عبدالغني كرم الله يا ترى حين يسعى الواعظ وحماره في شوارع باريس، أي إثارة ستنطبع على خواطرهم (أقصد القارئة، أو القارئ)؟!! الحمار يسعى في شارع نص قصصي، في قرية بسيطة، على ضفاف النيل الأزرق، والراين معا، بربك كيف يلتقيان سوى في أكسير الحكي؟  جدي لم يرى شعر حبوبتي الشائب، زوجته المصون، حتى رحلت، مجرد أن تسمع صوته، أو خطواته، بل وتشم رائحته، تضع أقرب قماش قربها على رأسها، ولو كان شوال خيش، أو مصلاية، أو بطانية، وهي زوجته لسبعين عام، ومع هدا حج تلكم النص "حمار الواعظ" لأناس ونمط عيش مختلف، أيفتي الواعظ المالكي، في عرس كاثوليكي، ويشاهد قبلة الحب الدافئة، الطويلة، بين العروسين، على مرأى من الكاهن"، ووالد العروسة، فيصرخ، "واعظي" من فوق سرج حماره، مرعدا، مزبدا،  (هدا فعل فاضح بين، ومشين)؟

ولكن، من قال أن فرنسا، ولدت هكذا، حرة ناهضة؟ فقد كانت فيها أعراف، مثل فهم واعظي، واشد، بل “السيدة” فرنسا،كانت تأكل الضفادع، بلذة آسرة، حتى مطلع 1700، بل حكت نبيلة، من نخبة المجتمع الباريسي، أن صديقتها ولدت طفل أسودا، لأنها أدمنت شرب الكاكاو، وهي حامل، وصفق لها المجلس، لبداهتها، وعمقها، فالطعن طعن ابي محجن، والقفز قفز البلقاء، كل الشعوب تتشابه خطواتها، في درب الحياة الفطري، حتى بلوغ المرام، في الحرية والفكر والنهضة الشاملة.

لكن ما يهمني واعظي، في باريس الآن، من أعطى له تأشيره، ولم مضى هناك (أنا عاااارفو ماكر”، وياخي كبر مقتا، أن تقول ما لا تفعل أيها الواعظ؟” هكذا ، كانت فطرتي، من طفولتي لا أحب الفقهاء، بل أحب الأولياء، والمتصوفة الصادقين، درجت فطرتي، بلا حول مني، أحب السلوك، “من لا يعجبك لحظه، لا يعجبك لفظه، أظن قائلها ابي حامد الغزالي، وأقولها بقوله، وأحس بأن الدين أنهار لفقه ميت، في الدولة الأموية، والعباسية (قصور الأمراء، وكتاب الأغاني للأصفهاني، دو المجلدات الكثر)، برهان بين على متع ومسرات “خلفاء المسلمين”، في ليال حمراء، وسمراء، وخضرا، بين الجواري، والمحظيات، بل مضى الدين في ذبح الكرام، خراف شهيدة،  على سوح كربلا، والخرطوم، ودمشق، وحتى الشام، أبت إلا أن تلوث يديها بالسهروردي المسالم!!..

كتبت الحكاية، حمار الواعظ، كي أتشفى منه، ولكن سأهمس لكم بسر “رغم أن بطلها واعظ، ولكن كتبتها من أجل جماره، فأنا أحب الحمير، أظنها من أكثر الحيوانات التي خدمت بني آدم، حتى كرمها الله بحمل المسيح طفلا، من الناصرة، وحتى مصر، فصار تلكم الحمار، أكثر حمار رسم في التاريخ، ولم لا؟..

والحق أقول، كنت مرة أتمشى في الخلاء، بين قريتي، وقرية مجاورة، فمررت برميم حمار ميت، هيكل عظيمي، وفكه الطويلة، وضروسه وأنيابه نبت حولها القش، والعشب، فمر قربي قافلة حمير، في طريقها للطاحونة، توقف حمار منها، ونظرة لأخية الميت نظرة، عميقة، حاااانية، غامضة، أيعرف الموت؟ مادا دار بقلبه عن “فكرة الموت”، التي أعيت عقول وقلوب بني آدم، والشعراء،  نظر لأخيه الراحل، ثم شد أدنية لأعلى درجة، ثم هز ديله ومضى، وتركني أفكر في الموت مثله.

لا أدري لم جرى خاطري (للقارئة الفرنسية في البدء)، أهو تناص للسياب النحيف، القبيح، حين قال (ياليتني كنت ديواني، لأفر من صدر إلى ثان)!!.

هل نكتب لقارئة متخيلة!! أليست الكتابة “مغرضة”، بصورة من الصور!!. (من هي، “ذواتنا”)!!، ألهذا غاب المتصوفة في (سلمى ولبنى وليلى)، كحواء الروح، حين تكون الأم هي الزوجة، قبل أنماط الخلق الأرضي..

فالحمار هناك ماض، في باريس، أيقونة تعرض في “حديقة الحيوان”، وفي قريتي واقع معاش، كالمترو، والموبايل والساندوتش في باريس، لا غناء عنه، بل هو هنا، بطل في قريتي، وجندي مجهول هناك، بربك كيف يلتقيان؟ (أيضا بالنسبة للقاري الفرنسي)!! وشتان بين (قراءته كماض، وواقع يعاش، دافئ،كخبز جلب للتوء من الفرن)…

أم أترك الحبل للقارئ، بلا وصاية، وأترك للخيال قدسيته، فهو إله، لا استحاله بجعبة (أي الخيال)، وتكفي اساطير اليونان وليال ألف ليله، ومائة عام من العزلة، على تمجيد الخيال الإنساني، العظيم، لدى المبدع، أو المتلقى، فهم روحان حللنا بدنا، بعد ظهور (إبداعية المتلقي).!!

 

ولكني على شك، يراودني، رغم كل ذلك، هل سيحسون بأن هذا الحمار التعيس، يحمل على ظهره واعظا حنبيلاً، أم شافعياً، أم مالكياً، أم متصوفا؟ أم مجرد واعظ والسلام.

وهل يدركون بأن كل هؤلاء الوعاظ (مسلمين)، إلا أن لا رابط بينهم، عبر التاريخ، سوى السيف والعداء والتكفير، والتربص، فلم تحترق بغداد إلا بسيف الاعتزال ضد القرامطة والمتصوفة والخوارج والتشيع، وحوادث الخرطوم الدموية الأخيرة، ماهي إلا فهمان للدين الواحد، لا أكثر ولا أقل!! والأحزاب المؤثرة في بلدي: الأمة والاتحادي والاخوان المسلمين، مرجعهم جميعا (القرآن والسنة)!!

هل يتمثلون غرابة هذا الأمر، كما تجلت في المسحية (كاثوليك وبرتستات، وغيرهم، حتى (شيفرة دانفشي لبروان، والرغبات الاخيرة للسيد المسيح كازنتزاكيس ،)!..

من يملأ ما بين السطور، فكلمة حمار في قريتي تولد في ذهن أهلي البسطاء معاني أكثر من مياه البحر الابيض المتوسط، وتولد كلمة “الواعط” معان من التقديس، والكراهية، والبغض، لا تحصر، وأهمها (بالنسبة لي) : رجل لا يفهم الحياة، ووكل إليه أمر تنظيمها)، بربك كيف تنحك الثريا سهيلا!!.

ويبدو نهيق الحمير، لمن يكره الوعاظ، أحلى من صراخهم الكاذب من على المنابر، ولو “أن أنكر الأصوات لصوت الحمير”!!..

هل سيحسون بحماري، يؤرقني الأمر، فالنائحة الثكلى ليس كالمستأجرة، وهل سيسمعون الاصوات بأذنه الضخمة التي تتوج رأسه الجميل، “إن كانت القراءة تعني التقمص الأصيل”، فسوف يسمعون صوت الصراصير كأنها رعد، حيث يتمثلون حاله، فحركة اذنيه في الذريبة، يزعجها وقع خطوات النمل تحت حوافره..

وبادرني السؤال التقليدي، لم أختار “حمار الواعظ”، من مجموعتي (آلام ظهر حادة)، كلها، وهي تحوي 12 نص؟!!

بالنسبة لي هي قصة عادية، من حيث تكنيك القص، والحبكة، وغرابة الموضوع، ولكني كتبتها بحنان بالغ للحمير، فأنا أحبهم ” 4 كيلو، من وإلى المدرسة الابتدائية، يوميا على ظهورهم”، ولكننا أكثر رأفة من الواعظ، وأقل ثقلا من كرشة السمين!.. لم لم يختار مثلا “رائحة الطمي”، أو ” آلام ظهر حادة” ذاتها، صاحبة الاسم، للمجموعة… فعلا، يا لتعدد القراءات، ….

 

وطبعا، لم أسرف في وصف (الواعظ)، لأني حين كتبتها، كان القراء الذين أكتب لهم هم، على التحديد (بدرالدين عثمان، وعبدالله عثمان، الشبلي، وأمين، وأحمد جون، ومحمد بركات، وسيد رجب، وحسن أبكر، ونسرين عجبان)، فقط لاغير، وللحق أكتفي بهم للآن، وهم أقرب اصحابي، ولذا لم أتوسع في وصف “الواعظ”، لأنهم جميعاً يعرفون شكله، وسمته، وروحه، وقدسيته، وتناقضه، ومأكله “له الولائم”، ومقعده “له الصدر دون العالمين”، وملبسه، وهنا لا تكفي سطور القصة كلها لوصف ملبسه “الأزهري” المميز، رغم الحديث النبوي “أن الله يكره على العبد أن يتميز على أصحابه”، ولو بالملبس، وكان الأعراب حين يزورن النبي لا يفرزونه، إلا بعد تعريف نفسه!!..

وملبسه هو عمامه بيضاء، بحجم غيمة تحجب شمس الظهيرة، وملفحة، وعراقي، وسروال، وفوقهم جلابية، ثم عباءة ملونه، وطاقية، وعلى كتفه شال مميز، أي ملابس لو فرشت على الأرض، لغطت أكثر من مائة شماسي، مشرد نائم في ميدان الامم المتحدة، أو حول أطلال سينما كلوزيوم، وكمبوني. فإين (هذا دمي خمرا، هذا لحمي خبزا)!!..

فهل تسمع (القارئة)، والتي تنطق اسمع الشيخ جادالله خطئا، مهما أنهكت لسانها “الأعجم”، وقع حوافر أرجله وفوقه الواعظ السمين، والذي اكتفى في تحصيله الديني على كتاب ألف منذ 7 قرون، ولم يزد عليه سطر كتب بعد ذلك، وهو يكفر، ليوم الناس هذا، من يدعى بأن الأنسان مشى على القمر “لأنه في السماء الخامسة”، كما أن النجوم حجمها كحبة العنب، كما يقول (الزمخشري)،لذا فهي تتهاوى في النيل الازرق يوم القيامة، كالحجارة الصغيرة، والويل كل الويل لمن يقول بأن النجوم أكبر من الأرض، وما عليها من جبال ومدن وحمار وواعظ،  فالويل كل الويل له، كجاليليو..

حتما، حين كتبتها، لم يجري بخاطرئ قارئة فرنسية جميلة، تتعرف على حماري بلغتها هي، فهل تحس به مثلي، أم أكثر، أم ينثال بذهنها تصور لا علاقه له بحماري، والشيخ جاد الله، وهنا تبرز فكرة (مستويات القراءة والتأويل)، وموتي “موت المؤلف)، فليرحمني الله، مع حماري، بل وواعظي المنافق!!..

وأخيرا، هانذا اتجول بحماري وواعظه في باريس، بدلا من طائرة وفيزاء، بعد أن أظهرالهوس الديني خطورة على المجتع الدولي،بلا استثناء، فحرم الكثيرين من التجول في اصقاع الكوكب، والتعارف، ومتعة الترحال (من المحال)، وكفى الله ابن بطوطة (خير التجوال)…

وللحق كدت اقع على قفاي، وأنا اتمعن وجه الواعظ وهو يتجول في باريس بحماري الذي خلقته من ضلوع حروفي، كما خلق آدم حواء (لا أصدق هذه الاسطور، فحواء أقرب لخلق آدم، وليس العكس)، وهو يخترق الشانزليه، وهو يتوارى خجلا، وكذبا، حين يجد فتاة وفتى في قبلة طويلة تحت اشجار الصبار، وأكاد اسمع وقع حوافره في بلاط حديقة لوكسمبورغ، وتعجب الفتيات من ملابس الواعظ، وعمامته، ولحيته، وحماره!! وتعجب دعاة حقوق الحيوان، بل أراه يقف في تقاطع في الحي اللاتيني، حين يرى تمثال فتاة عارية، وسوف يهوي بعصاه على التمثال، وحين تتكسر عصاه، لقوى التثمال، سيخلع عباءته، ويغطي عورة الفتاة، وهو معرض وجهه عنها، وهو “يستغفر الله”، من الفسوق والمروق!… للنحات والتمثال، والأصنام!!..

والفتاة العارية تنظر بدلال عجيب جه الشرق، وقد حطت بعض العصافير على كتفها، ونشوة الفنان في نحت الدلال بيديه، لم يراه الواعظ في ظل غضبه..

هل تحسون بمعاناة الفن التشكلي في بلدي، حيث التماثيل اصنام (وفي البال تحطيم تمثال بوذا في افغانستان، وتمثال الاستاذ محمود محمد طه في كلية الفنون الجميلة في الخرطوم، بداية التسعينات)، وجهان لعملة واحدة..

وحياة الواعظ، لاتخلو من سهره ليال طوال، ليس للذكر، أو وجع ضروسه المسوسة من أكل الولائم والبلح، ولكن لمعضلة فقهية جديدة، لم تمر على ذهن واضعي الكتب الصفراء القديمة، مثل (زواج وطلاق الانرنت)، وبيع الطيور في السماء وبين الاغصان، وحرمة صوت الفتاة من خلال الموبايل، وخلوة (الماسنجر)!!…

وهو ينحرف من الشازليه، كي يبارك الزوجة الثالثة لحمدان الجزار، أو يفتى بحرمة بيع نجوم السماء، أو يلوي (شريعته)، كي يعيد سعد لزوجته بعد ثلاث طلقات..  وأن بيده إدخال الناس الجنة والنار، مثل جدكم حين قال (أنا الدولة)، ومن سار على الدرب وصل، والتاريخ يتشابه، هنا وهناك، فالإنسان واحد، حيث كان..

حتما القصة لم تكتب لواعظ بعينه، بل حصان طروادة، كان ماثل بذهني، وهو الشيخ جاد الله، رمز السلطة الدينية، وخاصة في العقدين الآخرين، فقد كانت السلطة الدينية مقصورة على الجامع وبعض المؤسسات، ولكن هاهي تهيمن على السلطة، وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والدستورية، والإعلامية، ويصل سيفها وقهرها وسلطان للكل، ويطال تعسفها جميع الشعب بلا استثناء، وبقوة السلطة والثروة، ساقت الشعب للذل، والاستكانة، والتشريد والهجرة والجنون.

 

فحين نضع هذا الواعظ بيننا وبين الله، أو بينه وبين أنفسنا، أو بينه وبين أي حقيقة أزلية، كمن يضع زجاج أسود، أو قل جدار معتم، بيننا وبين زهرة معطار، فنحرم لونها البديع، وعطرها الذكي. فالإنسان هو واعظ نفسه، بأعظم واعظ، عادل وعبقري، وهما (العقل والقلب)، وهما معك قبيل الميلاد، فهم أحق بالرعاية والتعظيم، والترقي..وفي البال مآسي : جلد الفنانين، حرق المكتبة الغنائية لعثمان حسين وعركي والكاشف، حرق الكتب والتلصص وجلد الفتيات بسوء الظن، والتلصص على الأسر والبيوت، وتكريس العاطفة الدينية الفجة، واستفزاز الاديان الأخرى، وإهانة الفكر، والإبداع الحر، وإثارة النعرات القبيلة والعنصرية، والدينية..

أنا أعرف واعظي جيدا، فقد يساهر الليل كله، لأن معضلة فقهية أرقته، وهي تتعلق بأن كلبا قطع الصلاة، أو رن الهاتف بأغنية (قاسي قلبك علي ليه)، أثناء تكبيره الإحرام..

فاليوم سوف يساهر حتى الصبح، في مختبره، كي يجد محلولا، ودواء ناجع ل:

بيع الطيور في السماء وبين الأغصان.

وحرمة صوت المرأة في الموبايل، والصلاة فوق القمر، “فوق السماء السابعة”، كما تقول كتب التفسير التقليدية.. وفتاوى أخر.. أشدء عماء، وتحجر..

 

كتب المقال، بمناسبة ترجمة قصة “حمار الواعظ”،  للكاتب، إلى اللغة الفرنسية