كتب : صالح عمار سالمين قرية وادعة يبلغ عدد سكانها خمسة الآف نسمة، تقع بين عدد من الجبال صغيرة الحجم علي مسافة حوالي 90 كلم جنوب مدينة القضارف بشرق السودان، ويحترف اهلها الرعي والزراعة. عصر الثلاثاء (2 يوليو) كانت علي موعدٍ مع قصة جديدة من قصص الموت الذي لم يعد له زمان ومكان معينين، بعد ان تحول كل شبر من الوطن لمشروع حرب تتابعها وسائل الاعلام، واخري يموتُ فيها الناس دون ضوضاء.

نهار ذلك اليوم حضر معتمد محلية قلع النخل وبصحبته العشرات من افراد الشرطة والامن، وعقد اجتماعا مع الاهالي اخطرهم فيه انه جاء ليتسلم الارض المحاذية لمقابر القرية، حيثُ ينتظر منقبي الذهب الارض لاستثمارها.

شرحنا له ان هذه “حرمات موتانا ومقابرنا ولايمكن ان نتنازل عنها”، يقول رئيس اللجنة الشعبية لسالمين محمد سعيد محمد علي ، ثم اطلقنا الرجاءات والعروض يضيف علي : “عرضنا عليه اننا يمكن حتي ان ندفع ثمنها”، ولكنه رفض.

احد اهالي سالمين من شهود الحدث قال للـ (التغيير) ان المعتمد توجه بعدها للمقابر بحراسة 70 جنديا مدججين بالسلاح، وخاطب الاهالي مهددا بانهم لايعرفونه : “عندي ايادي ماسمعتوا بيها، انا دمرت قري كتيرة وقدامكم قرية علي شاهدة اسالوا اهلها”، وعلي احدي القري التي تم ترحيلها قبل شهور، ويضيف المعتمد وهو يخاطب اهالي سالمين : “انتو شكلكم دايرين تلحقوا القري دي”.

ثم بدا اطلاق الغاز المسيل للدموع علي اهالي القرية والذخيرة في الهواء، وبينما غادر المعتمد القرية، صعدت قواته لاعلي الجبل ودخل بعضها اطراف القرية، واطلقت الرصاص عشوائيا داخل المنازل.

لم تطلق الاجهزة الامنية الرصاص علي المتظاهرين الذين قاوموها بالحجارة والعصي، واتجهت ببنادقها نحو سكان القرية من الاطفال والنساء، وهذا يفسر ان الخمسة الذين اصابهم الرصاص اطفال.

اصيب الطفل موسي عبدالرحمن محمد علي برصاصات في راسه ولفظ انفاسه بعد وصوله القضارف، وهو طالبٌ بالسنة الرابعة وعمره 11 عاما، وجُرح اربعة آخرون بالذخيرة وجميعهم اطفال اصيبوا وهم في منازلهم.

يقول بابكر عثمان ادم وهو احد اقرباء الجرحي ويلازمهم بالمستشفي في حديثه للـ (التغيير) وصلنا بالجرحي لمستشفي القضارف فرفض استقبالنا، وتم ارشادنا للذهاب للمستشفي العسكري وهو مستشفي تجاري ندفع فيه تكاليفنا كاملة “ولم يقم اي مسؤول بزيارتنا او مساعدتنا”، اما الجرحي فحالتهم تمضي في تحسن عدا واحد اصابته اخطر، والحديث لادم.

وكنهاية كل النزاعات في السودان بين الحكومة والاهالي، اعلن والي ولاية القضارف الضو الماحي نهار الاربعاء خلال زيارته لسالمين “الغاء مشروع تنقيب الذهب بالقرية” ، ووعد بتقديم الجناة للعدالة.

قبل ايام ايضا قُتل في القضارف 13 شخصا اغلبهم من النساء نتيجة التدافع واطلاق الغاز المسيل للدموع عليهم وسؤ التنظيم، وقبلها قتل وجرح عدد من اهالي القضارف لانتزاع اراضي، ومقتل ستة فتيات غرقا اثناء مطاردة من الشرطة بالقضارف ايضا.

حوادث تتوالي وتترك آثارها غضباً مكتوماً عند اهالي القضارف لاينفصل عما يحدث في كسلا والبحر الاحمر من احداث شبيهة، يري كثيرون انها تهيئ المشهد لفصل جديد من فصول النزاعات التي توقفت بعد توقيع اتفاقية سلام الشرق.

مبادرة القضارف للخلاص اصدرت بيانا يُحذر من ان الامور تمضي في هذا الطريق : “مثل هذه الجرائم النكراء والممارسات البشعة، رسالة واضحة وبليغة مغزاها إرغام الناس على ركوب الصعب الذي ظلوا يتحاشوه ويضعون أصابعهم في آذانهم دونه” .