مشروع سد النهضة بأثيوبيا أهي أحد حروب الموارد القادمة في أفريقيا؟ د. جمعة كنده كومي بعد انتهاء الحرب الباردة في التسعينات من القرن الماضي بين قطبي الصراع الدولي بدأت حروب الموارد الطبيعية تحتل أهمية كبيرة خاصة في القارة الأفريقية.  أن السمة السائدة اليوم لمعظم النزاعات في أفريقيا داخل أو بين الدول هي مركزية عامل الموارد الطبيعية كدافع وممول للحروب واستمراريتها.

ويكمن مركزية عامل الموارد الطبيعية في الحروبات السائدة في أفريقيا اليوم في أهميتها الاقتصادية والسياسية لدى الدول التي تعتمد بشكل كبير على تلك الموارد الطبيعية , فالبعد الدولي للعديد من الصراعات الإقليمية حول الموارد أصبحت هي السمة السائدة اليوم في كثير من الدول الملتهبة خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط . فالحرب بين الكويت والعراق حول حقول البترول في بداية التسعينات وتدخل الولايات المتحدة لصالح الكويت هي واحدة من أمثلة البعد الدولي لحروب الموارد.

المشهد في أفريقيا أكثر سوءا إذ تشير العديد من الدراسات أن معظم النزاعات الداخلية والإقليمية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالصراع حول الموارد الطبيعية مثل الماس في كل من سيراليون والكنغو الديمقراطية وأنغولا حيث استغل المتمردون معدن الماس النفيس في المناطق التي يسيطرون عليها في تمويل حروبهم ضد الحكومة ، أما في شرق الكنغو فقد تدخل قوى إقليمية من دول الجوار مثل أوغندا التي دعمت المتمردين مقابل الحصول على معدن الماس في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون, وفي الجانب الآخر قدمت حكومة الكنغو تنازلات لجارتها الأخرى زيمبابوي في بعض المناطق الحدودية الغنية بالماس مقابل دعمها في القضاء على التمرد. وفي أنغولا سيطرت حركة يونيتا المتمردة على مناطق واسعة غنية بالماس. الجدير بالذكر أن الماس من المعادن القابلة للاستغلال والتسويق بسهولة ويسر دون ما تعقيدات تقنية كما هو الحل في البترول.

 ويلاحظ أن العديد من الموارد الطبيعية لا تعرف الحدود السياسية فتمتد عبر الحدود بين الدول تحت سطح الأرض, وينطبق ذلك على المعادن الباطنية مثل الذهب والماس والبترول والمياه السطحية كما هو الحال لمياه حوض نهر النيل الذي يشترك فيه العديد من الدول منها دول المصب مثل أوغندا وأثيوبيا ودول المعبر مثل السودان ودول المصب مثل مصر. أن طبيعة و جغرافية المياه وأهميتها القصوى للإقتصادات ومجتمعات هذه الدول تقتضي إعمال مبدأ التكامل الاقتصادي والسياسي والبيئي بين هذه الدول تجنبا لحرب المياه بينها. يجب أن لا يكون الأمر فقط على مستوى اتفاقيات قديمة صاغتها القوى الاستعمارية لخدمة مصالحها بالأساس. التكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول يعني تخطيط وتنفيذ مشروعات تنموية كبيرة بين هذه الدول وتحويل هذه الموارد من مصدر النزاعات والخلافات السياسية إلى مصدر للتعاون والتكامل تحقيقا للتنمية المستدامة اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا وضمانا للاستقرار السياسي في القارة.

على ضوء ما تقدم يجب أن تكون كل المشروعات الإستراتيجية لهذه الدول – دول حوض النيل –  والقائمة على استغلال مياه وموارد نهر النيل ورافدها وفروعها جزءا من خطة إستراتيجية متكاملة تأخذ في الحسبان المصالح القومية للدول مقرونا بالأمن والسلم القاري. يبدو أن هذه الرؤية الإستراتيجية غائبة تماماً في الخطط القومية لهذه الدول وهذا هو السبب الذي يجعل أي مشروع في أي دولة يكون مصدر قلق للدول الأخرى حتى لو لم يكن الأمر كذلك. سد النهضة الذي يزمع دولة أثيوبيا الجارة إقامته هو مثال حي لغياب التفكير والتخطيط الاستراتيجي المشترك لدول حوض النيل. ولكن ما زال الوقت متاحا لتحويل المشروع إلى مشروع قومي إثيوبي وفي ذات الوقت يكون مردود اقتصادي وبيئي واجتماعي للسودان ومصر فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن القول نظريا أن توليد الطاقة يمكن أن يستفيدوا منها المناطق الحدودية للسودان بالقرب من السد الذي يبعد عن الأراضي السودانية بحوالي 20كيلومتر فقط. بيئيا يمكن أن يكون للسد آثار إيجابية للبيئات النباتية والحيوانية الواقعة خلف السد مباشرة بما فيها الأراضي السودانية. إذ أن مياه السد سوف تتسرب جزء منها إلى أعماق التربة وتتحول إلى مياه جوفية تنحدر إلى أسفل نحو الأراضي السودانية فتكون آثارها واضحة على الغطاء النباتي والتربة والحيوان.

 الأثر الثالث والايجابي أيضا هو أن السطح المائي للسد سوف يتبخر منه نسبة معتبرة من المياه وان هذه المياه المتبخرة يمكن أن ترفع من معدلات هطول الأمطار خلف السد طبقا لحركة الهواء الموسمية والتي غالبا ما تكون جنوبية غربية أو شمالية وفي كل الحالتين فإن للأراضي السودانية نصيب فيها. أما مخاطر احتمال انهيار السد وإغراقها للمناطق الواقعة خلفه فان ذلك يمكن تقليل احتمال حدوثها بدرجة كبيرة شأنها شأن العديد من السدود المنتشرة في العديد من دول العالم. وبما أن موقع السد يبعد بحوالي أكثر من ألف كيلومتر من حزام الأنشطة البركانية فإن مخاطر السد من هذه الناحية تكون ضئيلة جدا ولقد أوردت الحكومة الإثيوبية وعلى لسان سفيرها بالخرطوم بجريدة الجريدة الصادرة يوم الجمعة 28 يونيو 2013 م الصفحة الثالثة  “بعدم تضرر السودان ومصر من بناء السد” بل أكد أن السد سيحقق فوائد عديدة لدول المنطقة وهي:

1-    استفادة السودان من استغلال أراضيه الصالحة للزراعة والري.

2-    استفادة السودان من الطاقة الكهربائية المنتجة وبسعر رخيص ومجدي.

3-    يقلل السد من كميات الطمي التي تتراكم سنويا في السدود السودانية الواقعة على النيل الأزرق.

4-    يقلل السد من احتمالات حدوث فيضانات في السودان إذ يمكن التحكم في ذلك بواسطة السد.

5-    يضمن السد انسياب المياه طول العام وبصورة منتظمة داخل الأراضي السودانية.

6-    يطيل السد عمر السدود السودانية الواقعة على نهر النيل لقلة تراكم الطمي فيها.

وفي الختام نشير إلى أن الدراسات العلمية لإنشاء هذا السد قد قامت بها شركات دولية لها خبرات طويلة في بناء السدود. وقد أشرف على ذلك لجنة تضم عشرة خبراء, خبيران من في كل من الدول الثلاث المعنية ( أثيوبيا – السودان  – مصر ) وأربع خبراء دوليين مستقلين حيث قاموا بتقييم مشروع السد ورفعت تقريرها النهائي للحكومات الثلاث في 31 مايو الماضي. ولقد أكد تقرير الخبراء فائدة المشروع لهذه الدول الثلاثة . وإذا كان الأمر كذلك فالسؤال المحير هو لماذا التراشق السياسي وحرب الكلام بين إثيوبيا من جهة والسودان ومصر من جهة أخرى؟