضين للقناة.

هدأت الأحوال بعد وعد الحكومتين السودانية والمصرية إقامة عدّة مشاريع تنموية في المنطقة تشمل نقاط عبورٍ وجسورٍ في القناة، ومشروع ري ومصنعٍ للسكر، وطريقٍ برّيٍّ يربط مدينتي ملكال وبور مع وصوله مستقبلاً لمدينة جوبا، ومستشفيات بيطرية ومدارس ومواقع سكنية في منطقة القناة. بدأ العمل في القناة في عام 1978 لكنّ مصر والسودان سرعان ما نسيتا تلك الوعود. وعندما ضربت الحركة الشعبية لتحرير السودان موقع القناة في 9 فبراير عام 1984، كان أكثر من ثلثي القناة قد اكتمل ولم يبدأ العمل في مشروعٍ واحد من المشاريع التي وعدت بها الحكومتان السودانية والمصرية أبناء الجنوب. وكانت التكلفة قد  تجاوزت مائتي مليون دولار.

لقد كان مشروع قناة جونقلي أحد الفصول الحزينة في علاقة مصر والسودان بالمجموعات المحلية في حوض النيل، وعدم مبالاتهما بالتأثيرات السلبية على هذه المجموعات من المشاريع التي تفيد مصر والسودان. بل وصلت المسألة حد تناسي الوعود ومحاولة التذاكي على تلك المجموعات القبلية، وظلمها بالتأثير سلباً على مياهها وأمطارها وحقوق رعيها وحرية حركتها.

7

إنه مما لا يقبل الجدل أنَّ لدول نهر النيل الأخرى الحقَّ في استعمال مياه النيل للخروج بشعوبها من الجوع والعطش والظلام تماماً مثلما فعلت مصر والسودان وتفعلان الآن. النيل ليس ملكاً لمصر والسودان، بل تملكه، بمقتضى القانون الدولي والمنطق والعدالة، كل دول النيل وشعوبه. فالنظرية الأساسية التي ينبني عليها القانون الدولي هي نظرية الانتفاع المنصف والمعقول والمساواة بين جميع دول الحوض. وهذه النظرية هي المنطلق الأساسي لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية. كما أن مذكرة التفاهم التي أنشأت مبادرة حوض النيل والتي وقّع عليها كلٌ من السودان ومصر في مدينة دار السلام في تنزانيا في 22 فبراير عام 1999 قائمةٌ أساساً على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول. ويظهر ذلك بخطٍ عريض في الصفحة الرئيسية للموقع الالكتروني لمبادرة حوض النيل. (يجب هنا عدم الخلط بين مذكرة التفاهم هذه واتفاقية عنتبي التي يرفضها السودان ومصر والتي وقّعت عليها ستٌ من دول المنبع في مايو عام 2010، وصادقت عليها اثيوبيا مؤخراً).

وقد وافق أخيراً الأستاذان فهمي هويدي ومحمد حسنين هيكل على أن النيل ملك لجميع دول الحوض. إن حقّ دول المنبع في  استعمالات مياه النيل سواءٌ كان لمشروع “شين يانغا” في تنزانيا أو لسدّ النهضة في اثيوبيا أو لتوليد الطاقة في يوغندا أو لقبائل جنوب السودان في الرعي حقٌ إنساني أيضاً. وإن الاعتراض عليه من جانب مصر والسودان تحت أي إدعاء يتعارض ليس فقط مع القانون الدولي والإنساني، بل ومع المثل والمبادئ والأخلاق وحقوق الإنسان التي أصبحت قيماً دولية لا تقبل الجدل.

8

لقد بدأت دول المنبع بعد سنواتٍ من الغبن والغضب والإحساس بالظلم، في أخذ حقوقها بيدها.وقد فعلت اثيوبيا ذلك بإنشائها السدود، وتنزانيا ببنائها مشاريع مياه الشرب ويوغندا بإقامتها سدود توليد الكهرباء وجنوب السودان بضرب قناة جونقلي. ولم تعدْ تلك الدول تأبه للاعتراضات على مشاريعها والتهديدات بضربها. لكن رغم هذا فما يزال الظلم والتعنّت ومحاولات الإقصاء هي سمات الموقف المصري والسوداني. 

لهذه الأسباب فإن حبل العزلة يزداد التفافه يوماً بعد يوم على رقبتي مصر والسودان بسبب الظلم والتعنّت إزاء حقوق الدول الأخرى في حوض النيل. إن الخروج من هذه العزلة يتطلّب الاعتراف بحقوق هذه الدول والتفاوض والتعاون معها. وقتها ستتمُّ الاستفادة القصوى والكاملة لكل دول الحوض من مياه النيل، التي هي ملكٌ للجميع، دون إقصاءٍ أو استعلاء. وسيتم الخروج بشعوب النيل من المجاعات والعطش والظلام والفقر والبؤس إلى حقوقهم في الغذاء والماء والكهرباء والعيش في عزّةٍ وكرامة.

أليست هذه هي الحقوق الأساسية لكل إنسانٍ أينما كان بمقتضى مبادئ العدالة والإنصاف والقانون والشرع والأخلاق؟

            Salmanmasalman@gmail.com

www.salmanmasalman.org