كاملا بهاسين العنوان أعلاه هو لكتيب يشرح  مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) ويجلي الغموض حول هذا المفهوم عبر الإجابة على أهم التساؤلات التي تدور حوله، وأهم ما يوضحه الكتيب هو ان (الجندر) مفهوم تحرري يهدف للعدالة وتغيير واقع التمييز واللا مساواة المبني على أساس الهوية الجنسية(ذكر او أنثى) مع كامل الاعتراف بهذه الهوية وخصائصها البيولوجية، ولكن ما يهدف إليه (الجندر) هو ان لا تكون هذه الخصائص البيولوجية أساسا للتمييز بين الجنسين في المكانة الاجتماعية ومن ثم الانتقاص من الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية،

لقد التصقت مفردة (جندر) بالنساء لانهن وفي مختلف بلدان العالم وعبر التاريخ تعرضن للتمييز السلبي وهو تمييز له تجلياته في مختلف الثقافات والعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية، مما جعلهن ولاسباب موضوعية في حاجة ماسة لمفهوم(الجندر) لكي يتحررن ويحققن العدالة، ولكن من الناحية المفهومية فإن (الجندر) يشمل الرجال كذلك، باعتباره يسعى للعدالة والمساواة. 

وعبر هذه السلسلة ننشر هذا الكتيب وهو من تأليف كاملا بهاسين، قامت بالترجمة الاولية الدكتورة فايزة نقد، و قام بترجمته النهائية وتحريره ومراجعته الاستاذ عبد المنعم الجاك ونشر بواسطة مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة.  

 

*إذا كانت التنشئة الاجتماعية تُعتبر عملية مستمرة، فلماذا استمر الجدال بين الطبيعة والتربية؟ أليس واضحاً أن التنشئة هي المسؤولة عن الاختلافات بين البنات والأولاد؟

من المدهش حقاً أن العديد منا لا يدرك ما نقوم به دائماً تجاه أطفالنا. وفي الحقيقة

نحن نعتقد أننا نعامل البنات والأولاد بطريقة مختلفة لأنهم في الواقع يختلفون. وقد لا نقبل بأن بناتنا وأولادنا ينمون مختلفين نتيجة لطريقة التعامل في المدارس والمجتمعات وبمعاملتنا لهم أيضاً.

والأطفال أيضاً يتعلمون هذه الأدوار دون أن يدركوا حقيقة أنه تم تشكيلهم. وإذا لم تكن هناك

اختلافات بين البنات والأولاد، ولو أن كل البنات والأولاد في كل مكان يتصرفون بطريقة متشابهة، تزيد أو تقل، لجادلنا بأن الأدوار القائمة على النوع الاجتماعي «الجندر » تستند على الجنس، ولكن مما سبق يتضح أن ذلك ليس هو الوضع.

ويمكن النظر إلى العقوبات وعدم القبول للأطفال والبالغين، عندما ينحرفون عن الأدوار

الاجتماعية القائمة على نوعهم «الجندرة »، كإحدى الطرق القوية التي تجعل كل واحد يتكيف مع السلوك المتوقع للأنثى أو الذكر. وتعتبر العقوبة الأكثر تعارفاً هنا هي السخرية الاجتماعية. ومن أسوأ الأمثلة التي مررت بها يتمثل العنف والسخرية الاجتماعية ضد بعض النساء في قرية كيرالا (. حيث لاحظَت ثلاث عاملات شابات أن زملاءهن يذهبون يومياً إلى إحدى الحانات، فقرَّرن في أحد الأيام أن يفعلن الشيء نفسه بغرض المرح والمزاح. أدى ذهابهن إلى الحانة أن قام الرجال بمتابعتهن والتقرُّب إليهن بغرض ممارسة الجنس، لا لشيء سوى أنهن تجرأن بالذهاب إلى مكان ليس للنساء “القويمات” أن يدخلنه، ولا يذهب إليه مِن نساء سوى مَن يُوصَمن “بالسيئات”.

قام منطق التعامل مع الشابات الثلاث على أن ذهابهن إلى الحانة لا بد أن يكون مرتبطاً أيضاً

بتهيئهن لتوفير المتعة الجنسية. وقد أدى هذا الموقف أن أقدمت اثنتان من الشابات الثلاث على الانتحار لعدم تحملهن سخرية ومضايقة المجتمع.

إضافة إلى العقوبات الاجتماعية، توجد أيضاً نماذج للعقوبات الاقتصادية. واستناداً إلى آن

أوكلي ) Ann Oakley ( فإن النساء غير المتزوجات، ولديهن أطفال، يواجهن العديد من المصاعب الاقتصادية، الأمر الذي يُعَدّ مؤشراً لرفض المجتمع لهن. وغالباً ما تقوم الأسر بتهديد أو رفض تقديم الدعم المادي للأطفال الذين يتم إنجابهم خارج المعايير المألوفة.

 

*هل يمكنك التوضيح أكثر حول هذه المهمة الخاصة بوضع خصائص وصفات للذكورة وأخرى للأنوثة؟

أصبحت هناك ثنائيات محددة، عن طريقها يعرف الذكر والأنثى، بالرغم من عدم ضرورة

ذلك. ويمكن توضيح هذا في القائمتين أدناه:

بالنسبة لتعريف الذكر:

عقل

ثقافة

عقلانية

موضوعية

عام

بالنسبة لتعريف الأنثى:

جسد

طبيعة

عاطفية

عدم موضوعية

خاص

تمثل هذه القوائم بعض الثنائيات التي يعرف بها الذكر والأنثى، ففي القائمة الاولى  تعريف

للذكر ، بينما تمثل القائمة الثانية  تعريفاً للأنثى.

ولا تمثل هذه الثنائيات ترتيباً متعارضاً فقط، بل هناك درجات متفاوتة من التراتب

بين هذه الخصائص. فالعقل من المفترض أن يكون متفوقاً على الجسد، كما أن الثقافة تمثل تطوراً وتفوقاً على الطبيعة، والذين يتصفون بالمعقولية والموضوعية تقييمهم أرفع من العاطفيين وغير  الموضوعيين. والنساء في هذا السياق، يمثلن الأجساد تقريباً كالطبيعة، فهن ينجبن كالحيوانات. أما الرجال فيمثلون العقول، فهم يفكرون وعقلانيون وإيجابيون، ويعملون في الطبيعة ويحولونها إلى الثقافة. وعليه فالرجال متفوقون على الطبيعة، ويفعلون بها ما يريدون.

والنساء لا ينتمين فقط إلى القائمة الثانية  من الثنائيات أعلاه، ولكن الفقراء والمحليين

ينتمون أيضاً إلى ذات القائمة. وعلى هذا الأساس، فإن سكان الغابات، وصغار المزارعين والصيادين، معظمهم مثل النساء؛ لا يجدون اهتماماً من مخططي التنمية. بل على العكس، فإن غاباتهم تُقطع، وتنزع أراضيهم دون علمهم أو موافقتهم، الأمر الذي جعل الملايين منهم يعيشون نازحين، وينتهون إلى المساكن العشوائية البائسة في المدن، ويكدحون من أجل معيشتهم في ظروف لا إنسانية.

أما على المستوى العالمي، فيمكن اعتبار العالم الثالث أو الجنوب مقام الجسد؛ والعالم

الأول مقام العقل، ويمثل العالم الثالث الطبيعة، بينما يمثل العالم الأول الثقافة. كما يعتبر العالم الثالث عاطفياً وغير عقلاني، بينما العالم الأول عقلاني وعلمي ومتطور. ما يمثل أكثر أهمية في فهم هذه الارتباطات هو العلاقة بين النوع الاجتماعي «الجندر » والتراتب الهرمي للطبقة، والطائفة، والعرق، والعالم الأول، والعالم الثالث، وغيرها من تراتبات. وقد صورت كلاوديا فان ويرلوف ) Claudia Van

Werlhof ( هذه الارتباطات قائلة:

)كان لا بد من ثلاثمائة سنة من اصطياد الساحرات، جنباً إلى جنب مع استعمار

العالم، لانتزاع قوة واقتصاد ومعرفة النساء، وكذلك العالم الثالث، وترويضهم

ليصبحوا ما هم عليه اليوم: ربّات منازل وعالم متخلّف. فربة المنزل، ومعها

العالم المتخلف، يُعتبران الناتج المزيف وليد التنمية المبنية على العنف غير

المتصور، والذي عليه قام البناء الخاص بالاقتصاد، والقانون، والدولة، والعلوم،

والفنون، والسياسة، والأسرة، والممتلكات الخاصة، وكل المؤسسات الحديثة.

فالعالم الثالث يعتبر الساحر في أيام اصطياد السحرة، وهو ربة المنزل في

عمومها، أو ربة منزل لعالم اليوم بما فيه من رجال العالم الثالث. فالعلاقة بين

الزوج والزوجة تستعاد في العلاقة بين العالم الأول والعالم الثالث() 31 (.

هذا التصور يؤكد أن الخصائص والصفات ليست فقط ما شُكِّلت وفقاً للنوع الاجتماعي

«جُندِرَت »، بل تستوعب أيضاً الأماكن والمساحات، ويشمل هذا الحانة، وملعب كرة القدم، وركن الشارع، والمقهى، وقاعة السينما، حيث أصبحت كلها أماكن للرجال. وعادة تذهب النساء إلى هذه الأماكن بصحبة الرجال، وإذا ما استدعى الأمر ذهابهن وحيدات إلى مثل هذه الأماكن، فسيخرجن منها سريعاً تفادياً للمضايقات والمشكلات المتوقعة. وتحت أي ظروف، ليس متوقعاً من النساء التسكع كالرجال.

وعلى غرار هذه الأمثلة، يكاد المطبخ أو البئر العامة أن تكون كلياً للأنثى. فأنا في حيرة لكي

أجد مكاناً اجتماعياً مخصصاً كلياً للمرأة. فالنساء ليس لهن أماكن للترفيه، أو حتى للعمل، خاصةبهن. وتحضرني قصة بعض النساء في داكا ) Dhaka ( حيث ابتدأن الاجتماع أسبوعياً لما يسمى بالآدا

adda( ( والتي تعني عادة تجمع الرجال للأنس والأكل والشرب والاستمتاع. إلا أن الكثير من الرجال والنساء اعترضوا على تجمع النساء؛ ذلك لأن مفهوم الآدا ) adda ( يعني الذكر، بما يعني أنه غير“محترم” للنساء. كما أن هنالك مفردات وأنشطة تعتبر مقبولة للرجال “المحترمين”، وفي الوقت نفسه فهي غير مقبولة للنساء “المحترمات”. ويعبر هذا عن ما يطلق عليه بالمنطق الأبوي. وينطبق هذا أيضاً على المنزل. حيث تخصص الغرف الهادئة للرجل لكي لا يزعجه الآخرون ممن بالمنزل. وقد علمت في بعض ورش العمل

أن بعض مصادر ومعدات المنزل أيضاً يتم تشكيلها على

أساس النوع الاجتماعي “الجندر”. مثلاً الكوب الكبير،

الكرسي، أو السرير تخصص للرجل رب الأسرة. كذلك في

منازل العمال، فإن الدراجة، الراديو والساعة كلها أدوات متعلقة بالرجال.

 

*هل تمت صياغة اللغة أيضاً على أساس النوع الاجتماعي «الجندرة ؟»

بالتأكيد صيغت اللغة على أساس النوع الاجتماعي «الجندرة ». فهي أبوية، وعلى هذا

الأساس فهي تحمل وتعكس الانحياز وعدم المساواة. فللرجال دائماً ذخيرة لغوية خاصة بهم، ونادراً ما تستخدمها النساء. وأوضح مثال على ذلك السباب الذي يتضمن إيحاءات جنسية عامة يستعملها الرجال. وبالرغم من استعمال الرجال لها دون تردد، فإنهم ينزعجون جداً إذا ما استعملتها النساء.

إضافة إلى ذلك، فإن لغتنا مليئة بالأمثلة والأقوال التي تعكس المنزلة الأدنى للمرأة بالنسبة

للرجل، ويشيرون عبرها إلى الخطيئة والمشكلات المتصلة بالنساء. حيث توجد مقولة شائعة في اللغة الهندية تقول: إن الطبل، والشخص الأمي، ومن في الطائفة الدنيا والنساء كلهم يستحقون الضرب. إضافة إلى المثل الذي يردد كثيراً بأن «جنة المرأة تحت أقدام زوجها ». وتردد في بانقلا ) )Bangla

مقولة أخرى تقول إن الرجل تعيس الحظ من تموت بقرته، أما الرجل المحظوظ فهو من تموتزوجته.

فضلاً عن هذه المقولات والأمثال الأبوية في اللغة، فهنالك أيضاً استخدام تعبير الذكورة

كمعيار أو عُرف. فتعبير الإنسان مثلاً الذي تعود إليه الضمائر هو وله يستخدم حتى لو كانت الإشارة لامرأة. أيضاً توجد أسماء الوظائف مثل: رئيس، قاضي، مذيع، رياضي، مسرح الرجل الواحد، والمئات من التعابير الأخرى التي تستعمل للنساء المتخصصات في مثل هذه الوظائف، بالرغم من أن هذه الممارسات آخذة في التغيير.

وقد ذهبت جيردا ليرنر ) Gerda Lerner ( ما أبعد من ذلك في مسألة اللغة، حيث توضح

أن:

)اللغة المستخدمة في العلوم الاجتماعية، الفلسفة وفروع المعرفة الأخرى،

مستمرة في الطابع الأبوي، متجاهِلة بذلك ومهمِّشة، أو غير ممثِّلة للنساء.

فالطريقة التي يعكس بها الفكر المجرد، واللغة التي يعبر بها، نجدها مفصلة

لترسخ تهميش المرأة. فنحن النساء فُرض علينا أن نعبر عن أنفسنا من خلال

الفكر الأبوي عبر ذات اللغة التي فُرض علينا استخدامها. وهي اللغة التي تم

إخضاعنا لها تحت ضمير الذكر، الذي يعكس في معناه المفهوم الشامل للإنسان

كذكر. عليه، من المفترض علينا كنساء أن نستخدم «مفردات قذرة » أو كلمات

خفية لنصف تجارب جسدنا. فمعظم الإساءات القبيحة في أي لغة عادة ما

تشير إلى أجزاء من جسد الأنثى أو للجنس عند المرأة() 41 (.

النقطة الأخرى الجديرة بالتناول في مسألة اللغة، أن بعض الاصطلاحات والأدوار في لغاتنا

تُنسب للنوع الاجتماعي، مثل ألقاب عم خالة، أخ/ أخت، أب/ أم، لأنها تشير إما للنوع الاجتماعي

«الجندر » أو «الجنس ». لكن يوجد أيضاً الكثير من المفردات لم تُنسب للنوع الاجتماعي، بقدر ما تفترض أنها تشير للرجل أو المرأة. ومثال لذلك سكرتيرة، ممرضة، معلمة رياض الأطفال، وكلها تشير لوظائف تقوم بها النساء. بينما صفات مثل رئيس، طيار، مدير، سياسي، جراح، أو مزارع، معظمها وظائف وأدوار تشير للرجال. هذه الافتراضات في النسب للنوع الاجتماعي «الجندر » أو «الجنس »

تؤكد استمرار هيمنة الرجال على الأماكن والوظائف العامة، أما النساء فوجودهن محدود وبعيد من مواقع اتخاذ القرار والمسؤوليات الإدارية.

 

*تستعملين ا صطلاح «نظام أبوي » كثيراً، ويفهم ضمنياً أن «النظام الأبوي » هو السبب

في عدم المساواة وإخضاع النساء. هل يمكن توضيح هذا الاصطلاح؟

من المهم معرفة مفهوم «الأبوية » لكي ندرك العلاقات الآنية بين النساء والرجال. فالعلاقات

المؤسسة على النوع الاجتماعي «الجندر » نجدها مشوَّهة لاستنادها على النظام «الأبوي ». وفي التعبير العام يعني مفهوم «الأبوية » مباشرة هيمنة الرجل. فالمفردة نفسها تعني حرفياً حكم الأب أو «الأبوية »، كما تم استعمالها في الأساس لوصف النمط المحدد لهيمنة الرجل على الأسرة. وتشمل الأسرة بمعناها الواسع؛ النساء، والرجال، والصغار، والأطفال، والرقيق، وخدم المنازل. حيث نجدهم كلهم تحت هيمنة رب الأسرة. وتستخدم المفردة الآن بعمومية أكثر لتدل على هيمنة الرجل، وعلى علاقات القوة التي من خلالها يسيطر الرجال على النساء. كما يُوظَّف استخدام مفهوم «الأبوية » في

تحديد الطرق المختلفة للنظم التي تؤيد خضوع النساء. وللمفهوم عدة مسميات تختلف أو تتشابه بين اللغات. ففي جنوب آسيا مثلاً تستخدم كلمة أبوي ) Patriarchy ( في اللغة الهندية باسم بترساتا ) Pitrsatta (، وفي لغة الأوردو باسم بيدرشاد ) Pidarshad ( وفي لغة البنقلا فهي تعرف بالبترتنتنرو.

وإذا أردنا تعداد صور الاضطهاد التي تعيشها النساء يومياً، بغض النظر عن الطبقة التي

ينتمين إليها، نجده يأخذ أشكالاً متعددة، تشمل التمييز، وعدم الاحترام، والإهانة، والسيطرة،

والاستغلال، والقهر، والعنف. ويحدث كل ذلك داخل الأسرة، وفي مكان العمل، وفي المجتمع، على السواء. وقد تكون تفاصيل الاضطهاد مختلفة ولكن محورها واحد. «فالنظام الأبوي » ليس متشابهاً في كل مكان. فطبيعته يمكن أن تكون مختلفة باختلاف الطبقات في المجتمع الواحد، وبين المجتمعات المختلفة وباختلاف المراحل التاريخية. ومثال لذلك اختلاف النظام «الأبوي » في زمن جداتنا عن حياتنا اليوم، واختلافه للنساء القرويات عن نساء الطبقات العليا للهندو ) Hindo (، كما هو الحال في اختلاف النظام الأبوي للنساء في الولايات المتحدة عن النساء في الهند. فكل نظام اجتماعي أو مرحلة تاريخية تلقي بظلالها على وظائف عمل النظام الأبوي، وعلى كيفية اختلاف الممارسات الاجتماعية والثقافية. إلا أن المبادئ العامة لممارسات النظام الأبوي تظل على أية حال متشابهة،

كما هو الحال في سيطرة الرجال على معظم مصادر الاقتصاد، وكل مؤسسات المجتمع الاقتصادية،الاجتماعية والسياسية. وعلى المستوى الكلي، نجد أن الأبوية تمثل بنية اجتماعية وأيديولوجية، أو نظاماً للعقيدة يؤكِّد تفوُّق الرجال. والأديان، في عمومها، لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ النظام الفكري الأبوي.

فعن طريقها انتشرت المفاهيم الخاصة لتفوق الرجال عبر القصص الدينية، مثل أن حواء قد خلقت من ضلع آدم، أو أن الرجل قد خلق على صورة الإله، وغيرها من مفاهيم. وإذا نظرنا اليوم إلى الإعلام، بل حتى إلى مؤسسات التعليم، نجدها تعمل على نشر النظام الفكري الأبوي، وذلك عن طريق إظهار الرجال أكثر حسماً في مواقع اتخاذ القرار، بينما النساء مستهلِكات، ومبذِّرات، وأكثر اعتماداً على الغير، وغيورات. كما أن النظام الفكري الأبوي يلعب دوراً مهماً في ترسيخ النظم الاجتماعية والسيطرة على طرق تفكير الناس. فمثلاً يختزل قيمة النساء إلى مجرد أجساد، ويؤسس لذلك موضوعياً، الأمر الذي يشجع الإعلام على دعم مختلف صور العنف ضد النساء. وبذلك، نجد أن النظام الفكري الأبوي يوجد المبررات المختلفة للسلوك والنظم الاجتماعية والاقتصادية التي

تؤبِّد أنماط العلاقات الأبوية تجاه النساء.

أدناه يمكن تحديد بعض الجوانب من حياة النساء والمجتمعات، وفيها نجد سيطرة النظام الأبوي واضحة.

1. النظام الإنتاجي وقوة عمل النساء. 1

2. عملية إنجاب النساء. 2

3. طبيعة العلاقات الجنسية للنساء. 3

4. حركة النساء. 4

5. الممتلكات والمصادر الاقتصادية للنساء. 5

6. المؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية) 51 (. 6

وتتأكد سيطرة النظام «الأبوي » بتحليل المؤسسات الأساسية للمجتمع، مثل الأسرة،

والدين، والقانون، والسياسة، والمؤسسات التعليمية والاقتصادية، والإعلام وسبل المعرفة، فكل هذهالمؤسسات تشير بوضوح شديد لتشكلها «الأبوي »، ولتدعيمها لبنية النظام «الأبوي ». على هذا الأساس، فإن هذا النظام، بنسيجه جيد التداخل، وبجذوره ضاربة العمق اجتماعياً وثقافياً، يجعل الأبوية » تبدو أكثر منعة كنظام تم تشكُّله طبيعياً. فهذه الطبيعة المفترضة في النظام «الأبوي »أدت لاستخدام أنواع مختلفة من العنف والسيطرة على النساء وتحجيم أدوارهن، إلى القدر الذي اعتُبر فيه العنف ممارسة ذات شرعية. والحقيقة الماثلة، كما تعتقد الناشطات في القضايا النسوية،أن العنف ضد النساء ليس فقط منتشراً بصورة واسعة، وإنما يعتبر جزءاً منظّماً في طبيعة النظام

«الأبوي .»

كل هذا لا يعني أن النساء يفتقرن إلى القوة أو الحقوق على الإطلاق، أو لا يمتلكن التأثير

أو الموارد بسبب هيمنة النظام «الأبوي ». ففي الحقيقة ليس هنالك نظام لعدم المساواة يمكن أن يستمر دون مشاركة من المضطهَدين أنفسهم، بسبب أن بعضهم يستمدّ بعض المكاسب منه. الأمر الذي ينطبق على النظم «الأبوية ». فالنساء تمكنَّ من الوصول إلى السلطة، وفي بعض الأحيان كانت لهن السيطرة، وانتزعن الامتيازات بدرجات متفاوتة. إلا أن كل ذلك لا يغير من حقيقة أن النظام المهيمن يقوم على سيطرة الرجل، وما تبلغه النساء من مراتب ما هو إلا تكيُّف لهن في النظام الأبوي ». ولتقديم مثال لذلك، ففي النظام الرأسمالي يلعب العمال دوراً مهماً، إلى درجة مشاركتهم في العملية الإدارية نفسها. ولكن هذا لا يعني أبداً تحكُّمهم في النظام الرأسمالي. ذات الشيء، لأسباب معقدة ومختلفة، فإن النساء يدعمن ويسهمن في ديمومة النظام «الأبوي ». فمن أجل الحفاظ على امتيازاتهن، تقوم النساء باستمرار بالمساومة بقوتهن، بالقدر الذي تكون فيه المساواة أحياناً على

حساب نساء أخريات. الأمر الذي يجعل من المهم النظر إلى النظام في كلياته، وأن تُحلَّل أسباب هذا التواطؤ. فالحقيقة الواضحة أن النساء غالباً ما يُعامِلن أولادَهنّ بطريقة أفضل من معاملتهنّ بناتهن. فالنساء يَحرمن بناتهن من التعليم، ويقيّدن حريتهن، كما يُسِئن معاملة زوجات أبنائهن، وكل هذا يحتاج إلى أن يُفهم في سياق القوة والوضع الذي يتمتع به الرجال والنساء، سواءٌ أفي الأسرة أم في المجتمع. وقد أوضحت إحدى النساء الريفيات هذا الوضع بصورة بسيطة قائلة:

)الرجال في أُ سرنا  كالشمس يضيئون ذاتياً، فهم يمتلكون الموارد، ويتحرّكون، ولديهم الحرية في اتخاذ القرارات. أما النساء فهن كالأقمار، لا ضوء لهن، بل

يضئن فقط عندما ينعكس عليهن ضوء الشمس. لذا فالنساء في حالة تنافس

مستمر مع بعضهن البعض لنيل أكبر جزء من ضوء الشمس. لأنه لا توجد حياة

بدون هذا الضوء(.

كما تؤكد الصورة أعلاه، فإن الطريقة الملائمة لوصف سيطرة الرجال على النساء هي

سيادة الهيمنة «الأبوية ». وبالرغم من سيادة الهيمنة «الأبوية »، إلا أن النساء يتم إمدادهن بالملجأ والطعام والأمان، إلى القدر الذي يُظهرهن كالغرباء. فسيادة الهيمنة «الأبوية » تقوم على جوانب تضطهد المرأة، لكنها أيضاً تحتوي على التزامات متبادلة، بما يجعل تلك الجوانب لا تُعتبر اضطهاداً.

الأمر الذي يجعل مختلف صور الاضطهاد صعبة الإدراك والمقاومة.__