(عااارفو كويس، علا طوووول).. تلكم المقولة، لم تكن طرفة، أو نادرة، بل نكتة حكيمة، حُكيت عن الشيخ ابوسن، حين أقال أحد العمد، من منصبه، في بطحاء البطانة، وكان العمدة رجلا طيبا، خدوما، مخلصا، ولم يقال من سلطته، سوى أن ذنبه الذي اقترفه أنه "طووووول" في العمادة، فما بالكم من (يطووول) فيها، وهو من أشر، الناس وأرذلهم (أطويل حزننا، أم يطول)، أيها العمد المعاصرين.

التغيير سنة الطبيعة، صخور الجبال، وقلب الإنسان، كلها تتغير، في كل ثانية، ملل فيزيائي، ونفسي، يعتريهما، الحجر، والقلب، كلا منها، يثور على القديم في كل آن، بل هي دوما، في حال من (التطور، التغيير، النمو)، ثالوث قدسي، فطري في رحلة لا تكف عن السعي، تنشدها الطبيعة برمتها، في الأحياء والأشياء والجماد، تمضي قدما، في كل خطوة نحو هدف منشود، ” أظنه السعادة المطلقة، الكامنة فيها”، فسنت الحياة، من الصيرورة، دربا لها، في كل شأن، صيف يمضي، وربيع يلج، وليل يولي الأدبار، وفجر فرج يبزغ، في أفق الترقب، كل حين.

 

لو أحبت الحياة الثبات، والسكون، لعكفت على طينها الأول، صلصال بين الماء والتراب، ولكنها استلت منه العشب، بعد حين، بكل شكوله، ثم الحيوان بكل سربه، ثم بني آدم، بكل طيفه، وسحناته، وأظنهم، تصوروا بأنهم “الختام الأخير”، كعادة الغرور الفطري في البشر، (فأن بلغ الفطام لنا صبي، تخر له الجبابرة ساجدينا)، أي بني آدم، وللحق تسعى الحياة دوما للأجمل، للإنسان السوي، المحب، الجميل، وتستله من براثن بني آدم، المعاصر، في كل ثانية، ولأول مرة يتفق الفكر القديم الأزلى، والفكر المقتبس منه “العقل”، ويتناغما، في بناء عالم أجمل، وحلم أتم، فما أسعد الحياة، بأني يقود رسن ركبها، ضياء عقل قديم، يتجسد في قوانين الحياة الصارمة، حولنا، ونور العقل البشري، الذي نضج بمهل، ولا يزال، تحت نار المعاناة، ونور الحب، فأمتطى صهوة التطور، بعيدا عن مزالق الرغبة، والطمع، بل حياد جميل للحق، والفضيلة، والحرية، والفكر الحر..

 

أن جسم الحياة يبحث عن كمال، من خلال تبدله السرمدي، عن فستان يلف جسمه النامي كل حين، فهي “تهرد القديم”، وتنسج آخر في كل حين، كي تبدو أبهى، وأجمل، متناسقة القوام والزي، واقع حي، وفكر يلبي طموحه، وحلمه، ولكن أن تغرس جسم فيل، في جلد نملة، فتلك هي سخرية الأقدار في دول العالم الثالث، أقزام، يتصدرون عملاقة، بخداعهم، ولكن حين تصحو الشمس، تولى العتمة الأدبار، ويرى الإنسان حوله، ما يريد من قيم الجمال، في نفسه، ومدينته، وأزيائه،  ويحس بما يعشق من نسيم عليل، وبيئة طيبة، ويقول ما يمور في خاطره من فكر، وفي هواجسه من هموم، ومشاعر، ويتذوق خيرات بلده، من فاكهة، وخضر، بل وحلم، فما أوسع البلاد، وما أصغر نفوس حاكميها، التي حرمت كل الحواس، أن تحس بما تريد،  وأفلحوا في صنع قبح كبير، في الحنايا، وفي الأفاق (لنا رجعة لوصف مدينة الخرطوم، في مقال آت)، حسا، ومعنى (لو مد الله في العمر، والحب، والمدد).. .

 

لكن يأتي السؤال، هل الأدب، وقراءته، تخلق تغييرا في النفس؟ والحياة، والواقع؟ هل الأدب “مخيف” كما رأينا في واقعنا؟ يحرس ويراقب، ويمنع ويشطب، ويحظر؟.

 

هب انك رأيت فتى، أو فتاة، او رجل عجوز في حال قراءة، أو متلبسا في قراءة، هل رأيت ملامحها أثناء القراءة؟ أو أساريره؟ ونبض قلبه؟ ولم تخاف الحكومات المستبدة (من حالة القراءة تلك؟)، مجرد القراءة تُخفيها، ولو كانت قراءة حكاية أو قصة روائية، ولكن، هل القراءة صفة، أم فعل، أم تسلية؟ أم نضال؟ أم أكثر من دلك؟.

 

قبل أن يقول العجوز، الوقور، ويلسون مانديلا (أن “الأشياء تتداعى” حطمت جدران زنزانته)، كانت للقراءة سطوتها، ولم تكن (الأشياء تتداعى)، بلدوزرا ضخما ولا ثورة عاصفة، كما لم تكن كاهنة مثقلة بالأحجبة السحرية، تتسلل  بمكر إلى زنزانته الرطبة، بل كانت مجرد رواية مسبوكة، صادقة، عن الشأن النيجيري مع المستعمر الغاشم، للكاتب النيجيري العظيم غينوا اتشيبي، المحب للأبطال الشعبيين..

 

كان، أكونكوو، بعضلاته القوية، وأماليز الدي يشبه الهر، والجميلة أمووفيا، يدخلون على زنزانته كما يدخل الحب القلب، والضوء الزجاج، دون أن يحبسهم السجان عند البوابة الحديدية، وهيهات له، فقد كان هؤلاء هم أبطال رواية (الأشياء تتداعى)..

 

تلكم الشخصيات الروائية، “ورغم أنها مخلوقة من مادة الخيال”، كانت تحج له في مخدعه  وتثير فيه لواعج الحب للحياة والنضال، وتمسح عن جبينه المضئ، المضنى، عرق التعب، وندى الرطوبة، التي تتسلل له من محيط هائج، كما تهبه تلكم المسرات العظيمة، عن سر الحياة، والحب، والروائح، والفتوة، التي تقطن بطون الروايات العظيمة، المؤثرة، هؤلاء الأبطال السود، يعرجون له رغم الحراسة البيضاء لمشددة، فما أعجب أبطال الروايات…

 

حكى في تفاصيل مذكراته، العجوز الوقور، مانديلا، أن (الأقلام الجيدة)، تعيد للروح قوتها، وتهزم بهموت الظلام بين الضلوع، حيث يبض القلب الشجاع، فطوال 27 سنة في زنزانة رطبة، معزولة، في أعماق المحيط الأطلسي، كان الأدب هو أنيسة، وصديقة، بل ومعلمه الأول، حكى له، أكثر مما حكت شهرزاد، للأمير شهريار، والتي “بحكيها”، أستبدلت رعونات نفسه الهوجاء، بحكمة قلبه، وعقله، فأمنت حياتها، وحياة صويحباتها المظلومات، (وهنا نستفسر قصبا: هل الحكي يغيير أعماقنا؟ ولم حتى الأديان حكت قيمها ومناسكها في لبوس حكي وقصص، “أهل الكهف”، “سفر التكوين”، “سورة يوسف”). 

 

في طفولتنا، كم، وكم حكت لنا الحبوبات، في أقاصي القرى، عن فاطمة السمحة، وحسن الشاطر، ولم نكن نظن عن فاطمة سوى فتيات بلادي، كلهن، وما حسن الشاطر، سوانا، جميعا، بارك الله في الأدب الرصين، فإنه يمسح دموع الأيتام، ويشجع الضعيف، ويسند الجائع للفكر والفهم والحب، ويشد الحيل، فكم كان حسن الشاطر بارا ببلدته، وأخواته، وكنا ننام على التراب، وأيدينا الصغيرة تقبض حلم “أن تكون حسنا”، شاطرا في الدرس، والعمل، كي تحكي عني حبوبتي، وفمها يخلو من الأسنان، خال مثل كهف، وملئ بالحب، ينبوع تسنيم، يسقى منها اللطف، والحكمة، ومسرات الحكي، وقمزاته اللطيفة، على جنبي خيول حلمنا، وطموحنا الطفولي، كي نحث السير، ونخب في بيداء النمو، والسمو.

 

ليس ببعيد عن البال، ذلكم الجندي الأسباني الباسل، الذي لفت الأنظار بجسارته، وبأسه، في حمى الوغى والحرب، وحين اغتيل، وهو يلفظ أنفاس الوداع لأسبنانيا، تعجب حتى أصحابه، ورفاق سلاحه، من شجاعته النادرة المثال، وحين فهم سر تعجبهم، (لم تقاتل بتلكم البسالة؟)، أشار إلى جيب سترته، وقد ظنوه يشير إلى قلبه، وحين أغمى عليه، فتشوا سترته فوجدوا (ديوان لوركا، الشاعر الإسباني، الإنساني العظيم)، ولو أعادوا البحث، في سترته، لوجدوا ديوان العباسي، وجماع، والتني، ومحجوب شريف، بمقدورك أن تعثر عليها في جيب سترته أيضا، فالشعر لسان الحياة، قلبها النابض، وهو شأن إنساني عام، كالشهيق والزفير، بل أهم، وأقرب للفطرة البشرية السوية.

 

حين اغتالوا لوركا، نفسه (مثل الجندي الذي سبقه)  قال عنه بابلو (أراد اللصوص قتل قلب أسبانيا، فأفلحوا) فقد كان لوركا قلب أسبانيا، النابض بالحب والجمال، وكانت أسبانيا قلب لوركا النابض سرمدا، وظل قلبها ينبض في ضلوع الكون، أبد الدهر…

 

كانت السيدة هاريت بيتشر، تقوم بثورة عظيمة، بين دفتي كتاب عظيم، صار من سلالة الكتب التاريخية، الأدبية الكبيرة في مسيرة الإنسانية، أنه (كوخ العم توم)، مما حدى بالرئيس الأمريكي، أبراهام، أن يقول (أن الثورة الأمريكية)، أشعلتها مظالم ودموع ودماء أبطال كوخ العم توم، فقد استطاعت الكاتبة، أن تهز العاطفة في أقسى القلوب، نحو مآسي الزنوج في أمريكا (هل رأيت قردا، هذه أوصافة: ثم أدرجت صورة زنجي في الجريدة الأمريكية، في أواسط القرن التاسع عشر)، أن يعلن في جريدة شهيرة، رسمية، عن ضياع قرد، ضياع زنجي، لم يصعد في نظر تطورهم للبشر، فكتبوا ضياع قرد، وتحته صورة الخادم المسكين.

 

هكذا كان الحال، في تلكم البلاد، فلم لا نبكي معا، ونثور، مع العم توم؟ وما أكثر العم توم في أمريكا، والسنغال، والخرطوم، ودنقلا، ما أكثرهم، لو غفلة القلب، والعقل..

 

تنتهي الرواية الخالدة، بهده الخطبة الخالدة (انطلقوا إلى الحرية ولكن تذكروا انكم مدينون لذلك الرجل الطيب العم توم وردوا ذلك الجميل لزوجته وأبناءه وفكروا بحريتكم كلما رايتم…كوخ العم توم واجعلوه نصبا تذكاريا لكي تسيروا على خطاه وكونوا مؤمنين واوفياء كم كان) هكذا ختمت القصة التي كتبت من حبر الدم، فأنطلقت الحرية في شريان البلاد، والولايات المتحدة، الأمريكية، حتى حكمها أسود، نبيل، وأين الاستحالة، أن قلنا (أن كوخ العم توم)، هو من أشاد (قصر العم أوباما)، ونعني البيت الأبيض الأمريكي، وسيده العم أوباما، فالأسد، مجموعة خراف مهضمومة، كما يقال، وأشعال شمعة خيرا من سب الظلام، ولقد أشعل العم توم الطيب، العجوز، الأسود كسحر الليل، ألف شمعة في قلوب القراء، والمفكرين، والساسة، عبر أكثر من قرن ونصف، ولا يزال يحرض الشعوب المقهورة، ويشد عزيمتها، وقواها، نحو الثورة والعدالة الإنسانية.

فشكرا، العم توم، أن عرقك، ودموعك الذكية، وروحك الرؤوم، ونضالك الوئيد، الموزون، وعزيمتك الأسطورة، ، مهدت بعد قرن ونصف،  للمظلومين في كل مكان، ولحفيدك أوباما، أن يتسنم قيادة أكبر دولة معاصرة، وهو بذات اللون، والسحنات، التي كانت تكسي جرم العم توم العظيم، الجميل..

تأتي حكاية ماركيز (خريف البطريق)، في ذات المقام، فهي ملحمة أدبية، سياسية، تذم التسلط والاستبداد أكثر من عبد الرحمن الكواكبي، وكتابه الشهير “طبيعة الاستبداد”، فمن الفقرات الأولى، للرواية، تبدأ السخرية المريرة، فالشعب لم يعلم أن ملكه ميتا، داخل قصره المنيف، حتى اكتشفته الجوارح من الصقور والنسور والطيور فقد هاجمت الصقور، جيفته المننته، وحين اقتحم الشعب القصر،  خاف البعض، حتى من جيفته أيضا، و(لم تطب روحه حيا، أو ميتا)، وليته “طاب حيا، وميتا”، وأن كان نصيب من طغيانه، لا مفر للشعب من تحمل وزره، فطغيان فرعون، كما حكى، من مسكنه شعبه، واستسلامه الواهن لأطماعه البشرية، والإلهية، فهل من زاجر؟.

 كأن له حظ (أي طاغية مماركيز، في قصة خريف البطريق)، في تأويل بيت محمود درويش، الشهير،  (لو متنا لحاربت المقابر)، لو مات لاستبدت حتى جثته، إنه رهاب الخوف المرضي، المتوارث، أن يُخاف المتسلط، في قصره، وثمة في  قبره.

سنعود لفكرة التغيير، في مقالات أخر، بعض تأملات في فكره التغيير، في الأدب السوداني، التغيير النفسي، والفكري، والديني، ولاشك السياسي، في النفس البشرية، حين تطلع على عوالم الحكايات السودانية، والإنسانية، فدخول عوالم الحكاية، مدخل صدق، ليس كالخروج منها، مخرج صدق، (أيها الرحالة، لستم أنتم، في منتصف الرحلة، كما كنت في بدء الرحلة)، كما أبان تي اس، إليوت، الشاعر الأمريكي الأشهر، ولن يكونوا في الختام، كما هم الآن، ولا ختام،  ولن تنتهي الرحلة، القافلة البشرية، تحج لأفق بعيد، عند الإطلاق، حيث لا انتهاء (وفي المنتهى، شد الرحال)!..

و.. وداع بشوش:

أن رؤية غصن شجرة،  تهزه برفق، وتأني، أصابع نسيم، غير عجول، يولد في النفس، تغييرا نبيلا، ويحثها على الحب، والعطاء والدهش والحكمة.

 

يتبع: