كتب : صالح عمار قبل اكثر من عام دخل الرئيس البشير في مفاوضات مع الغرب عبر وسطاء عرب، وابدي مرونةً وقبولاً لمبدأ تنازله عن السلطة. وكان التفاوض يدور حول خليفته والمفاضلة مابين وزير السدود والكهرباء اسامة عبدالله ووزير رئاسة الجمهورية بكري حسن صالح. ومضي البشير خطوةً عملية في طريق التنحي باعلانه قبل شهور انه لن يترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية القادمة.

ولقي هذا الاعلان ترحيباً وارتياحا دولياً (صامتا)، لكونه مدخلاً لترتيب البيت السوداني بتكاليف اقل، وتطبيق الحزمة المتكاملة للحل الدولي التي لايمكن الشروع فيها مع استمرار البشير رئيسا.

وسواءً كان البشير جاداً او يستخدم التكتيك لكسب الوقت، فقد كان القرار خطوة ذكية خففت عليه درجة الضغوطات الخارجية، وقطعت الطريق امام التفكير في الاطاحة به عسكريا او اتخاذ اي اجراءات دولية عنيفة ضده.

وتاريخ البشير والانقاذ مع المجتمع الدولي لم يخلو من الخدع والتنازلات المستمرة التي حافظ بسببها علي موقعه، ابتداءً من اخفائه لهوية الانقلاب الاسلامي والتنازلات الكبيرة والمتتالية بعد قصف مصنع الشفاء بالخرطوم (اغسطس 1998م) ومابعد 11 سبتمبر والقبول بتوقيع اتفاقية نيفاشا، وتوقيع اتفاقيات مع قطاع الشمال ودولة الجنوب ثم التراجع عنها.

فهل سيعيد التاريخ نفسه ويقوم البشير من جديد بترشيح نفسه للانتخابات القادمة، ويتواصل مسلسل خداع المجتمع الدولي بنجاح؟.

فتحت اجتماعات مجلس شوري حزب المؤتمر الوطني خلال الايام الماضية، الباب لامكانية ترشح البشير من جديد، واستمرار مسلسل التمويه علي المجتمع الدولي.

فقد تعالت اصواتٌ من داخل المؤتمر بقيادة رئيس مجلس الشوري ابوعلي مجذوب، دعت البشير لتجديد ترشحه. ومن المعروف ان مثل هذه الهتافات لاتاتي في الغالب بعفوية وإنما تعبر عن مايجري وراء الكواليس، وتكون في بعض الاحيان لجس النبض او تهئية المسرح لما هو قادم.

اما المؤشر الاهم والاكثر دلالة فهو اعلان البشير تاخير عقد المؤتمر العام لحزبه ليتزامن مع الانتخابات القادمة، بتبرير ان تجربة الانتخابات الماضية اثبتت ان هذا يؤدي لتنشيط قطاعات الحزب.

ويعني هذا ان الاعلان عن مرشح الحزب للانتخابات القادمة سيتم تاجيله لعامين قادمين.

ولايستبعد مراقبون ان يكون تاخير الاعلان عن مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية ليتزامن مع اللحظات الاخيرة للانتخابات، محاولةً لكسب اطول فترة زمنية يستعد خلالها البشير ومؤيدوه لاعادة ترتيب كل الاوراق، لترشيحه من جديد واستمراره في موقع الرئاسة.

وفي حالة اعلان البشير لترشحه لدورة جديدة، فسيضع القرار المجتمع الدولي في حرجٍ حول استمرار صبره الطويل علي رئيس تتهمه محكمة دولية بارتكاب جرائم ابادة ضد المدنيين، وتاجيج ورعاية واحدة من اطول الحروب في العالم.

ومن الراجح ان الولايات المتحدة ستكون اكثر جدية هذه المرة في الاطاحة بنظام البشير اذا قرر الترشح لولاية جديدة، وستتجه لتغيير استراتيجيتها بحيث تقدم دعم مباشر لتحالف الجبهة الثورية، وفرض مناطق لحظر مرور الطيران الحكومي السوداني.

وفي هذه الحالة فإن المستفيد الاكبر هو الجبهة الثورية التي تسعي للاطاحة بالبشير عسكريا، حيث ان الضغوط الدولية عليها ستتلاشي، ولن يكون بامكان المجتمع الدولي مطالبتها بتوقيع اتفاق سلام مع الخرطوم، بل وقد تقوم بعض اطرافه بدعمها.

ووفقاً لمراقبين فإن المجتمع الدولي طرح حزمة حل للمشكلة السودانية، تحتوي علي تحسين العلاقات بين دولتي الشمال والجنوب، واجراء اصلاحات في نظام الحكم بالخرطوم يقتضي تنحي البشير، وتوقيع اتفاق سلام بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بالتركيز علي قضايا المنطقتين.

وفي حال مضت هذه الخطة فإن الحركة الشعبية كانت ستجد نفسها في وضع صعب، حيث ان مفاوضات اديس ابابا تقتصر علي قضايا المنطقتين ولم تكن تشمل باقي انحاء السودان ودارفور، وبالتالي فان تحالفها مع الحركات الدارفورية كان معرضاً للخطر.

الضغط النفسي الذي فرضه المجتمع الدولي علي الحركة الشعبية باجبارها علي دخول مفاوضات اديس ابابا بدون حلفائها؛ والخوف من تكرار شبح نيفاشا حين اضطرت لتدخل المفاوضات لوحدها بدون مكونات التجمع الوطني الاخري، يُفسر التغييرات العسكرية في طريقة عملها بنقل الحرب لمناطق قريبة من الوسط، وتعزيزها لوجود الحركات الدارفورية العسكري والسياسي ونقل قواتها لخارج دارفور، بحيث تتحول لقوة فاعلة علي الارض.

اما البشير فمن الراجح انه بدا الاستعداد للمواجهة باجراءات تهدف للسيطرة الكاملة علي مفاصل الدولة، عبر اجراء تغييرات كبيرة في المؤسسة العسكرية؛ واجراء تعديلات في كافة قوانينها لتتمتع بصلاحيات واسعة، واجازة قوانين جديدة مثل قانون التعبئة العامة الذي يفرض علي كل من هو تحت الستين حمل السلاح. بجانب تغييرات اخري يتوقع ان تشمل كافة الاصعدة.