محمد حسن عربي سبق وان اعلنت قوى الاجماع الوطنى عزمها تنشيط نفسها و السعى بين الناس خلال مائة يوم بغرض تعبئة الجماهير من اجل اسقاط النظام.ظننت كغيرى من المتابعين و المراقبين للشان السياسى ان مشروع الايام المائة مجرد بيان سياسى انفعالى و لا يعكس قناعات المعارضة و  لا يشبه اساليب عملها.منذ ايام مؤتمر القضايا المصيرية الذى انعقد فى اسمرا 1995م و ما تلاه من التزام بميثاق سياسى و اهداف محددة ووسائل عمل لتحقيق تلك الاهداف

، لم تفعل المعارضة منذ تلك الايام فعلا مدروسا و معلوما وفق برنامج محدد و باليات عمل لا خلاف حولها ، ولم تلتزم بجدول زمنى لتنفيذ البرنامج اذا استثنينا تهديد سابق للامام المهدى الذى امهل الحكومة حتى 26 يناير (لا اذكر عام كم ) لتقوم بتنفيذ برنامج محدد او يعتزل الامام السياسة.

   البرنامج المذكور للمعارضة خذل التوقعات ، فقد التزمت المعارضة بتنفيذ برنامج عمل دؤؤب و نشيط تمثلت فى ندوات مبرمجة داخل دور احزابها ، و قد تشرفت بحضور احداها بدار الحزب الشيوعى ببحرى و خرجت راضيا عن الخطاب اذ لاحظت ان الندوة كانت ذات طابع تعبوى تجاوز منهج ابراز مساوئى النظام و كيل الانتقادات له ووجد تجاوبا ملحوظا من الحضور.مثل هذه الانشطة تزعج الحكومة حقا ، فبقدر ما تشعر الجماعة الحاكمة بالخرطوم بالاطمئنان ازاء انشطة المعارضة المسلحة لاعتبارات انها صاحبة القوى الضاربة و لاعتبار ان العمل المسلح يمثل مقاومته واحدة من محاور تماسك السلطة ، الا انها تحس بالقلق الحقيقى اذا ما قامت المعارضة بافعال سلمية داخل المدن ، لا لان الانظمة حول النظام سقطت بالمعارضة السلمية ، و لا لان الشعب السودانى سبق له اسقاط نظامين عسكريين بثورات سلمية و لكن لان الحكومة تفقد فى الواقع سندها السياسى و المعنوى وهو احساسها برضا جماهير المدن عنها.

    لا تفوت الحكومة فرصة للتعبير عن انها تمثل مصالح جماعات و فئات محددة فى الحكم الا و اغتنمته ، لانها بذلك تضع نفسها فى موقع الحارس و ان كان غير الامين لتلك المصالح الا انه يقوم بواجب حراستها ، وربما تشبع الحكومة بذلك ايضا حاجة نفسية تتمثل فى احساسها بانها المعبرة عن الجماهير –الصامتة- ، لذلك لم اندهش لمقولة الرئيس انه لا يريد شخصا يتقدم بشكوى الى الله ضده يوم القيامة ، فبقدر ما كان مدهشا بالنسبة للمراقبين ان تكون الحكومة مطمئنة الى ان الشعب لا يمتلك مكانا لشكوى السلطة الا الله ، و يوم القيامة و ليس فى الحياة الدنيا ولو بالدعاء ، الا انه من المفهوم ايضا ان مثل هذه المقولة الورعة التقية انما تستبطن قناعة السلطة بعزلتها و ووجود الف سبب للشكوى منها و لكن الجمهور لا يستطيع مقاضاة الحكومة او اسقاطها بالادوات المعروفة لمحاسبة السلطات ومراقبتها لذلك لم يعد امامهم الا الله ، وهى حريصة على ضمان عدم تقديم الشكاوى ضدها حتى يوم القيامة.تبدو الحكومة حريصة كل الحرص على عدم افساح المجال لاى صوت معارض للتعبير عن رايه بالطرق السلمية ، وهو حرص يتناقض فعليا مع دستور البلاد تناقضا يجعل المرء يتسائل عن جدوى اقرار دستور لا تعترف به السلطة و لا تحترمه .فى دستور السودان الانتقالى يحق للمواطن حقوقا عدة و لكنه لا يتمكن من ممارستها اما لان القوانين تهدر تلك الحقوق او لان السلطات لا تسمح رغم انف القوانين بالتمتع بتلك الحقوق.يتطلب اقامة ندوة سياسية جماهيرية خارج دور الاحزاب لاى حزب –عدا المؤتمر الوطنى – تصديق مسبق من السلطات لاقامة الندوة ، و على الرغم من ان الاحزاب تخاطب الشرطة للحصول على التصديق الا انها غالبا ما تعود بخفى حنين لان السلطات لا تسمح باقامة الندوات ، و لا تسمح ايضا بالمسيرات و الاحتجاجات السلمية ، و لا تسمح للصحف بنقل الاخبار او التقارير التى لا تريد الحكومة نشرها ، فما هو الداع اساسا لاقرار الدستور ، و للسماح بتكوين الاحزاب.!

   برنامج المعارضة المعلن جدير بالاحتفاء ، فهو اعلان ميلاد لقوى سياسية ظننا انها لم تعد قادرة الا على التصريحات الصحفية ، وهو ايضا بمثابة العودة الى مصدر السلطات-الشعب- و اعادة للسياسة من سماوات الصفوة الى حيث ينبغى ان تكون بين الجماهير ووسطها ، و بغض النظر عن حصاد الايام المائة ، فان المحصلة لن تكون الا تراكما ايجابيا فى طريق طويل نحو الحرية و العدالة الاجتماعية.