فيصل محمد صالح كنا في العاصمة البوروندية بوجمبورا هذه المرة للمشاركة في لقاء تشاوري لمجموعة دول شرق أفريقيا مع السيدة بانسي تلاكولا المقرر الافريقي لحرية التعبير والمعلومات التابع للمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وهي إحدى أذرع الاتحاد الإفريقي. نظم اللقاء مركز حقوق الإنسان بجامعة بريتوريا بجنوب أفريقيا ونقابة الصحفيين في بوروندي ومنظمة المادة 19.

كان هدف اللقاء مناقشة القوانين الجنائية التي تحد من حرية الإعلام والتعبير، ووضع حماية الصحفيين ، وجمع ممثلين للحكومات ومنظمات المجتمع المدني ومفوضيات حقوق الإنسان في دول شرق أفريقيا. هذا التجمع في غاية الأهمية، لأنه يجمع كل الاطراف المختصة، فلو جاءت الحكومات وحدها لقدمت صورة وردية عن الأوضاع، لا تشبه الواقع الذي يعيشه الناس، ولو حضرت المنظمات والنقابات وحدها لسجلت شكاويها وندبت حظها ثم غادرت. والهدف النهائي للقاء هو وضع كل الأطراف أمام مسؤولياتها، ومحاولة الوصول لإطار عملي يحقق ويكفل حرية التعبير والإعلام وفقا للمعايير الدولية المتفق عليها. لهذا فإن وجود ممثلين للحكومات والأجسام الحكومية وشبه الحكومية كان أمرا مهما وأساسيا.

شاركني في اللقاء كمال دندراوي من المفوضية القومية لحقوق الإنسان، وفهمت أن الدعوة وجهت أيضا لأطراف حكومية سودانية واتحاد الصحفيين، لكن لم يحضر أحد. وكنت أتمنى فعلا أن يكتمل عقد التمثيل السوداني بحضور كل الأطراف، فلعلنا كنا نستطيع أن ندير هنا حوارا إيجابيا بحضور إقليمي مؤسسي، كما سيساعد ذلك على معرفة وضع السودان مقارنة بمجموعة دول شرق أفريقيا الأخرى. نحن لا نعيش في قرية معزولة، ولا نستطيع أن نضع تشريعات وقوانين أو نمارس أشكال من القيود والممارسات التي لا تتفق مع المعايير الدولية والاقليمية. من المهم أن نعرف وضعنا في العالم والمنطقة، وأن نحدد تشريعاتنا وقوانيننا طبقا لذلك.

كنا قبل السفر بيومين في ورشة عمل نظمتها طيبة برس بالتعاون مع شبكة الصحفيين السودانيين حول قوانين الصحافة وأوضاع الصحفيين، وناقشنا، ضمن ما ناقشناه مسألة التعامل مع قضايا النشر الصحفي كقضايا جنائية، وهي مسألة تجاوزتها معظم دول العالم، وصارت أولوية للمنظمات التي تعمل في مجال حرية الإعلام والتعبير، حيث ترى أن تعامل كقضايا مدنية. والفرق، للقارئ غير المتخصص، أن القضايا الجنائية تخضع لقانون الإجراءات الجنائية، ويمكن أن تكون عقوبتها بالسجن أو الغرامة  أو العقوبتين معا، كما ينص القانون الجنائي السوداني، بينما العقوبة في القضايا المدنية هي التعويض المادي.

وحين وصلت بوروندي وجدت أن هذا القضية مطروحة كأولوية، وعملت كثير من المنظمات في حملات متواصلة، واصدرت أكثر من وثيقة وإعلان تدعو لهذا الاتجاه، تحويل قضايا النشر الصحفي للقضاء المدني، وليس الجنائي.

وقدم الكيني هنري ماينا، مدير مكتب شرق أفريقيا لمنظمة المادة “19” ورقة تبحث في هذا الأمر، وتقدم المبررات لهذا الاتجاه، كما قدم السنغالي أمادو كانوتي، ممثل الاتحاد العالمي للصحف، إعلان “تيبل ماونتين” الذي يدعو لعدم التجريم الجنائي لقضايا النشر والتعبير. بالتاكيد لم يدعو أحد من هؤلاء لعدم معاقبة الصحفيين إن أخطأوا، بل تتلخص دعوتهم للاحتكام للقانون المدني وليس الجنائي. ويربط الإعلان المشار إليه، والذي قبلته حتى الآن حكومات النيجر وموريتانيا و ليبيريا، بين هذه الدعوة، وبين خطوات أخرى لتكوين مجالس للضبط الذاتي للصحفيين، والتدريب لرفع القدرات المهنية، وإدخال مبادئ الصحافة الاخلاقية ضمن برامج تعليم وتدريب الصحافة. والمقصود هو رفع وعي الصحفيين وقدراتهم المهنية وإحساسهم بالمسؤولية تجاه ما يكتبونه وما ينشرونه، كضلع مهم لعملية المطالبة بمحاسبتهم وفق القانون المدني.

اشتمل البرنامج  على تقديم شهادات عن وضع الصحافة وحرية التعبير في دساتير وقوانين بلدان شرق أفريقيا العشرة، مع غياب اريتريا عن المشاركة، قدمها ممثلون لمنظمات المجتمع المدني، في حين عقب عليها ممثلون للحكومات وبرلمانات الدول المشاركين في المؤتمر. كانت يوغندا أعلى الدول تمثيلا حيث شاركت وزيرة الإعلام روزماري ناماينجا، بينما حضر مسؤولون أقل من بقية الدول، وغاب التمثيل الحكومي والبرلماني للسودان وإثيوبيا. ولم يكن النقاش معلقا في الهواء، بل احتكم للمعايير الدولية المعترف بها لحقوق الإنسان وحرية التعبير وقارن ذلك بالقوانين والسياسات والممارسات العملية.

وظهر أن هناك تفاوت في أوضاع الحريات الصحفية وحرية التعبير في هذه الدول، صحيح أن معظم ممثلي النقابات والمنظمات قدموا عرضا للقيود، والعقبات التي تواجه عمل الإعلام وحرية التعبير، لكن كانت بعض القيود والمصاعب في بعض الدول تمثل حالة رفاهية لدول أخرى. لا تزال حرية الصحافة تعاني في هذا الجزء من العالم، يتم ملاحقة الصحفيين في معظم الدول ويحاكمون في قضايا النشر بالقاون الجنائي، وأحيانا بقوانين الأمن، ويحرمون من الحصول على المعلومات ويتعرضون للسجن والاعتقال والتهديد والتعذيب، ويصل الأمر للقتل كما يحدث في الصومال، وحدث مرة في تنزانيا.

وضع الصحافة في شرق أفريقيا هو الأسوأ في القارة، تبدو الأوضاع غربا وجنوبا وشمالا أفضل بكثير، وما يزال أمام هذه الدول طريق طويل لتقطعه على طريق حرية الإعلام والإعلاميين.