محمد حسن عربي  لم تعد الديمقراطية فى مصر كفرا أو خروجا عن وسائل و طرائق الحكم فى الإسلام بعد وصول الإخوان المسلمين الى السلطة هناك عن طريق الانتخابات.ما قبل الديمقراطية التى جلبت مرسى الى الحكم فى مصر ، كانت الفكرة فى حد ذاتها موضع انتقاد و رفض كثير من التيارات السياسية الإسلامية التى ترى فيها وسيلة غير إسلامية للحكم،

و اذا كان المشروع الديمقراطي فى الحكم موضعا لانتقاد الإسلاميين من حيث المشروعية الإسلامية ، فإنها من حيث الدرجة تختلف باختلاف الملل و المذاهب فمنهم من يراها كفرا ومنهم من يصر انها كفر بواح، غير ان رحيل مبارك و بدء مشروع سياسى ديمقراطي فى مصر جعل التيارات الإسلامية تبتلع رؤيتها لصناديق الانتخابات لأنها الوسيلة التى تقودهم للحكم ، لذلك أجمعت كل التيارات الإسلامية على ان الديمقراطية من الإسلام.

   عندما سمعت خطاب الرئيس مرسى عن الشرعية ذهب بى الظن الى ان الرجل لم يقرأ التاريخ الاسلامى و لا يعرف شيئا عن فقه السلطة فى الإسلام.عندما تولى الخليفة ابوبكر الصديق السلطة بعد وفاة الرسول (ص) خطب فى الأمة قائلا : لقد وليت عليكم و لست بخيركم فان رأيتم فى خيرا فاعينونى و ان رأيتم فى اعوجاجا فقوموني ، فنهض واحد من القوم قائلا له و الله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا.أهل مصر قبل ان يخرجوا على محمد مرسى وحسنى مبارك كانوا قد خرجوا على الخليفة الثالث عثمان بن عفان وذهبوا إليه لا فى قصر الاتحادية و لا القبة بل فى المدينة المنورة وحاصروه فى منزله و طلبوا منه الاستقالة وهى الحادثة التى انتهت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان بعد ان قال : والله لن اخلع ثوبا البسينه الله!

  ما بين رفض عثمان بن عفان التنحي و تمسك مرسى بالسلطة قاسم مشترك ، فالحادثتان تعبران عن حالة واحدة وهى سحب الأمة الثقة عن الحاكم خلافا لآليات انتقال السلطة الشرعية سواء كانت مكتوبة او عرفية.بعد وفاة الرسول (ص) اختار المسلمون ابوبكر الصديق خليفة له ، وبعده انتقلت السلطة الى الخليفة عمر بن الخطاب بطريقة أخرى ولكنها نالت رضا و قبول الناس لتؤسس لطرق انتقال للسلطة بعد وفاة الخليفة غير ان الثوار فى زمن الخليفة عثمان طلبوا منه التخلي عن السلطة فى حياته وهى طريقة غير شرعية بمقاييس تلك الأيام.السيدة عائشة رضي الله عنها خرجت أيضا فى التاريخ الاسلامى على الشرعية التى بايعت سيدنا على رضي الله عنه كخليفة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه.محمد مرسى ليس رجلا تخجل منه الملائكة كسيدنا عثمان ابن عفان ، و ليس قائدا ملهما مثل الجنرال شارل ديجول الذي طلب الاستفتاء على مسائل محددة موضوع خلاف فى فرنسا وعندما جاءت نتيجة الاستفتاء بنسبة 52% لصالحه قرر الاستقالة لان النتيجة وان كانت فى صالحه و لكنها أعطت مؤشرا على انه لم يعد مقبولا شعبيا بالنسبة التى تبرر استمراره فى الحكم.

   مطالبة الشعب فى مصر بتنحى مرسى ليست بدعة فى التاريخ القديم و لا الحديث ، و لا اعرف سببا واحد يجعل من مرسى يتجاهل حقيقة ان اى دستور فى العالم يحدد آليات خلو منصب الرئيس بطرق عدة من بينها تقديمه الاستقالة.لماذا لم يستقل مرسى . سؤال ربما يبدو غبيا بالنسبة لنا كسودانيين ذلك ان خبرتنا فى هذه البلاد قد علمتنا بان غاية الإسلاميين فى الحياة هى السلطة.الإخوان المسلمين فى السودان قاموا بفصل جنوب السودان و بإشعال الحروبات فى أنحاء البلاد المختلفة من اجل السلطة و من اجل الحفاظ عليها.السلطة فى حد نفسها الغاية و ليست وسيلة لتحقيق أهداف برامجية سواء كانت من اجل مصلحة الشعوب او حتى فى خدمة أهدافها الايدولوجية.يعلم الإخوان فى مصر ان الطريقة التى لفظتهم بها مصر تتجاوز مجرد الإطاحة برئيس فاشل الى وضع الجماعة نفسها فى سلة المهملات، فالإخوان لم يصلوا الى السلطة هناك على أساس أنهم الأكثر و الأجدر بخلافة مبارك و لكن لأنهم كانوا الخيار الأقرب الى أهداف ثورة يناير من الناحية النظرية.عمليا يبتعد الإخوان بمسافات ضوئية عن أهداف ثورة 25 يناير ، فواحدة من أهم أهداف تلك الثورة هى الحرية و الديمقراطية.ليس سرا ان هذه أهداف لا تتحقق فى ظل سيطرة الإسلاميين على السلطة لأنهم ابتداءا مشروع سياسى اقصائى لا يتعامل مع التعددية السياسية إلا فى إطار انها ابتلاء ، فالآخر بالنسبة لهم أما ان يكون كافرا او ضالا او فى إحدى المسافات ما بين الكفر و الضلال.على عكس ما قاله مرسى الجماعات الإسلامية لا تؤمن بشرعية الصندوق إلا كوسيلة للوصول الى السلطة ثم تتخلى عن شرعية الصندوق إلا فى حدود حفاظها على السلطة.مرشد جماعة الإخوان المسلمين فى مصر قال اذا وصلنا الى السلطة فى مصر فلن نتخلى عن الحكم.واحدة من أهداف الثورة أيضا تحقيق العدالة الاجتماعية و هذه العبارة الفضفاضة ذات أبعاد متعددة اقتصادية و سياسية و اجتماعية وهى اقرب الى المصطلحات الاشتراكية ووجدت طريقا الى الفكر السياسي الحديث من النافذة الاشتراكية و معلوم ان الإسلاميين يفتقرون الى الرؤى الاقتصادية و البرامج المعنية بالرفاهية و النمو الاقتصادي اذا غضضنا النظر عن الزكاة و الصدقات ، وهم على علاقة وثيقة بالغرب الرأسمالي و مؤسساته الاقتصادية و السياسية ولهذه الأسباب بدت مصر و كأن ثورتها قد اختطفت بواسطة الإسلاميين إذ لم تتغير الأوضاع بل زادت سوءا على سوء.

ثورة ثلاثين يونيو أعادت الثورة المصرية الى الطريق الصحيح ، و أعادت تعريف الشرعية من الناحية القانونية و السياسية بشكل اكبر و أوضح من التعريفات السابقة ، وأوضحت مرة أخرى ان الإسلاميين لا أفكار ثابتة لهم بل يتحركون وفقا لمصالحهم.