محمّد جلال أحمد هاشم مقدّمة في هذا الفصل سوف نتناول مشروع الحداثة modernism في السّودان لننظر إذا ما كانت لدينا حداثة أم لا، ولماذا وكيف ومتى، إلخ. ولكن، بدءاً، ماذا نعني بالحداثة؟ كما هو الحال في مثل هذه المصطلحات، ليس  هناك أكثر من التّعريفات الدّالّة على مصطلح الحداثة. فإلقاء نظرة سريعة في أيّ موسوعة سوف تكون كافية لإثبات هذا الأمر. وغنيٌّ عن القول إنّه متى ما تعدّدت التّعريفات، تباينت طرديّاً المفاهيم ولو التقت في قاسمٍ مشتركٍ بينها. ارتبطت الحداثة بالثّقافة التي برزت في أوربّا الغربيّة بعيد عصر النّهضة وما تلا ذلك من ثورة صناعيّة. وقد شكّلت في عمودها الفقري احتفاءً واعياً بدور الحقائق الموضوعيّة، العلميّة، في صياغة الوعي الثّقافي والاجتماعي والسّياسي. وقد قلبت هذه الثّقافة موازين القيم القديمة بما من شأنه أن يهيّئ المجتمعات لمرحلة ما بعد القرن التّاسع عشر، أي تهيئة تلك الشّعوب لولوج القرن العشرين وفق منظومة قيميّة حديثة.

بدلاً من أن تقلب عليها ظهر المِجَنِّ، لعبت الحداثةُ دوراً كبيراً في ترسيخ منظومة القيم الأخلاقيّة والجماليّة العتيقة. وتكمن الحداثة في هذا أنّها قامت بتجديد تلك القيم وإعادة إنتاجها هي نفسها في قوالب جديدة. فعلى رأسماليّة المجتمعات الغربيّة، لعبت الحداثة دوراً أساسيّاً في تشكيل قيم الحقّ والجمال بحيث تقوم نفس تلك المجتمعات بمراجعة قضايا محوريّة مثل الاستعمار وتثمين نضال الشّعوب المطالبة بالتّحرّر والانعتاق. فبمثل ما لعب التّطوّر التّكنولوجي دوره في إعادة النّظر في الرّقّ قبل ذلك بحوالي 100 عام، قامت الحركة الحداثويّة بنفس الدّور التّنويري لتهيئة شعوب أوربّا الغربيّة لمراجعة مسألة الاستعمار ضمن موجة مراجعات أخلاقيّة عديدة.

في الوقت الذي كانت فيه أوربّا تمرّ بمرحلة مخاض الحداثة، أي خلال القرن التّاسع عشر، لتعيش هذه الحداثة خلال العقود الأولى للقرن العشرين، كانت تشهد في نفس الوقت ميلاد حركة جديدة، بها تتجاوز مرحلة الحداثة. هذه هي الحركة التي عُرفت باسم ما بعد الحداثةpost-modernism . وقد دخلت أوربّا مرحلة ما بعد الحداثة بانسلاخ النّصف الأوّل من القرن العشرين، لكن ليس من دون معاظلة بين الحداثة من جانب وما بعد الحداثة من الجانب الآخر. ويعكس لنا هذا وتيرة التّطوّر السّريعة التي تعيشها المجتمعات الأوربّيّة بالمقارنة مع مجتمعاتنا. ففي الوقت الذي تهيّأت فيه كيما تُقبل على مرحلة تكريس تفوّقها المادّي على باقي شعوب الأرض بحيث تسترقّها جميعاً، برزت تيّارات حداثويّة عبرت بها من هذه المرحلة الموغلة في اللاإنسانيّة إلى مرحلة أخرى يمكنها تحقيق نفس النّتائج لكن عبر آليّة أخرى هي الاستعمار. ولكن، قبل أن تفرض هيمنتها على العالم تماماً عبر الاستعمار، دخلت أوربّا في مخاض مرحلة جديدة بها تمكّنت لاحقاً من تحرير نفسها من تجربة الاستعمار، ذلك بتدشين مرحلة الحداثة التي نعمت بثمارها طيلة عقود القرن العشرين إلى ما قبل نهايتها. ولكن، قبل ذلك بكثير، وتحديداً في العقد التّاسع من القرن التّاسع عشر دخلت أوربّا مخاض مرحلة جديدة، ذلك كيما تتجاوز بها مرحلة الحداثة، تهيئةً منها لنفسها كيما تعيش مرحلة القرن الحادي والعشرين، وهذه هي مرحلة ما بعد الحداثة. أي أنّها ماخضت نفسها لميلادٍ سوف يأتي بعد حوالي القرن؛ عليه، تكون فترة اللقاح الفكري والثّقافي قد وقعت قبل ذلك. وهذا يعكس لنا وتيرة تطوّر المجتمعات الأوربّيّة الغربيّة منها بالذّات، مقابل ركود مستنقع الفكر عندنا.

تعتبر مرحلة ما بعد الحداثة ثورة حقيقيّة على جميع القيم التي ورثتها البشريّة، لا لكونها قد نسفتها، بل لكونها قد قامت بالإلغاء التّام لأيّ أحكام مطلقة بين سلوك إنساني وآخر. وتكون بهذا قد ساوت بينها جميعاً، لكن كيف؟ بإضفاء عامل النّسبيّة عليها، وقدرة الإنسان في التّأويلhermeneutics ، تأويل دلالات سلوكه لتعني الشّيءَ عنده بينما قد تعني نقيضه عند الآخرين. وقد تبلورت عن هذه المرحلة مجموعة ضخمة من المفاهيم، مثل مفهوم المرحليّةperiodization ، حيث يدخل السّلوك الإنساني الاجتماعي والاقتصادي، أي الثّقافي بفهمنا، في سلسلة مراحل تختصّ كلّ واحدة فيها بخواصّها البنيويّةstructuralism ، وبالتّالي تكون لها بُناها الاجتماعيّةsocial constructs ؛ فما يُنظر إليه اليوم على أنّه أخلاقي، يمكن النّظر إليه غداً على أنّه غير أخلاقي.

يعكس لها هذا المراحل التي مرّت بها الشّعوب الأوربّيّة وانتقالها من مرحلة إلى أخرى خلال الثّلاثة قرون الأخيرة، وهو شيء جدّ خطير، كونه جرى وفق وتائر متسارعة، متسابقة. كما يعكس شيئاً آخر لا يقلّ خطورةً، ألا وهو التّزامن العجيب بين الأخلاق والتّطوّر العلمي والمنجزات التّكنولوجيّة، إذ تتساوق جميعها لتعطينا وعياً اجتماعيّاً متعيّناً. فالنّظريّة النّسبيّة (وكذلك نظريّات الكم Quantum Theory) التي اعتمدت عليها حركة ما بعد الحداثة، تزامنت في تبلورها وتطوّرها مع ذات حرائك ما بعد الحداثة. واليوم إذا تمكّنت أوربّا من الجمع بين النّظريّة النّسبيّة والنّظريّة الكمّيّة في منظور واحد، وهو ما لم يتمّ بعد، فإنّ جميع هذا سوف يأتي في إطار حركة وعي اجتماعيّة، ثقافيّة، علميّة، وتكنولوجيّة جديدة ربّما ليس في مقدورنا، نحن شعوب العالم الثّالث، تصوّرها. وتكمن خطور هذا، بالنّسبة لنا نحن شعوب العالم الثّالث، في بُعد الشُّقّة واتّساع الهوّة المطلوب ردمها بيننا وبين أوربّا، هذا في حال أردنا أن ننضمّ إليهم فيما هم عليه. فهذا يستلزم منّا أن نتمثّل العلم النّظري والإنتاج التّكنولوجي والسّلوك الأخلاقي في عمليّة واحدة، وهو ما يسمّى بتوطين العلم النّظري والتّكنولوجيا، وبالتّالي إفراز حركات وعي متساوقة معها، يكون لها دور مزدوج، إذ تلعب هي نفسها دوراً أساسيّاً في تطوير العمليّة ككلّ. بمعنى آخر، لا يمكن أن يتمّ هذا التّوطين بلا حركة وعي جديدة؛ وبالمثل، لا يمكن أن يتمّ التّوطين إلاّ بإفراز حركة وعي جديدة ضمن حلقات عديدة متشابكة. وهذه في حدّ ذاتها تعتبر واحدة من أعوص المعادلات بعد الحداثويّة، حيث تنتفي الثّنائيّات التي لازمت مرحلة الحداثة السّابقة. ولهذا فشلت، وسوف تفشل، جميع العمليّات الاستزراعيّة للتّكنولوجيا، كونها جسماً غريباً على منظومة تفكيرنا ووعينا المركّب، أي الوعي الذي يستجمع كلّ ذلك الذي فصّلنا فيه أعلاه. وتزداد المسألة تعقيداً في أنّنا مهما تراجعنا عن ذلك، فهذا لا يعني عجز وتراجع قدراتنا الإنسانيّة المحضة في الاستمتاع بمنجزات تكنولوجيا الغرب، وهذه هي التّبعيّة التي لا ينجم عنها غير تكريس التّبعيّة.

 

هل يمكن أن تكون لدينا حداثة؟

فيما يتعلّق بمجتمعاتنا الأفريقيّة الشّرق أوسطيّة (ومنها السّودان)، تصبح مسألة مقاربة الحداثة شيئاً صعب المنال بدرجة تقرب إلى الاستحالة، دع عنك مرحلة ما بعد الحداثة. تكمن الاستحالة في أنّ هذه المجتمعات لا يمكن أن تسير على درب الحداثة المطروق من قبل وفق تمرحلاتها، إذ يتوجّب عليها أن تجترح الحداثة مستصحبةً التّجربة الإنسانيّة في كلّيّاتها. فإذا كانت أوربّا قد تمرحلت عندها الحداثة، فذلك لأنّها كانت هي صاحبة المشروع. ولهذا لا يبقى أمام الشّعوب التي تخلّف ركبها عن الإتيان بحداثة مواكبة إلاّ أن تتعامل مع المنجز الحداثوي ككلّ، وليس بالتّقسيط. أي أنّها لا يمكن أن تُغفل عن مرحلة ما بعد الحداثة الآن لتولي اهتمامها لاختلاق مرحلة الحداثة أوّلاً ثمّ بعد أن يتمّ لها ذلك، تدخل مرحلة ما بعد الحداثة. فحداثة هذه المجتمعات لا يمكن أن تكون هي نفسها حداثة الغرب، وإلاّ كان ذلك تقليداً، وبالتّالي تكون حداثةً مضادّةanti-modernism . فمجتمعاتنا قبل رأسماليّة، الأمر الذي يعني أنّ أمامها مشوار طويل، طويل، في سبيل توطين العلم، نظريّاً وتطبيقيّاً، داخل نفسها بحيث ينطلق الابتكار والابتداع من الدّاخل، لا بتقليد الخارج. فإذا حدث هذا لها، عندها قطعاً لن تأتي حداثتُها متطابقة مع ما جرى في الغرب. سيكون هناك ما يجمعها كلّها بدالّة وحدة النّفس البشريّة، بمثل ما ستكون مفترقة عن بعضها البعض في عدّة وجوه وطبائع ووظائف. ولكن، في ظلّ عصر العولمة، وهو نفسه من آثار مرحلة ما بعد الحداثة بأوربّا، يصبح من الصّعب أن ننطلق لتحقيق الحداثة دون الإمساك بطرفها الذي يلينا من جهة أوربّا. فالتّقدّم النّظري العلمي لا يعرف الثّقافات، كما لا يعرف الأوطان؛ بينما عمليّة توطينه ليست سوى عمليّة فكريّة ثقافيّة. بجانب أنّ العالم اليوم أصبح أشبه بقرية كوكبيّة صغيرةglobal village . عليه، نحن مطالبون بأن نجترج حداثتنا في ظلّ انهمار المطر، مطر تكنولوجيا الغرب، فوق رؤوسنا. وما التّبلّل بهذا المطر إلاّ تأثّرنا بثقافاته، شئنا أم لم نشأ. فنحن، شعوب ما قبل الرّأسماليّة، عرضة لمؤثّرات مرحلة ما بعد الحداثة. ولهذا، عندما نتكلّم عن ’الحداثة‘، نتكلّم عنها على أنّها شيء يستجمع داخله جميع مراحلها التي مرّ بها الغرب. ففي مجتمعاتنا، وبخاصّةٍ تلك الآفروعروبيّة، مثل السّودان وموريتانيا، لا تزال مؤسّسة الرّق تحيا محميّةً بمؤسّسة الدّولة. فمثل هذه التّناقضات التي تعود إلى مرحلة ما قبل الحداثة بأوروبّا، تعيش في واقعنا متزامنةً مع الجامعات الوطنيّة التي تدرّس نظريّات النّسبيّة والكمّ، وهي الجامعات التي يختلف إليها طلبة لا تزال تُعشّش في أدمغتهم هذه الثّقافة العنصريّة الحوشيّة الآبدة. وعليه، يمكن لأحد الطّلبة أن ينجح في علومه التّقنيّة هذه، ثمّ ينجح في تصنيع تكنولوجيا متقدّمة، دون أن يكون في هذا أيّ قدر من الحداثة. فهذا الشّخص أشبه ما يكون بآلة بشريّة تعمل ضمن ماكينات وتروس حضارة الغرب. ولذا غالباً ما تهاجر مثل هذه العقول لتعيش بالغرب وهي في حالة تحوصل تامّ في ثقافاتها الآبدة.

ولكن، لا يزال السّؤال قائماً: هل يمكن أن تكون لدينا حداثة؟ الجواب بالطّبع ’نعم‘! ذلك لأنّ الحداثة تحتاج إلى إنسان يسعى كيما يعيش وهو يسيطر على بيئته بمقتدحات الدّماغ، أي بالفكر. أدناه سوف نقدّم تصوّراً اشتراطيّاً لتحقّق الحداثة في مجتمع متعدّد الثّقافات والأعراق والدّيانات كالسّودان.

تحتاج الحداثة كيما تتحقّق إلى وسط ثقافي. فالإنجاز الحقّ يحتاج إلى ثقافة لا تقبل بأيّ درجة من عدم الإتقان (الكلفتة). وحتّى يكون هذا في مقدورها كمتطلبّات أوّليّة للإنجاز، عليها أن تكون علميّة، بمعنى أن يكون المعيار العلمي الذي لا يقبل بأيّ درجة من الخلل error هو ديدنها، وإلاّ جاءت النّتيجة بغير المطلوب. وحتّى يتوفّر لهذه الثّقافة هذه الدّرجة من الإتقان الرّياضي، عليها أن تولي أمر التّعليم من مراحله قبل المدرسيّة إلى ما بعد الجامعة بالعناية الواجبة لتحقّق هذا الشّرط. وللقيام بهذا يحتاج العلم إلى أن يتمّ تشرّبه عبر لغة لا بدّ لها من أن تكون موطّنة، أي، أوّلاً، أن يتكلّم بها الطّفل كلغة أمّ، وليس كلغة ثانية؛ ثمّ، ثانياً، أن يكون هذا هو إحساس المتحدّثين بها، أي بأن يشعروا بانتمائهم إلى هذه اللغة وانتمائها إليهم. ولتفعل هذا، على هذه الثّقافة أن تحظى بدولة تقوم على المؤسّسات، تُشرف عليها وتُديرها حكومة مضبوطة بجهاز تشريعي وآخر قضائي مستقلّين عنها. ولا يمكن تحقيق هذا إلاّ في ظلّ نظام حكم ديموقراطي تتوافق فيه عناصر هذه الثّقافة على تثمينه واحترام الحرّيّة، شخصيّة ومؤسّسيّة. وبالطّبع، لا يمكن لجميع هذا أن يتحقّق إذا كانت هناك تيّارات متناقضة تتجاذب هذه الثّقافة بحيث يصعب أن تصل معه إلى قواسم مشتركة أو توافقيّات consensuses بخصوص الحداثة.

عليه، ليست الدّيموقراطيّة النّيابيّة بشرط لتحقّق الحداثة مطلقاً، ولو كنّا نعتقد بلزوميّتها في وضع كالسّودان. فقد تمكّنت دول كثيرة من اختراق حاجز التّخلّف مستشرفةً عصر الحداثة، مع أنّها خضعت كباقي دول العالم الثّالث لتجربة الاستعمار المدمّرة. فهناك دول مثل الهند، إيران، إندونيسيا، ماليزيا، كوريا، ثمّ أخيراً وليس آخراً الصّين. هذا بجانب بعض الدّول العربيّة التي، بمقارنتها مع الوضع في أفريقيا، يمكن أن نقول عنها إنّها قد اخترقت الحاجز. بين جميع هؤلاء تقف الصّين كنموذج جيّد. والمسألة ليست قائمة على المنجزات التّكنولوجيّة بطريقة استزراعها، ومن ثمّ المداومة عليها لفترة حتّى يتمّ توطينها. فهذا ليس الذي نعنيه، إذ لا يعدو كونه استزراعاً للتّكنولوجيا. فالمسألة لها بعدها الثّقافي في إطار مؤسّسة الدّولة. للتّدليل على العامل الثّقافي يمكن أن نُشير إلى أنّ ما تلتقي فيه جميع هذه الدّول هو أنّها قد حقّقت نهضتها النّسبيّة هذه عبر لغاتها وليس عبر لغات المستعمِر. هذا بينما تخلّفت أفريقيا جنوب الصّحراء وتدهور بها الوضع إلى أسوأ ممّا كانت عليه في فترة الاستعمار، كونها تجتمع في أنّها أرادت أن تنهض عبر لغات المستعمر. لهذا يواجه السّودان، بوصفه دولة أفريقيّة مستعربة إشكاليّة معقّدة. فهو يتكلّم باللغة العربيّة بينما يمكن لأيّ واحد منّا النّظر إلى اللغة العربيّة بوصفها غير موطّنة بدرجة كافية فيه، بما في ذلك اللغة العربيّة العامّيّة المأثورة عن الطّبقة المتعلّمة. ففي السّودان (بشقّيه) توجد مجموعات مقدّرة من شعوبه تقف اللغة العربيّة كحجر عثرة في طريق تعليمها، كونها ليست لغة الأمّ بالنّسبة لهم. وهذا هو نفس موقف اللغة الإنكليزيّة في حال استخدامها كلغة للتّعليم في السّودان. بالطّبع تمتاز اللغة العربيّة بأنّها اللغة المشتركة lingua franca للغالبيّة السّاحقة من الشّعب؛ بينما تتميّز اللغة الإنكليزيّة بأنّها اللغة التي يتدفّق بها العلم في العالم. إلاّ أنّ أزمة اللغة العربيّة في السّودان أنّها ظلّت تُقدّم من قبل الدّولة بذات الطّريقة التي قُدّمت بها لغات المستعمر في أفريقيا، ألا وهو قانون الإزاحة للغات الأفريقيّة مقابل الانتخاب الرّسمي الحكومي للغة الرّسميّة.  فبينما قد تنجم عن التّكلّم باللغة العربيّة حالة من التّبعيّة للعرب (وهي أمّة لا تزال تغالب التّخلّف في جملة مشاكل أخرى)، تنجم عن اللغة الإنكليزيّة حالة لحوق بالعالم المتقدّم كونها قد حقّقت درجة كبيرة من الاستقلاليّة عن عرقيّتها. من جانب آخر، إذا كان هذا من أفضال اللغة الإنكليزيّة، ففيم إذن تخلّفت الدّول التي اتّخذتها كوسيط تعليمي؟

تكشف لنا هذه المناقشة الضّرورة الماسّة لتخطيط لغوي وطني بالسّودان. وهذا أمر تزداد صعوبته كلّ يوم في ظلّ الشّرخ الذي قد لحق بهويّة السّودان عقب فصل الجنوب. فإذا لم يكن في مقدور الأفارقة المستعربين بالسّودان أن يتعايشوا في أمان مع الأفارقة الذين لن يتمّ استعرابهم بعد، فهذا يعني أنّ مؤسّسة الدّولة بالسّودان تعمل بكلّ ما في وسعها لإعادة إنتاج أزماته النّاتجة عن عدم مقاربته لأيّ حداثةٍ كانت. وفي رأينا أنّ هناك إمكانيّة للخروج من هذا المأزق إذا ما نظر السّودان إلى جميع اللغات المتكلّم بها فيه على أنّها متساوية من حيث رعاية الدّولة لها، وتوفير فرص التّعلّم بأيّ واحدة منها، بما في ذلك اللغة العربيّة والإنكليزيّة. ويكون ذلك باتّباع سياسة التّعدّديّة اللغويّة في التّعليم، بدلاً من أحاديّته. ففي أيّ منطقة يكون بها وعي ثقافي بهويّة غير العربيّة يكون من المفيد بدء التّعليم فيها بمبدأ التّعدّديّة اللغويّة، كأن يكون التّعليم بجميع اللغات، تلك المحلّيّة، ثمّ العربيّة، فالإنكليزيّة. وهذا ما يستوجب سياسة لغويّة مرفّعة من القطاعات الدّنيا للمجموعات صاحبة اللغات الأفريقيّة، ومنزّلة في نفس الوقت من الدّولة في شكل مناهج. ويكون العمود الفقري لهذه السّياسة هو التّصالح اللغوي، بدلاً عن الاحتراب اللغوي (انظر محمّد جلال أحمد هاشم، 1997).

على أيٍّ، أدناه سوف نقوم بتلمّس تعريف إجرائي للحداثة يخدم أغراض هذا الكتاب دون تجاوز لتاريخانيّة الحداثة من حيث هي ظاهرة اجتماعيّة ثقافيّة. فما هي الحداثة وفق رؤيتنا الثّقافيّة هذي؟ الحداثة هي مشروع استنارة ينبثق من داخل المجتمع المعني في ظرف تاريخي بعينه يكون فيه بحاجّة ماسّة لابتداع أساليب جديدة في التّفكير والسّلوك بما من شأنه أن يحقّق للمجتمع درجة أكبر من التّعامل والتّواؤم مع البيئة والطّبيعة، ومع البشريّة، ذلك عبر استمراريّة زمكانيّة، أي دونما انقطاع بين ماضيه وحاضره ومستقبله، أي أصالته ومعاصرته، ليس تحقيقاً للرّفاهيّة فحسب، بل تحقيقاً للذّات الإنسانيّة، أي تحقيقاً لقيم الحرّيّة والعدل والسّلام، أي النّهضة. وبما أنّ هذه الاستنارة واحتمالات النّهضة النّاجمة عنها لا مناص لها من أن ترتبط بالعلم، يبقى على المجتمع الذي يأمل أن يحقّق هذا الاختراق فيما يتعلّق بمحافظته على هويّته وتحقيق الاستنارة أن يكون علميّاً وأصيلاً في الوقت نفسه. فكما يقول برتراند رسل (1968: 1) «تواجد العلم، بوصفه العامل المسيطر في تحديد معتقدات النّاس المتعلّمين، لقرابة 300 عاماً؛ وتواجد، بوصفه مصدراً للتّكنيكات الاقتصاديّة، لحوالي 150 عاماً. في هذه المدّة القصيرة، أثبت العلم أنّه، وبطريقة لا تصدّق، أقوى طاقة ثوريّة. فعندما نضع في الاعتبار حداثة صعود العلم إلى هذه السّلطة، نجد أنفسنا مرغمين إلى تصديق أنّنا في بداية طريق طويل سيعمل فيها العلم على تغيير الحياة البشريّة». لقد عبرت البشريّة مراحل ضخمة خلال الثلاثمائة عام الماضية، بها تمكّنت من تجاوز الاعتقاد في الأرواح الشّرّيرة والسّحر ودورهم في إحداث الكوارث كتجلّي لغضب السّماء إلخ. كما عبر العلم نفسه تجاوزت البشريّة اعتقادها بأنّ الأرض هي مركز الكون. وكان لتقدّم الرّياضيّات والفيزياء والكيمياء الدّور الأعظم في تحقيق هذه النّقلات الاستناريّة الضّخمة التي نتعامل معها الآن كمسلّمات. ولهذا لا مناص من أن يسود التّفكير العلمي.

في سبيل توجيه مجتمع بعينه لاستشراف الحداثة، ينبغي أن يعمل الفكر على تحديد العقدة التي عبر الاشتباك معها يصبح معتقلاً في زنازينها، لا يقدر على أن يجترح منها فكاكاً، كما لو كان لا يبغي ذلك. في حالة الشّعب السّوداني الخاضع للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، تتحوصل هذه
العقدة، في رأينا، في جملة قوالب سلوكيّة متشابكة ومتحالفة مع بعضها البعض، تقف على رأسها بُنى الوعي التّناسليّة والبرجوازيّة وفق نظريّة التّحليل الفاعلي التي قام بتطويرها الشّيخ محمّد الشّيخ (1987؛ 2001؛ انظر مناقشتنا لهذا في الفصل الثّامن) والوعي الإثني والدّيني (مع عدم قفل الباب لأيّ بُنى أخرى). وفي رأينا أنّ استشراف الحداثة يحتاج إلى تحرير المجتمع من رِبْقة هذه البنى وتفكيك تحالفاتها. وهذا ما نسعى إلى القيام به هنا. إذ لا يمكن لأيّ مجتمع شُغلُه الشّاغل هو ملبس النّساء وسلوكُهنّ من اختلاطٍ بالرّجال من عدمه، أو تتبّع شاربي الخمر لجلدهم إلخ، أن يستشرف الحداثة بمعنى أن يصنع الحياةَ ويُنتجُها في هذا العصر.

 

أزمة الحداثة في المجتمعات الإسلاموعروبيّة

تكمن أزمة مجتمعاتنا مع الحداثة في أنّ شعوبنا من المفترض أن تتبنّى أشكالاً بعينها من الحداثة لم تجترحها من عندها، بل جاءتها كقوالب جاهزة، ذلك كونها قد تمخّضت وتشكّلت في بيئات زمكانيّة مغايرة. فالحداثة هنا لا تأتي تطوّراً، بل ضربة لازمٍ by default . وعلى هذا جاز لشكل الحداثة العام والخارجي أن يتمّ تبنّيه في مجتمعاتنا دون أن يكون في هذا حداثة، وربّما كانت حداثةً مضادّةanti-modernism. ولا تُلام مجتمعاتنا على هذا، فقد باشرتها حداثةُ الغرب عبر عصا الاستعمار الغليظة. ولكن من ينبغي أن يلام؟ إذ لا بدّ من موطئ للمسئوليّة! هل تلام الصّفوة التي من المفترض فيها، بحكم تعليمها، أنّها قادرة على أن تستقلّ بنفسها عن الواقع المزري، فتنظر إليه عن كثب، ومن ثمّ تدبِّر أمرها في كيف تقوم بتغييره من داخله، أي انطلاقاً من تراثه وثقافته، تحقيقاً للحداثة وفق الشّروط الخاصّة بالمجتمع، وليس بجلبها من الخارج كالملابس الجاهزة؟ فقد خرجت شعوبنا من الاستعمار وقد أُلبست قُمقُم الحداثة الغربيّة، ولا تزال ترزح تحت نِيرِه، فتزداد تشوّهاً. فمن في مقدوره أن يخرجهم من هذه الحلقة المفرغة غير الصّفوة؟ نعم على الصّفوة أن تجترح لها مشروعاً فكريّاً به تقارب أمر الحداثة نهوضاً بمجتمعاتها، وهو ما نحاوله هنا.

إذن، يتعلّق المشروع الفكري الذي نحن بصدده الآن حول الحداثة وكيفيّة استشرافها، دون أن نفقد في سبيل ذلك هويّتنا وجميع مناحي الأصالة في ثقافاتنا الوطنيّة. فمجتمعاتنا، التي رزحت سنين عددا تحت نِير الاستعمار، تواجه تحدّياً كبيراّ، لم تتمكّن الغالبيّة السّاحقة منها في فصم عرى الحلقة المفرغة التي وجدت نفسها تدور وتدور فيها، كما لو كانت إلى ما لا نهاية. فمن الواضح أنّ التّقليديّة traditionalism في مواجهة الحداثة modernism، من حيث كونهما مرهونتين بالتّقدّم المادّي والتّكنولوجي، تمسكان بخناق هذه المجتمعات. ولكن هناك وجهاً آخر للمشكلة. فالتّقليديّة والحداثة لا تنكفئان على حالة التّكنولوجيا؛ بل لهما تجلّيات ثقافيّة وفكريّة وسلوكيّة عامّة بها يمكن أن نمايز بين النّمطين. نقول هذا وفي الخاطر محذور أن ننظر إلى هذه التّجلّيات على غرار شخصين يسيران في الشّارع، أحدهما تبدو على سيماه التّقليديّة والآخر تبدو على سيماه الحداثة. فبالطّبع، الكثير ممّا يمكن النّظر إليه باعتباره من التّجلّيات، الفكريّة منها بوجه خاص، يمكن النّظر إليها أيضاً وبتوفيق أكبر على أنّها بُنى تحتيّة parameters  للحداثة في الغرب. وتتعقّد المسألة أكثر بما تنطوي عليه من تناقضات paradoxes؛ إذ يمكن الحصول على التّكنولوجيا دون التّوسّل إليها بذات الطّريق الطّويل الذي جعل منها منتجات متوطّنة في البلاد التي أنتجتها، وبالتّالي دون الوقوع في محظوراتها الحداثويّة التي عصفت بالبُنى التّقليديّة منذ ما يزيد على القرنين، بخاصّة في المراكز الحضريّة ـ ولكن ليس مجّاناً. إذ قد تبلغ فاتورة استيراد التّكنولوجيا سعراً أخلاقيّاً خرافيّاً. فالتّكنولوجيا ليست مجرّد آلة بريئة، بل هي متورّطة أيديولوجيّاً بنفس درجة ذرائعيّتها. أولا ترون كيف هلّ علينا زمان رأينا فيه الحفاةَ، العراةَ يتطاولون في البنيان، ويستبدلون سابحات نوقهم وجيادهم بفارهات السّيّارات يقودونها كما لو كانوا يمتطون ظهورها. ومع هذا لم يبلغوا شأواً في الحداثة.

فالتّبعيّة الاقتصاديّة التي تورّطت فيها دول العالم الثّالث إزاء دول العالم الأوّل هي في أساسها تبعيّة ثقافيّة. تحدث هذه التّبعيّة عندما لا يكون هناك فكر وطني استقلالي لهذه المجتمعات المتخلّفة، به تستشرف منهجاً راشداً للاستفادة من المنتجات التّكنولوجيّة المادّيّة المتقدّمة التي يصدّرها لها العالم الأوّل، مع التّخطيط والعمل لإنتاجها في لحظة مرصودة من المستقبل، بغية توطينها. فقد يتمكّن مجتمع متخلّف من الحصول على التّكنولوجيا وجميع الامتيازات المتطوّرة التي ينتجها العالم الأوّل، ومع ذلك يظلّ يعاني من الدّونيّة والإحساس الرّاكز بصغاره، أي بالتّبعيّة كحالة ثقافيّة مستشرية في الشّعب، وبالتّالي كحالة تبعيّة حضاريّة.

عادةً ما يذهب النّاس إلى ضرب أمثلة متعلّقة بالاحتكاكات الأخلاقيّة، ذلك عندما يُمثّلون لإشكاليّة الحداثة، مثل قضايا النّوع gender، دع عنك قضايا ما بعد الحداثة، من قبيل المثليّة homosexuality. لكنّنا سنحاول لفت الأنظار إلى القضيّة من زاوية مختلفة تماماً عن ذلك. وسيكون المثال مستمدّاً من واقع حياتنا اليوميّة بالسّودان، وتحديداً من الخرطوم (بوصفها مرتكز الحداثة افتراضاً، كونها عاصمة البلاد)، مع كامل علمنا بأنّ ذلك قد يكون حال العديد من المدن، بل البلدان، الأخرى المماثلة. هذا المثال يتعلّق بقيادة السّيارات وطريقة ركنها. فنظرة عابرة للطّريقة التي يوقف parking ويُركِنُ بها أكثر أهل الخرطوم سيّاراتِهم يمكن أن تخلق انطباعاً بأنّ القوم يقودونها بنفس ثقافة قود الحمير. فالحمار إذا نزل عنه صاحبه دون تقييده، يستطيع أن «يضاير» نفسه كأن يلجأ إلى أقرب ظلّ أو موقع كلأ؛ إلاّ أنّ ذلك ليس في مقدور السّيّارة، إذ تظلّ في مكانها لا تبرحه قيد أنملة، ولو كانت تسدّ على النّاس منافذ الهواء ومشارع الطّريق. ولكن ليس هذا إلاّ جزء من المشكلة؛ فهناك جزء آخر خفي قد لا يلحظه الكثيرون وذو ارتباط مباشر بمسألة السّلطة. فهذا الشّخص الذي يقود سيّارته كما لو كان يقود حماره، يستصحب في داخله كلّ ثقل سلطة المستعمر ممثّلةً في «الخواجة» الذي كان على النّاس جميعهم أن يترجّلوا عن حميرهم تبجيلاً له أوّلاً، ثمّ إفساحاً للطّريق. كما كان عليهم أن يحتملوا صاغرين ثقل سلطته المستمدّة من سلطة المستعمر الطّاغية، ذلك عندما ينزل عن حصانه (لاحقاً، تُقرأ: عن سيّارته)، فيتركه في منتصف الطّريق كيفما اتّفق له، فيسدّ على النّاس الطّريق. فالموضوع (تميّز قيادة سيّارة) مرتبط، كما نراه، بالإحساس بالتّفوّق السّلطوي. وتعود المسألة إلى تاريخ ضارب في القدم، فهي امتداد لما كان يُحسُّه المرء من زهو واعتداد وتكبّر (سلطة) عندما يمتطي صهوة الحصان (مثلاً، بدءاً من امتطاء الحمير وما تلى ذلك من دواب كالجمال والأفيال إلخ). إذ مبدأ ومنشأ علوّ الشّأن والمكانة تعود في الأصل إلى ارتفاع الإنسان عن الأرض بما يجعله ينظر إلى الآخرين من علٍ، وهذا ما كان يتمتّع به الملوك، ولهذا ابتنوا لأنفسهم العروش المرتفعة، وسكنوا القصور العالية. ولا يزال ذلك القالب السّلوكي (الملوكي) مستمرّاً إلى يومنا هذا بعد أن انداح وانتشر فيما ذهبت به الأماني والطّموحات، إذ يتجلّى فيما يفعله عامّة النّاس من تجميل وتزيين لدوابِّهم وسيّاراتهم (ودرّاجاتِهم وركشاتهم) كما لو كانت خيولاً مطهّمة. وتكمن جرثومة الإحساس بالتّفوّق السّلطوي في كلّ هذا في نقطتين أساسيّتين، أولاهما النّزعة إلى الانفصال عن النّاس علوّاً وحيازةً (أي النّزعة إلى الاستقلال عنهم دونما نزعة إلى الاستغناء، أي بما يمكّنه من تكريس سلطة المرء عليهم)؛ وثانيتُهما هي امتياز السّرعة، بكلّ ما تشمل من تفوّق يقوم على اختصار الزّمن ومعالجة الأمر الماثل بسرعة خاطفة (أكانت قتلاً للآخر أم قطعاً لمسافة إلخ). تخلق هاتان النّقطتان تميّزاً كبيراً من حيث التّفوّق السّلطوي، أكان ذلك في الحروب أم في جميع أوجه الحياة. فالإنسان ليس سوى كائن زمكاني عاقل ومفكِّر.

وهكذا يمكننا بكلّ يسر أن نلاحظ كيف سافر هذا القالب السّلوكي عبر العقود القليلة الماضية التي تفصلنا عنه عندما كان ممارسةً يوميّة. ليس هذا فحسب، بل لأنّ ثقافة قود السّيّارات تستبطن معها كلّ عوامل الكِبَر والخُيَلاء، إن لم تكن العجرفة، التي صاحبت تدشين أوّل سيّارة في البلاد على يد المستعمر أوّلاً، ثمّ قليلاً قليلا على يد بعض بيوتاتٍ طائفيّة ثريّة أوهمت نفسها والنّاس بأنّها تحتلّ موقع الطّبقة الأرستقراطيّة، ثمّ القلّة من الأثرياء الذين أرادوا حشر أنفسهم في موقع الطّبقة البرجوازيّة الواهمة. وتبلغ المفارقة قمّتها لأنّ كلّ هذا يحدث في مجتمع ما قبل رأسمالى، الأمر الذي يكشف تشوّهات القالب السّلوكي. بهذا يكون عامّةُ سائقي السّيّارات (إلاّ من رحم ربّي)، قد جمعوا بين التّقليديّة والحداثة في قالب سلوكي شائه لا يمكن عبره أن نُقارب حداثة صناعة السّيّارة نفسها التي يقودونها، دع عنك استشراف عصر صناعي متوطّن. من الممكن أن تقوم صناعة متقدّمة في البلاد، إلاّ أن ذلك لا يعني أنّها متوطّنة بما يعني أن تكون قد أصبحت جزءاً من البُنى التّحتيّة التي تنتج لنا ثقافتنا الوطنيّة دون استلاب. فمجرّد تنبيه بسيط ومهذّب لمثل هذا السّائق إلى سلوكه الأخرق الذي لا يعرف شيئاً عن مبادئ احترام الطّريق، قد تكون كافية لتُثير كلّ الغضب الاستعماري الذي كان عليه «الخواجة»، مع فارق بسيط يكمن في أنّ الأخير كانت له بالفعل سلطات غاشمة وباطشة، بينما الأخير لا يملك غير تكشيرة النّمر، وما هو بنمر. مثلاً (ولنقل في الخرطوم ـــ العاصمة)، تخرج من محلّ عام لتجد سيّارتك محنجزة من قبل سيّارة اخرى، ولنفترض أنّ امرأة شابّة (أو رجلاً شابّاً) تقودها. تنظر إلى السّيارة الجديدة وهي تلمع، ثمّ تنظر إلى صاحبتها التي تتبختر خُيلاءً وهي خارجة لتحرير سيّارتك المحتجزة في تعالٍ وتكبّر لا لشيء سوى امتلاكها لهذه السّيّارة، ثم تقرن كلّ هذا بسلوكها الأخرق الذي لا علاقة له بثقافة قيادة السّيّارات وفقما وضعته الشّعوب التي صنعتها، فلا تملك إلاّ أن تشعر بالأسف. فلو أنّا كنّا في أيٍّ من البلدان التي صُنعت فيها هذه السّيّارة التي تُعامل معاملة الدّواب، لما احتاج المرء إلى أن يقوم بتنبيه هذا المالك/ـة الأخرق (الخرقاء). ففي تلك البلاد التي تُصنع فيها هذه التّكنولوجيا، يغيب مالك السّيّارة لدقائق معدودات في بعض شئونه بعد أن يركن سيّارته بطريقة لا تراعي حقّ الآخرين في الطّريق، ليعود فلا يجدها، إذ تكون السّلطات قد جرّتها عقاباً له، أو يجد غرامة مالية في حقّه جرّاء تجاهله لحقوق الآخرين في الطّريق.

 

الدّولة: الإطار المؤسّسي لمشروع الحداثة

الدّولة هي المؤسّسات التي عبرها يمارس الحكم. وتقوم الدّولة على أساسيين مادّيّين هما الشّعب والأرض، وتكون وظيفتها تجميع وتركيز الإرادة العامّة وتكريسها لهذا الشّعب بما من شأنه أن يجعله قادراً على فرض سيطرته على البيئة التي يعيش فيها، بما من شأنه أن يحقّق الحرّيّة والعدل والسّلام، ذلك عبر العديد من المؤسّسات المتعلّقة بتفويض وتخويل السّلطة بحيث يكون للدّولة حقّ استخدام القوّة المادّيّة القسريّة. بالرّغم من أنّه لا يمكن أن تكون هناك دولة بلا شعب، أو دولة بلا أرض، يمكن أن يكون هناك شعب بلا دولة وكذلك أرض بلا دولة. فمؤسّسة الدّولة شيء استحدثته البشريّة لضرورة متطوّرة لاحقاً. كما هناك فرق بين الدّولة وبين الحكومة؛ فالدّولة أشبه ما تكون بالسّيّارة، بينما الحكومة هي السّائق. أكثر ما يميّز مؤسّسة الدّولة هو استنادّها على السّلطات المفوّضة من القاعدة إلى المستوى السّياسي بغية تحقيق المنفعة العامّة (وهذا مصدر سلطاتها)، ثمّ استفرادُها بحقّ استخدام القوّة المادّيّة القسريّة. وفي الحقّ هذه هي الأطر العامّة التي انتهى إليها لفيف من العلماء الذين نظروا في أمر مؤسّسة الدّولة، مثل ماكس فيبر، روسو، هيغل ومونتيسكيو ودوركايم وماركس وكثيرون غيرهم، ولو تباينت آراؤهم في ترجيح أهمّيّة جانب على الجوانب الأخرى.

إذن، الدّولة هي المؤسّسة التي عبرها وبها يتمّ تركيز الإرادة الجمعيّة للشّعب وللأمّة. وما الإرادة الجمعيّة إلاّ مجموع قدر من السّلطات الفرديّة التي كان من الممكن أن يحتفظ كلّ على حدة بالتّمتّع بها، لولا أن رأى النّاس ضرورة تجميعها وتوحيدها في إرادة عامّة لهم، تحقيقاً لمصلحة عليا ينعمون بها جميعاً. ومسألة الإرادة الجمعيّة هذي تحتاج إلى مزيد من التّوصيف والتّشريح؛ إذ هي في أصلها وفي تجلّياتها ثقافيّة، أي تشتمل على جميع الجوانب المادّيّة وغير المادّيّة. فإن كانت الجوانب المادّيّة من السّلطة التي تنطوي عليها مؤسّسة الدّولة ملموسة أكثر ممّا عداها، إلاّ أنّ شقّها غير المادّي هو الذي يحيط به الغموض لأنّه يبدو كما لو كان غير ملموس. إذن إرادة الأمّة ليست فقط مسألة مادّيّة؛ إذ تنطوي على تركيز الإحساس بالقيمة الإنسانيّة لكلّ فرد بصرف النّظر عن وضعه المادّي.

الطّوعيّة هي أصل الإرادة الجمعيّة ومبتدؤها، وهي التي تخلق لنا تماثل المواقف، أو حالة من التّوافقيّة consensus، عبرها تتركّز الإرادة العامّة، وإلاّ فسوف يكون حمل النّاس على الموافقة القسريّة والإذعان كالسّوس ينخر في جذع الدّولة إلى أن يوردها موارد الهلاك. وهذه قضيّة هامّة للغاية، ذلك أنّ غاية التّسلّط الذي فشا بعد ذلك عبر مؤسّسة الدّولة كانت دائماً بلوغ شكل من الشّرعيّة القائمة على الاتّفاق الطّوعي، حتّى لو كان ذلك شيئاً متوهّماً نجم عن الخضوع المطلق. ففي حالات بعينها قد يسعى الحاكمون، أشخاصاً كانوا، أم طبقة، أم أسرة، إلى فرض سيطرتهم على المجتمع، اسثماراً وتوجيهاً للإرادة الجمعيّة. وهم إذ يفعلون هذا يسعون معه إلى إيهام عامّة الشّعب بأنّ إذعانَهم هذا ليس سوى توافقيّتهم الطّوعيّة. فهم، كما قال بذلك روسو في العقد الاجتماعي (1987)، يريدون تحويل القوّة إلى حقّ، والإذعان والطّاعة إلى واجب، أي أن يقوموا بتحويل الضّرورة القاهرة إلى أخلاق، أي إلى جمال.

اتّفاق النّاس طواعيةً على أمرٍ ما، لا شكّ، تتمخّض عنه سلطة كبيرة. حتّى اتّفاقُهم على قيم بعينها، مثل الشّرف، أو مثل الاعتقاد بسموّ عرق على آخر. فجميع هذه التوافقيّات consensus ممّا لا غنى للسّلطة عنه، ذلك أنّها تمثّل أحد أهمّ آليّات التّفاعل الثّقافي فيما يتعلّق بتداول السّلطة على وجه الخصوص. في هذا، نذهب مع أبّكر آدم إسماعيل من حيث تبنّى أحد المفاهيم الحديثة التي أضفت على مؤسّسة الدّولة بعداً جديداً، ألا وهو مفهوم بيير بورديو (1998؛ 1991) حول رأس المال الرّمزي والعنف الرّمزي، واحتجاجه بأنّ مؤسّسة الدّولة تستند على هذه الأنماط من القوّة سواء بسواء مع رأس المال الاقتصادي. يذهب بورديو إلى أنّ تفسير الظّاهرة التي ننوّه إليها في العديد من صفحات هذا الكتاب، ألا وهي نزعة مستعربي السّودان الطّاغية إلى الانتساب إلى أرومة العرب العاربة بعموم، وإلى النّسب القرشي بخاصّة ثمّ النّسب النّبوي بصورة أخصّ، باعتبارها رأسمالٍ رمزي به يكتسبون السّلطة التي لا محالة ستفضي بهم إلى مشارف سلطة الدّولة. ولكنّا نحجمُ عن استعمال مصطلحاته وهي في قوامها إيّاه، إذ تكمن مراجعتنا في أنّنا ببساطة نقوم بتجريد فهمه من شراشفه الاقتصاديّة، أي نجرّده من تزيّنه اللفظي برأس المال، ليصبح مجرّد آليّة للصّعود السّلطوي وفق هذه المعياريّة الثّقافيّة. وفي رأينا أن السّياق الغربي هو ما دعا بورديو إلى النّظر إلى هذا العامل الهامّ عبر مصطلحات علم الاقتصاد السّياسي المادّي. وتكمن أهمّية تشكّل هذه التّوافقيّة في كونها المُزلِقlubricant  الذي تحتاجه عمليّة ممارسة السّلطة بحيث لا تحتاج إلى استخدام القوّة المادّيّة القسريّة، أي عنف الدّولة، أو العنف غير الشّرعي، أي خارج مؤسّسسات الدّولة.

 

الصّفوة والانحراف نحو القهر 

يفضي عدم تمكّن الصّفوة من تحقيق الدّرجة المطلوبة من التّوافقيّة لا محالة إلى وضع تستعصي فيه عمليّة مزاولة السّلطة بطريقة بنّاءة، أي كأن يكون الاختلاف حول تداول السّلطة مدعاةً للتّطوّر. ومن البدهي الزّعم بأنّ أشكال التّوافق التّقليديّة، مثل توافق عامّة الشّعب البريطاني على أحقّيّة مؤسّسة الملَكيّة، أو توافق قطاعات من الشّعب السّوداني على سموّ درجة بعض البيوتات المنتسبة للبيت النّبوي بما يزكّيهم للسّلطة، نسبيّة وليست مطلقة، وبالتّالي قابلة للتّغيير. الفرق بين المثالين أعلاه يكمن في أنّ الأوّل (الملكيّة في بريطانيا) قد حقّق توافقيّته المطلوبة لتسنّمه السّلطة عبر القهر المطلق والمؤسّس والطّويل، ومن ثمّ شرع في إرخاء قبضته، بينما الثّاني (الطّائفيّة في السّودان) لم يتحقّق لها هذا، وبالتّالي لم تكتسب بعد أيّ درجة من المشروعيّة.

القهر المطلق الذي نتحدّث عنه هنا ليس حرّ الإطلاق، بل هو نفسه نسبي؛ فبالنّسبة لأيّ شخص سوي يصبح القهر مطلقاً إذا ما أدّى إلى انكساره. فالإطلاق هنا محدود بحدود الشّخص المعني. فالبطش والتّنكيل لا يقاسان بدرجات من حيث الإنسانيّة، ذلك كونهما غير إنسانيّين بدءاً. ولكنّ البطش والتّنكيل يمكن أن يقاسا من حيث النّسبيّة والإطلاق. وهذا الإطلاق هو نفسه محكوم بحالة الضّحيّة. ويمكن للقهر المطلق أن ينتهي بتطويع وكسر الآخر (ولنقل المعارض السّياسي) الذي يتعرّض له، ومن ثمّ تحويله إلى موالاة الوضع القائم باعتبار استحالة تغييره. وقد كان هذا عين التّكتيك الذي اتّبعه الطّغاة في كلّ زمانٍ ومكان. من ذلك ما اتّبعه الأمويّون ومن بعدهم العبّاسيّون في سبيل توطيد أركان حكمهم. وقد بلغ الأمر بالأمويّين إلى أن يُعملوا السّيفَ في كلّ من ناوأهم من المسلمين، لا يرعون فيهم إلاًّ ولا ذمّة؛ من ذلك استعدادُهم النّفسي والأخلاقي لذبح آل البيت رغم ما كان يحيط بهم من قدسيّة. ومن هنا سيطر على عامّة النّاس الفهم بالقدريّة، أي أنّ ما يحدث هو إرادة الله (كما لو كانت هناك حالة خارج دائرة الإرادة الإلهيّة). فقد حسبوا أنّه لا قبل لهم بتغيير الواقع طالما أنّ الإرادة الإلهيّة هي التي تقف وراء ما يجري لهم. فإذا كان الأمر كهذا، فلا يبقى لهم غير التّسليم، إذ من أين لهم بمقاومة الإرادة الإلهيّة! وهذا عين ما تحاول مجموعة الإنقاذ أن تفعله في سودان اليوم. وبالفعل رأينا العديد من الشّخصيّات التي ذاعت شهرتُها بمناوءة جماعة الإنقاذ في مصادر فكرهم وتنظيماتهم السّياسيّة لسنوات، وربّما لعقود، وقد تحوّلوا إلى موالاة النّظام القائم، إذ رأوا ألاّ فائدة تُرتجى من مقاومة النّظام من الخارج، بل الأجدى والأنجع هو الانضمام إليه. ولكن هذا لا يعني ذهاب موالاتهم للإنقاذ بلا تأثير. إذ من الطّبيعي أن ينجم عن انضمامهم إلى الإنقاذ إحداث تغييرات كبيرة في بنيّة التّنظيم وتفكيره؛ وفي الحقِّ يمكن أن يُعزى الكثير من التّغيير والحدّ من غلواء الإنقاذ الأيديولوجيّة، وبخاصّةٍ فيما يتعلّق بانفتاحها على المجتمع السّوداني، إلى هؤلاء القادمين الجدد. ولا يعني ما نقول إبراءً لذمّة هؤلاء في موالاتهم للطّغيان؛ فهم هنا أشبه بالملامتيّة: عليهم أن يتحمّلوا مسئوليّة خياراتهم وما صنعت أيديهم.

يرى ميشيل فوكو، في الانضباط والعقاب (1975)، أنّ وظيفة الحكومة هي توجيه، وليس بالضّرورة تشكيل، سلوك النّاس. ولكن في ظروف بعينها قد تقفز مؤسّسة الحكومة قفزات غير مسبوقة في شكل العقاب الذي تجترحه لفرض شكل بعينه من الانضباط. في هذا لا يجد المرء من بدٍّ من الإشارة إلى الأساليب العقابيّة المشتطّة التي باشرت بها الحركة الإسلاميّة في السّودان عهدها في ظلّ ما يعرف بنظام الإنقاذ الذي سيطر على الدّولة عام 1989م. وهذا يشير إلى موضوع هام يتعلّق بموضوع الانحراف السّياسي الذي قد يحدث للحكومة أوّلاً، ثمّ يعمل على أن يتحوّل إلى مؤسّسة باعتلاقه بمؤسّسة الدّولة. وهذا في رأينا أقصى حالة لانتفاء الطّوعيّة، وهذه هي اللحظة التي يأمل فيها الحاكمون أن تنفلق حبّة كلّ هذا القهر المشتطّ عن شكل من أشكال التّوافقيّة تقوم على إعطائهم الحقّ المطلق في إنفاذ وتسيير الأمور. وهذا هو الشّرط الذي تشترطه الدّيكتاتوريّة لإرخاء قبضتها؛ أن تقوم هذه التّوافقيّة على عدم منازعتها الأمر

 

الصّفوة وإدارة الدّولة: الإنقاذ نموذجاً

تنطوي مؤسّسة الدّولة على تناقض فيه تكمن جدليّتُها، يتلخّص في أنّها تعمل في جانب من وظائفها على تركيز الإرادة الجمعيّة، وفي جانب آخر ينبغي أن تعمل على توزيع عائدات منتجات هذه الإرادة الجمعيّة على جميع أفراد وقطاعات الشّعب بعدالة؛ أي التّركيز والتّشتيت. وهذا التّناقض هو مناط جدليّة مؤسّسة الدّولة كجسم مستقلّ عن الشّعب في علاقتها بالشّعب نفسه. ولهذا تتأتّى احتمالات انحراف الحكومة القائمة بأمر الدّولة بحيث تنكفئ على شقّها الأوّل، أي تركيز الإرادة الجمعيّة، دون إيفاء الشقّ الثّاني. ويجوز النّظر إلى الشّقّ الأوّل على أنّه حقّ الدّولة على الشّعب، بينما يجوز النّظر أيضاً إلى الشّقّ الثّاني على أنّه حقّ الشّعب على الدّولة. وما دور الحكومة إلاّ تنفيذ هذه العمليّة بالعدل والقسطاط ما وسعها الأمر. فهذا الانحراف إنّما يعني أنّ القطاعات المتنفّذة في الدّولة (وهي صفوة المجتمع بالضّرورة)، أي التي تسيطر على الحكومة، قد شرعت في توظيف عائدات منتجات تركيز السّلطة والإرادة العامّة إمّا لصالح نفسها أو لصالح قطاعات بعينها، ذلك على حساب قطاعات أخرى.

ما يميّز مؤسّسة دولة المواطنة عمّا عداها التزامُها بمنهجين أدائيّين، هما الدّيوانيّة (أو المكتبيّة) أو البيروقراطيّة Bureaucracy، ثمّ الحياديّة غير المتشخصنة إزاء المواطنين Impersonal Neutrality فهذان الشّرطان لازمان لضمان النّزاهة وعدم الفساد وضبط الأداء دون الانزلاق في المحسوبيّة. فبهما يشعر المواطن العادي بمساواته مع المواطن غير العادي، أي ذلك الذي ينتمي إلى طبقة متميّزة اقتصاديّاً أو سياسيّاً أو اجتماعيّاً. بخصوص نظام الإنقاذ نلاحظ أنّ الحركة التي رادته هي تنظيم الإخوان (عبر تقلّبات أسمائها المختلفة) الذي ظلّ يناضل لحوالي خمسين عاماً في تجرّد ومثابرة جديرين بالإعجاب والتّزكية، متحدّياً في ذلك أنظمة استبداديّة متجبّرة، ومقدّماً تضحياتٍ جساماً تعلّقت بالمال والولد والرّوح (ثالوث التّضحيات)، حتّى إذا تمكّن التّنظيم أخيراً من الوصول إلى سُدّة السّلطة والحكم، باءت الحركة بخسرانٍ مبين. ووجه التّأمّل والتّفكّر هو كيف حدث لها هذا! لقد انزلقت قدم هذه الحركة المثابرة في مرقاها الصّعب هذا عندما تعثّرت بحجرين صغيرين، فإذا بها تهوي من حالقٍ كما يهوي جلمود الصّخر. ولا غرو، فانزلاق الأقدام في مراقي الجبال لا يحدث بكبير الصّخور والأحجار، بل بصغيرها وأهونها. هذان الحجران الصّغيران هما ما أشرنا لهما أعلاه: انتهاك حرمة ديوانيّة وبيروقراطيّة الدّولة (الحجر الأوّل)، ثمّ انتهاك حرمة حياديّة الدّولة إزاء مواطنيها (الحجر الثّاني). فمثلاً، تقتضي بيروقراطيّة الدّولة فيما يتعلّق بالمال العام أن تتدفّق مدخلاته ووارداته إلى وزارة الماليّة عبر أورنيك بعينه (أورنيك 15)، ثمّ بعد ذلك تقوم الحكومة بإعادة توزيع هذه العائدات. وهذا جوهر جدليّة مؤسّسة الدّولة من حيث التّجميع وإعادة التّوزيع. ولكن نظام الإنقاذ فات عليه أنّ هذه الإجراءات تعود إلى صميم وظيفة الدّولة، وليس الحكومة. وبما أنّ ثقافتهم الحِكمانيّة governance كانت ضعيفة، إذ لم يولوها العناية الكافية مثلما أولَوا القرآن حفظاً، ثمّ الأحاديث النّبويّة جرحاً وتعديلاً، ثمّ أخبار الأوّلين تلقيناً وحفظاً، ثمّ أحكام الحيض والنّفاس إلخ ـ بما أنّ ثقافتهم كانت في الحِكمانيّة ضعيفة وليست بالمستوى الذي تقتضيه المهمّة العظيمة التي نهدوا إليها، فقد زيّن لهم شيطان الحكم التّرخّص في هذه الإجراءات، فقاموا بإلغائها جرّةَ قلم، وبهذا أصبحت كلّ هيئة تتعامل بالمال العام بوصفها وحدة قائمة بذاتها. فلو كان منسوبو الحركة الإسلاميّة جنساً خاصّاً من البشر من حيث النّزاهة والطّهر والأمانة، لكان هذا التّرخّص كفيلاً بتحويلهم إلى مجموعة من الفاسدين عديمي الذّمم من أكَلة مال السُّحت. فكيف وقد صدر غالبيّتهم العظمى من بين ظهراني شعبٍ عانى ـ ولا يزال ـ شظف العيش إذ ناء عليه الفقر المستديم بكلكله. فضلاً عن هذا، فقد صدروا من حركة لا تؤمن بالأوطان وغير متصالحة مع مؤسّسة الدّولة الحديثة القائمة على المواطنة.

لقد جوّز لهم تحوصلُهم وانحباس إنسانيّتهم في حركتهم، كما هو العهد في كلّ الحركات الطُّهرانيّة puritanical التي تعتزل المجتمع، فتدمغه بالجاهليّة لتصل إلى حدّ تجريمه، مبيّتةً النّيّة على إلحاق العقوبة النّاجزة به متى ما نصرهم الله على المجتمع، هذا فضلاً عن جهلِهم بفنّ الحكم الرّاشد good governance ـ لكلّ هذا جوّز لهم شيطان التجبّر والتّشفّي التّرخّص في انتهاك حرمة حياديّة الدّولة، فباشروا الحكم كما لو كانت مقدّرات الدّولة فيئاً حلالاً حازوه بانتصارهم على الشّعب في معركتهم ضدّه. فهم كما لو تسرّوا بالشّعب إذ ظفروا به، بمثل ما كان الغزاةُ يتسرّون بالنّساء والغلمان، بعد أن يُعملوا السّيفَ في الرّجال، ممّا جرت به العادة في ماضي العهود. عندها جعلوا المحسوبيّة وتفضيل الإخوان في اقتسام مقدّرات الدّولة (بنفس عقليّة الغنائم) قانوناً رسميّاً يتفاخرون به. وفات عليهم أنّ مقدّرات الدّولة إنّما هي ناتج مدفوعات الضّرائب التي يقتطعها المواطن المسكين من قوت يومه. وكما أسلفنا، لو كان منسوبو الحركة الإسلاميّة من خيرة الأطهار الأبرار لكان ذلك كفيلاً بتحويلهم إلى أفسد من مشى على قدميه من بني البشر. بيد أنّهم صدروا أوّل أمرهم عن نفس مريضة، أعجزها العصر الحديث عن أن تتواءم معه، فتحايلت بالدّين تقيّةً لعجزها. ثمّ فتح عليها هذا النّمط من التّديّن المرضي باباً واسعاً في قدرة الدّين لإيصالهم مراقي السّلطة والحكم، فساروا وهم يتقلّبون بين نفسٍ مريضة تتحايل بالدّين على نفسها لتحتفظ بتوازنها، ونفسٍ شهوانيّة تريد أن تعُبّ من الملاذّ الدّنيويّة بشره لا يعرف الحدود. وهكذا عمّ الفساد بينهم فصار له زخمٌ يُزكم الأنوف؛ كما انقسم الشّعب إلى شقّيّن: شقّ أوّل متميّز على قلّته إذ يتحلّب لبان مؤسّسة الدّولة؛ وشقّ ثاني يمثّل باقي الشّعب (هم الغالبية السّاحقة)، يعيش في ضنك وشظف كبيرين، إذ لا ينال من مؤسّسة الدّولة غير التّعب والنّصب.

هنا يكون المركز قد بدأ في التّبلور بوضوح بعد تشكّله ربّما قبل ذلك بقرون أو عقود. فالمركز هنا هو القطاع المسيطر على الحكومة ومن بعدها الدّولة دون أن يعني هذا بالضّرورة جميع القطاعات القاعديّة المستفيدة. فمثلاً، من المؤكّد أنّ قطاعات كبيرة من الشّمال النّيلي الأوسط قد استفادت من تسنّم الصّفوة لمؤسّسة الدّولة التي شغلها في الغالب أناس انحدروا منها؛ إلاّ أنّ هذا قد لا ينفي حقيقة أنّهم أيضاً مهمّشون، مع فارق بسيط يكمن في أنّه قد تمّ تحييدهم إزاء عمليّة التّمركز والتّهميش بقليل من فتات الامتيازات التي تتمتّع به هذه الصّفوة، أي المركز. وغنيٌّ عن القول إنّ هذه هي نفسها اللحظة التي تبدأ فيها جرثومة الهامش بالتّشكّل، حتّى لو لم يكتسب الهامش وعياً بنفسه كقوّة مهمّشة. فالهامش هنا تمثّله جميع القطاعات المحرومة من حقّها المشروع من عائدات منتجات تركيز الإرادة العامّة الجمعيّة التي هي من المساهمين فيها.

 

تلخيص: وظائف ومهامّ الدّولة

نخلص من هذا إلى أنّ وظيفة مؤسّسة الدّولة، في جانب هامّ منها، هي إدارة الصّراع حول السّلطة من حيث توازن الغلبة بما من شأنه أن يضمن إنتاج، ومن ثمّ تكريس، الخيرات المادّيّة وغير المادّيّة، وبالتّالي توليد وتنظيم ممارسة السّلطة وتكريسها، بحيث يتبلور جماعُ هذا في خلق حالة من تحقيق الذّات الوطنيّة، قد تكون أو لا تكون مصحوبة بالرّفاهيّة المادّيّة، بحيث يفضي هذا إلى تكريس الإحساس بالسّيادة الوطنيّة، بطريقة يشعر بها الشّعب أنّ حياته جديرة وقمينة بتحقيق قيم الحرّيّة، والعدل، والسّلام له ولمن عداه. فمؤسّسة الدّولة هي جماع السّلطات المفوّضة من المستوى القاعدي كيما تُمارس في المستوى السّياسي عبر بنية سياسيّة بحيث تعود هذه العمليّة مرّة أخرى إلى المستوى القاعدي في شكل خدمات وتنمية … إلخ. وهذه دورة أشبه ما تكون بدورة المطر. فقد لا يلحظ أحد الماء وهو يصعد إلى أعلى الجوّ، إلاّ أنّ الجميع يلحظونه عندما ينهمر إلى أسفل في شكل مطر مهما كان خفيفاً. وعلى هذا يكون الأساس المادّي للدّولة هو وجود مجموعة من البشر يشكّلون مجتمعاً ذا حدود واضحة (وفق مفهوم بارث)، ويمارسون داخل هذه الحدود نشاطاً إنتاجيّاً مركّباً (مادّيّاً وروحيّاً)، بينما الملحوظ فيه وجه النّشاط المعاشي بوصفه شكلاً مادّيّاً ملموساً للسّلطة، ثمّ تقوم المجموعة البشريّة هذه بتفويض هذه السّلطة المركّبة من المستوى القاعدي إلى المستوى السّياسي في شكل ولاء عاطفي أو اعتقاد ديني أو، بصورة مادّيّة أوضح، في شكل ضرائب ومكوس. وهناك تقوم البنية السّياسيّة (حكومة ومعارضة) بالتّأثير في بعضهما إن سلباً أو إيجاباً فيما يتعلّق بكيفيّة توظيف هذه السّلطة المركّبة التي تمّ تفويضها بما يحقّق فرضاً خير ورفاهيّة المجتمع القاعدي.

جماع هذه العمليّة المعقّدة، بما تشتمل عليه من مؤسّسات، يعطينا مؤسّسة أكثر تعقيداً هي ما نطلق عليه مفهوم الدّولة. وتكمن خطورة الحكومة في كونها التّنظيم الأيديولوجي الذي يُدير مؤسّسة الدّولة. ويعتبر أخطر ما في دور الحكومة احتمالات نزوعها للتّماهي في مؤسّسة الدّولة بحيث تصبح الأخيرة هي الحكومة، وتصبح الحكومة هي الدّولة. ففي الواقع العملي يصبح أعضاء التّنظيم الذي يمسك بخناق الحكومة في هذه الحالة هم الدّولة. وهذا هو قمّة الدّيكتاتوريّة المطلقة على ما في هذا الوضع من مفسدة ما بعدها مفسدة، إذ هذا هو قمّة الانحراف السّياسي. فواجب الحكومة هو بلورة الإرادة الجمعيّة عبر مؤسّسة الدّولة بما من شأنه أن يحقّق ذات المجتمع الذي يعود إليه الفضل في خلق كلا المؤسّستين: الدّولة والحكومة. أي أن يكون جماع هذا إخراج أحسن ما في الشّعب والأمّة. ولكن في حال الانحراف السّياسي النّاجم عن التّماهي التّام بين تنظيم الحكومة ومؤسّسة الدّولة، تبدو كلا المؤسّستين كما لو كانتا تعملان على إخراج أسوأ ما في الشّعب والأمّة. فلننظر إلى أشكال السّوء والفساد والتّداعي الوطني وانهيار الوطن وانصراف النّاس عن إيفائهم بلوازم البناء الوطني، إذ تكالبوا على المال العام كما يتكالب الأكَلَةُ على القصَعة، كلٌّ يريدُ أن يخرج من المولد بحمّصة من المال العام، لا يهمّهم في هذا تفتّت الوطن، وانتهاب ثرواته، واقتطاع الجيران الأطامع لأراضيه، كما لو لم يأتِ نظام الإنقاذ إلاّ من أجل هذا. نعم، كلُّ الشّعوب فيها الأشرارُ وفيها الخيّرون؛ وكلّ إنسان فيه الخير وفيه الشّرّ. لكن يبقى الإطار الذي فيه يكون في المقدور إخراج أخير ما في النّاس، وهو طريقة إدارة مؤسّسة ىالدّولة. لقد أخرج نظام الإنقاذ أسوأ ما في الشّعب السّوداني.

على هذا ينبغي أن نمايز، نظريّاً وعمليّاً، ما بين مؤسّسة الدّولة من جانب، ومؤسّسة الحكومة (البنية السّياسيّة) من الجانب الآخر. فالعلاقة بينهما كالعلاقة بين السّيّارة (الدّولة) والسّائق (الحكومة). فقد توجد حكومة دون أن يعني هذا وجود دولة بالضّرورة (مثل حكومة المنفى)، مثلما قد يوجد سائق ماهر دون أن تتوفّر له سيّارة. لكن لا يمكن أن توجد دولة دون أن تكون هناك حكومة، ذلك لأنّ وجود الأولى يفضي إلى وجود الثّانية بالضّرورة. ولكن، مع كلّ هذا يمكن للإثنين أن يندمجا في مؤسّسة واحدة، ذلك في حالات استثنائيّة. عادةً ما تحدث حالة الاندماج هذه عندما تتماهى مؤسّسة الحكومة مع مؤسّسة الدّولة، فتصبح بالتّالي هي الدّولة، والعكس بالعكس. ومع هذا تكون مؤسّسة أخرى، خفيّة، قد تماهت، ألا وهي المؤسّسة التّنظيميّة الحركيّة (الحزب أو الأسرة المالكة) التي تسيطر على الحكومة. هذه حالة مرضيّة، عليلة، وغير صحّيّة. وهي مقدّمة نحو انهيار مؤسّسة الدّولة، خاصّةً في الدّولة غير الملكيّة. ففي الأخيرة يكون هناك نظام راسخ وقديم لهذا التّماهي والاندماج عليه تقوم الأمور وتُشير دالّتُه على التّحرّر منه في المدى البعيد (مثلما يحدث في أنظمة الملكيّة النّيابيّة). إلاّ أنّ هذه الحالة لا يمكن أن تحدث في الأنظمة غير الملكيّة إلاّ عبر نظام ديكتاتوري غاشم. والحال كهذا فإنّ دالته تُشير إلى التّحوّل إلى المَلكيّة في مآلاته النّهايّة (مثلما حدث في كوريا، وسوريا، وكوبا، وما حاول الحكّام تحقيقه في ليبيا، ومصر ودول أخرى.

هذه هي خصائص مؤسّسة الدّولة ووظائفها؛ بيد أنّ الدّولة لا تقوم في الفراغ، إذ لا بدّ لها من أرض صلبة تقوم عليها. هذه هي الرّقعة الجغرافيّة التي تشغلها الدّولة بدالّة أنّه لا يمكن أن توجد دولة بدون الشّعب و/أو الأرض. ويحدّثنا التّاريخ أنّه ما من دولة تمكّنت من تحقيق أهدافها بدرجة متميّزة عمّا عداها من دول في حيّز الزّمان والمكان، إلاّ وانعكس ذلك في توسّعها من حيث النّفوذ بعامّةٍ ومن حيث الجغرافيا. وفي الحقِّ، لم يكن أمام الدّولة قديماً في مثل هذه الحالات إلاّ أن تتوسّع جغرافيّاً. فمفهوم الدّولة الوطنيّة ذات الحدود المرسومة والمصادق عليها، جديد وحادث. وفي المقابل، ما من دولة انحسرت رقعتها الجغرافيّة إلاّ وكان هذا دليل تراجع في سلطاتها، وبالتّالي في أدائها لوظائفها السّلطويّة. فالدّولة التي تنجح في أداء مهامّها تصبح جاذبة لغيرها كيما تلتحم معها، وربّما تندمج. انظر إلى الولايات المتّحدة وكيف ظلّت رقعتها الاتّحاديّة تزداد وتتوسّع إلى بدايات القرن العشرين بانضمام ولايات جديدة إلى اتّحادها الفيدرالي. وقارن هذا بانحسار المستعمرات من حيث كونها توسّعات جغرافيّة لدول نشأت في رقع صغيرة. وقد تحرّرت هذه الدّويلات الأوربّيّة ذات الرّقع الصّغيرة من عبء الاستعمار الذي كاد أن يقصم ظهرها إذ ورّطها في جملة تناقضات أخلاقيّة وسياسيّة واقتصاديّة (بالطّبع بعد أن استنفد أغراضه)، وبالتّالي بدأت هذه التّناقضات تفتُّ في عضُدِها. عندها تمكّنت مرّة أخرى من ترفيع أداء مؤسّسة الدّولة عندها، الأمر الذي دفعها إلى التّوسّع مرّة أخرى، لكن هذه المرّة عبر التّكامل وليس الاستعمار، فكان الاتّحاد الأوربّي. وهذا هو أصل تقديس الأرض سياسيّاً ووطنيّاً؛ فالذي يفرّط في شبرٍ من الأرض، لا يفعل ذلك من موقع القوّة والمنعة، بل من موقع الضّعف والتّنازل، ثمّ الفشل (فشل الدّولة) في إدارة رقعتها الجغرافيّة بما من شأنه أن يحافظ على سيادتها. وهذا هو موقف السّودان اليوم بعد أن فشلت أنظمة الحكم في أن تحافظ على وحدة أرضه، فصنعت شروط الانفصال، وبالتّالي أطلّ شبح التّشظّي في العديد من أطرافه، مثل حلايب (أخذتها مصر) والفشقة الصّغرى والكبرى (أخذتها إثيوبيا)، مثلّث إليمي (أخذتها كينيا). وممّا يدلّ على حالة الضّعف والضعة أنّ جميع هذه التّغوّلات قد حدثت بموافقة سرّيّة من قبل نظام الإنقاذ.

 

الصّفوة وفشل الدّولة

إذا فشلت الدّولة، إذن فالصّفوة هي المسئولة عمّا حدث، ذلك بحكم أنّها هي التي تقوم بتسيير دفّة الدّولة. ويعود فشل الصّفوة عندما تعجز عن أن يكون حراكُها في مسعاها لتحقيق مشاريعها للحداثة في إطار عام تلتقي فيه حول المصلحة العليا للأمّة. وعادةّ ما يعود فشلُها هذا ليس لاستحالة تحقيق هذا الالتقاء، بل لذهولها عنه جرّاء عجزها عن استكناه المصلحة العامّة في صراعها بحيث يكون صراعاً بنّاءً وليس هدّاماً. ومكمن هذا الفشل ينبغي البحث عنه في بنية الصّفوة والعوامل التي دفعت بها إلى البروز والتّشكّل، أي النّظام التّعليمي، الحكومي والأكاديمي منه بخاصّة.

ظلّ النّظام التّعليمي السّوداني ينتج لنا صفوةً مضادّة anti-elite، ذلك منذ ما يزيد على القرنين، أي منذ الحكم الاستعماري المصري التّركي (1821م ـ 1885م). ويمكننا أن نشير إلى مناحي فشل الصّفوة العديدة ممّا كتب عنها الكثيرون (انظر مثلاً منصور خالد، 1979؛ 1993؛ النّور حمد، 2010)؛ بيد أنّني سوف أضرب مثلاً بعجزها عن تأسيس ثقافة اطّلاع قويّة وممنهجة، ثمّ عجزها بالتّالي عن رصد تجاربها بالكتابة، بما من شأنه أن يُتيح تراكماً للخبرات، حتّى لا يعمد النّاس إلى اختراع العجلة التي صُنعت قبل قرون. فإذا كانت قد فشلت في هذا، فهي ستكون أفشل في أمر الكتابة الخلاّقة. والأمر كهذا، عادةً ما تكون هذه الصّفوة عاجزة عن التّعبير عن نفسها بطريقة واضحة وبليغة، من شأنها أن تكرِّس للمعرفة، بدلاً عن تغبيش الرّؤية والوعي العام بالكلام غير المضبوط. فالأفكار، في هذه الحالات، لا تتنزّل إلاّ معاظلةً ومغالبةً، وبالتّالي تفقد الأفكار وضوحَها، ويستحيل أمر تطويرها بسبب صعوبة امتلاك مفاصلها. وعلى هذا لا تعجز الصّفوة عن امتلاك مشاريع نهضويّة فحسب، بل قد تعمل جاهدة لتعطيل أيّ مشروع، أو نواة مشروع نهضوي. وتكمن خطورة هذا الوضع في أنّه يستحيل التقاء النّاس والتفافهم حول وجهة نظر أو مشروع بعينه. وقد تكون الاستعاضة عن الحركيّة الفكريّة بالشّلليّات الصّفويّة التي عادةً ما تتّصف بالرّوح الإقصائيّة، الأمر الذي ينتهي بها إلى أن يتمّ تكريس اغترابها عن واقعها. وهكذا تتمّ الاستعاضة عن الجماهيريّة الحركيّة القائمة على المشاريع النّهضويّة بالاستقطابات الأيديولوجيّة ـ هنا الإثنيّة غالباً في واقع السّودان المعاصر، التي عادةً ما تكون مستندةً على ظلامات حقيقيّة وواقعيّة.

بطريقة أسوأ الاحتمالات، من الممكن في مثل هذا الواقع الصّفوي القائم على الفشل وانبهام الرّؤية أن تبرز حركة استنارة مضادّة (أو قل: ضدّ استناريّة)، عادة ما تكون مغلّفة بالشّعارات الرّومانسيّة الحالمة، فتصبح ذات جاذبيّة طاغية للشّباب المحبط، ثمّ للجماهير العريضة بعد ذلك. وبهذا لا يبقى أمام هذه الحركة غير أن تستعين بمخزون المشاعر الرّاكزة عميقاً في بنية المجتمع، ألا وهو الدّين، وهو ما نشاهده في مجتمعاتنا المسلمة اليوم. فهذه المجتمعات تعاني من الانهزام الدّاخلي والفشل في صنع حياة تنال احترامهم، فضلاً عن أنظمة الحكم الغاشمة والباطشة. أخطر ما في هذه الحركات قدرتها الرّاديكاليّة الخارقة والنّاجزة في تدمير ما هو قائم وموجود دون أن يكون في مقدورها استبداله بأيّ إنجاز. كما من الطّبيعي والمتوقّع أن تتّصف بأكثر أنواع الإقصاء تشدّداً، كونها تنطلق من اعتقاد ديني بصوابها ورشادها المطلق المستمدّ من إطلاقيّة الدّين نفسه. كما عادةً ما تباشر الحركات الدّينيّة نضالها في انعزاليّة تامّة، مقصيّةً نفسها بذلك من التّيّار العام للحياة الاجتماعيّة التي تريد في عاقبة أمرها أن تقوم بتغييرها. ولهذا تنزلق هذه الحركات التي ولّدتها الأحلام الكبيرة دون أن تسندها أيّ رؤية عمليّة لتحقيقها إلى حضيض البراغماتيّة، فتنتهي إلى حركات دنيويّة كأن لا علاقة لها بخشوع الدّين وحياة المتديّنين ونقائهم الدّاخلي الذي صدروا منه أوّل أمرهم. بإزاء أحلامهم المجهضة بفعل أيديهم، والمتحطّمة على صخرة الواقع، لا تجد هذه الحركات شيئاً ملموساً تستجير به في ضلالها الوطني غير السّلطة المادّيّة، فتتحوّل إلى قوّة باطشة وغاشمة بأكثر ممّا كان عليه الحال عند الحكّام التّقليديّين الذين ناضلوا لإزاحتهم بغية ربط قيم السّماء بالأرض. هذا الفشل كلُّه يتعلّق بالصّفوة وبالطّريقة التي تُدير بها أمر الدّولة، وما أمرُ الدّولة إلاّ أمرُ الشّعب، خيرُه ورفاهيّته.

وهكذا ينتهي الأمر بالصّفوة إلى أن تنظر إلى مؤسّسة الدّولة كما لو كان واجب الأخيرة هو توفير الرّفاهيّة للصّفوة، حتّى لو كان ذلك على حساب الشّعب والأمّة. فبدلاً من أن تسأل الصّفوة: ماذا يمكن أن نقدّم للدّولة وللشّعب؛ تتصرّف الصّفوة كما لو كانت تتساءل: ماذا يمكن أن تقدّم لنا الدّولة والشّعب.

 

الصّفوة وانهيار مؤسّسة الدّولة

الانحراف السّياسي هو أن تأخذ الدّولة وجهةً أخرى بخلاف ما تقتضيه واجباتها إزاء شعبها من حسن إدارة وعدالة وسلام، من شأنها أن تفضي إلى نهضة ورفاهيّة. وتكون الصّفوة مسئولة بصورة مباشرة من هذا الانحراف، ليس لأنّ عامّة الشّعب تتّجه أنظارها باتّجاهها، بل لأنّ الصّفوة مدينة للشّعب كونها صفوة في حدّ ذاتها. فكما أسلفنا القول، ما الصّفوة في غالبها الأعمّ ممّا نشهدُه الآن إلاّ ذلك القطاع من الشّعب الذي نال تعليماً عالياّ وفّرته له الدّولة من مال دافعي الضّرائب، أي من مال عامّة الشّعب. ويتكرّس فشل الصّفوة، ومن بعدها فشل الدّولة، عندما تنحو الأولى إلى تحامي الشّأن العام فيما يُعرف بممارسة السّياسة، باعتبار أنّ ذلك ممّا لا طائل من ورائه. وأكثر ما اشتُهر بتحاميه للسّياسة على هذا النّحو قطاع من الموظّفين عُرف باسم التّكنوقراط، أي الذين لا يعرفون غير تقنية أعمالهم المهنيّة التي نالوا التّعليم لأدائها. ولكن هذا القناع سقط عندما جاءت ديكتاتوريّة نظام مايو (1969م ـ 1985م)؛ فالتّكنوقراط لم يدعموا ذلك النّظام فحسب، بل يتحمّلون المسئوليّة عن صناعة عبادة الحاكم الفرد كما لو كان إلهاً، وهو ما لم تعرفه الثّقافة السّودانيّة السّياسيّة لا قبل ذلك ولا بعده. في هذا بدا التّكنوقراط كما لو كانوا خفيفي عقلٍ، رهيفي قلبٍ، ترتعد فرائصهم لمجرّد ذكر اسم الرّئيس القائد، وما الرّئيس القائد إلاّ عسكري محدود القدرات والمواهب، ملتاث العقل في عاقبة أمره. إذن، لا مجال لتحامي تعاطي السّياسة، ذلك لأنّ كلّ ما يتعلّق بإدارة دولاب الدّولة، من قاعدته إلى قمّة هرمه، ليس سوى سياسة. فما يقوم به التّكنوقراط في مكاتبهم سياسة ما في ذلك شكّ، ذلك بدليل أنّ أعمالهم المكتبيّة تقوم في الأساس على الميزانيّات التي تقدّمها لهم الدّولة من مال دافعي الضّرائب. وما الشأن العام إلاّ كيفيّة إدارة الإرادة الجمعيّة للشّعب والأمّة. وليس أكثر مادّيّةً من المال العام في سبيل إيضاح أشكال الانحراف السّياسي.

يبدأ الانحراف السّياسي أوّل أمره من البنية السّياسيّة (الحكومة والمعارضة)، حيث تحمل وزره الأكبر الحكومة، ثمّ لا تُعفى المعارضة من تحمّل المسئوليّة، ذلك لسماحها بحدوث هذا دون أن تتمكّن من تفعيل عملها، رفعاً للوعي العام بأنّ هذه الأموال التي تُنهب إنّما هي ملك للشّعب، ثمّ تعبئةً للرّأي العام تأليباً له بما من شأنه أن يردع الحكومة. ثمّ شيئاً فشيئاً ينتقل الدّاء من اللحم (الحكومة) إلى العظم (الدّولة)، فتُصاب بمرض انهيار المؤسّسات، ويصاب عامّة النّاس بالقنوط واليأس من الإصلاح، ثمّ يكبر الفتق على الرّتق، ويصبح من المستحيل إصلاح الوضع في ظلّ النّظام الذي أدّت سياساتُه الفاشلة، وغياب الأخلاق في عمليّة إدارته لشئون العباد والبلاد، إلى هذا الحدّ من الانهيار والسّقوط. هذا ما يعنيه مفهوم “الدّولة الفاشلة” failed State، التي غالباً ما ينتهي بها الأمر إلى التفكّك وفقدان السّيادة. عند هذا الحدّ لا يكون هناك من أمل في تصحيح الأوضاع إلاّ الثّورة التي فصّلنا عنها القول في كتابنا منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الوطنيّة السّودانيّة وظاهرة الثّورة والدّيموقراطيّة (2013).

يُنظر إلى التّرخّص في التّصرّف في المال العام على أنّه أكبر وأوضح مؤشّرات فساد الحكم. فإذا توفّر هذا في أيّ نظام حكمٍ (حكومة)، توفّرت معه جميع أشكال الفساد السّياسي والفشل، بدءاً بالمحسوبيّة والرّشوة والتّعامل مع المال العام كما لو كان اختلاسُه أمراً حلالاً ما دام ليس له سيّد. ولن تجد لهذه الممارسة (اختلاس المال العام) أيّ مسمّى طيّب. ففي الإسلام يُطلق عليها «أكل مال السُّحت»، وهي من كبائر الجرائر. ويتمّ التّعامل مع مؤسّسة الدّولة كما لو كانت حقّاً إلهيّاً للمجموعة التي تُمسك بأزمّة الأمور. في هذه المرحلة يصبح الحكم والسّياسة حالة من حالات السّقوط الأخلاقي. هناك حالات كثيرة يحكي عنها التّاريخ أصبحت فيها مؤسّسة الدّولة تُعامل من قبل الفئة الحاكمة بحسبانها حقّاً أصيلاً منحه لها الله، والذي قد لا يعني غير التّفوّق في القوّة المادّيّة القسريّة مقابل ضعف عامّة قطاعات الشّعب التي تُعامل بوصفها جزءاً من ملكيّة الطّبقة الحاكمة. وهذا ما أعطانا فيما مضى الطّبقة الأرستقراطيّة.

هنا ينهض سؤال، ألا وهو: هل يمكن أن تتوقّف الدّولة عن الوجود؟ نعم، يمكن أن تتوقّف الدّولة عن الوجود، ذلك عندما يتوقّف تفويض السّلطة بأشكالها من المستوى القاعدي صعوداً إلى المستوى السّياسي في ظروف استثنائيّة، تحدث إمّا لانعدام آليّات توليد السّلطة، أو لانعدام مؤسّسات تدويرهاprocessing mechanisms . وكما قلنا يمكن أن يحدث هذا في الظّروف الاستثنائيّة، كالحروب والكوارث الضّخمة وما قد ينجم عنها من تدمير تام للمؤسّسات والبنى التّحتيّة للمجتمع. ويتجلّى ذلك في أوضح صوره الغليظة عندما تقف عجلة الإنتاج في المستوى القاعدي، ما يعني أنّ معاش النّاس في معنى الأكل والشّرب والملبس لم يعد متاحاً إنجازه بأيّ صورة من الصّور، وبالتّالي لم تعد هناك موارد مادّيّة للحكومة نسبةً لغياب مؤسّسة الدّولة التي من شأنها القيام بعبء تحصيل الضّرائب والمكوس. عند هذا يتوقّف تفويض السّلطة في صورها المركّبة جميعها، بينما يبرز البعد المادّي فيها بصورة ملحوظة، الأمر الذي يعني توقّف توليدها، وبالتّالي تفويضها في أشكالها المادّيّة وغير المادّيّة.

نشير هنا إلى أنّ أخطر ما في مؤسّسة الدّولة في عصرنا الرّاهن أنّها ذات المؤسّسة التي في فضائها الزّمكاني يفترض لمشروع الحداثة أن يتحقّق. فبما أنّها الإطار الذي في داخله تتمّ جميع العمليّات الكيميائيّة الثّقافيّة للشّعب، وبما أنّ الشّعب هو الذي يُستهدف بمشروع الحداثة، عليه لا يكون هناك بدّ من أن يتبلور المشروع وإمكانات تحقيقه داخل إطار مؤسّسة الدّولة. وهذا لا يعني الخضوع للحكومة في سبيل تحقيق مشروع الحداثة، بل يعني أنّ السّعي إلى تحقيق المشروع يستدعي بالضّرورة أن يحدث داخل إطار مؤسّسة الدّولة، الأمر الذي يعني بالضّرورة أيضاً أن يقود الأمر إلى تكريس الصّراع حول السّلطة من حيث هو صراع إيجابي لتسيير دفّة الدّولة إزاء وجهة بعينها.

في سبيل تسيير دفّة الدّولة يحتاج المجتمع إلى قطاع من الشّعب للقيام بهذا، وهو ما نقوم بتعريفه هنا على أنّه الصّفوة. ولكن هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم آخر، ألا وهو مفهوم الطّبقة وما يتبع ذلك من صراع طبقي إذا لم تتمّ إدارته بصورة بنّاءة فإنّها لا محالة ستفضي إلى فشل الدّولة.

 

دولة الجلاّبة

الجلاّبة هي الطّبقة التي تبلورت عن مجتمع تجار الرّقيق. فالجلاّبي لغة في جالب الرّقيق، تطوّرت لتعني جالب البضائع من المناطقة المائزة اقتصاديّاً وسياسيّاً بالشّمال إلى المناطق الهامشيّة الأقلّ تميّزاً، وهي نفسها المناطق التي كانت تُستهدف من قبل تجّار الرّقيق. ومن هنا معاملتنا له باعتباره من الصّفوة. في انتقاله هذا من المتاجرة بالبشر إلى المتاجرة فيما يحتاجه البشر، لم تتغيّر عقليّة الجلاّبي من حيث طفيليّته. فالنّشاط الذي يمارسه عبارة عن نشاط اقتصادي تجاري بحت mercantile economy، لا علاقة له بالتّنمية. فالجلاّبي يستغلّ أوضاع النّدرة الماحقة بهذه المناطق استغلالاً لا يقلّ بشاعةً عن متاجرته بالبشر فيما سبق، ثمّ يعود بريعه من هذه التّجارة إلى منطقته وقريته، دون أن ينعكس نشاطه في المناطق الهامشيّة بأيّ تأثير خلا تكريس التّبعيّة. تقوم هذه العقليّة على ثقافة عرقيّة يستبطنها أفريقي مستعرب ينظر إلى الأفريقي غير المستعرب على أنّه عبد بالضّرورة كونه أفريقيّاً أسود، ذاهلاً بذلك عن أنّه هو نفسه أفريقيّ أسود.

فمع أنّه يمكن الزّعم بوجود طبقات ذات سمات اقتصاديّة اجتماعيّة في السّودان، إلاّ أنّ الإطار الثّقافي الذي يربطها بمجموعاتها الإثنيّة قد يكون أقوى ما يشدّها إلى بعضها البعض. إلاّ أنّه لا يمكن الزّعم بوجود طبقة رأسماليّة في السّودان لمجرّد وجود قطاعات فاحشة الثّراء فيه. هذا هو واقع الحال حتّى بعد أن أصبح السّودان (على أقلّ تقدير من 2000م إلى 2010م) دولة مصدّرة للبترول. فالواقع هو أنّ نظام الإنقاذ، وكذلك الأثرياء الذين تناسلوا عنه، لا علاقة له بالرّأسماليّة كونه لا يعرف أيّ قيمة للاقتصاد بخلاف التّجارة والمضاربة؛ فهو لا يعرف قيمة العمل في مستواه القاعدي كمولّد للثّروة في تجلّياتها الفوقيّة التّراكميّة، كما لا يعرف قيمة الإنتاج. ومردّ هذا إلى عاملين، أولاهما ثقافي اجتماعي، ألا وهو انتماء الإنقاذ وأثريائها إلى طبقة الجلاّبة. فالقصور الفكري الرّاكز في الفهم الإسلامي الأصولي السّلفي الذي صدرت منه حركة الإخوان المسلمين، الأمّ الشّرعيّة لنظام الإنقاذ، ولأيّ نظام مماثل في أيٍّ من البلاد المسلمة قد تحكمها حركة مماثلة، يقع عليه مناط الفشل. ولهذا فشلت جميع المشاريع الإنتاجيّة في السّودان خلال العشرين عاماً الماضية، وعلى رأسها مشروع الجزيرة، وحلفا الجديدة، ودلتا طوكر والقاش، والصّمغ العربي، والحبوب الزّيتيّة، حتى الزّراعة المطريّة الآليّة إلخ؛ هذا بالإضافة إلى عدم معرفة قيمة مرفق هام مثل السّكك الحديديّة للتّنمية والإنتاج في بلد مترامي الأطراف (كما كان الحال في سودان الأمس الحبيب ذي المليون ميل مربّع). إذ ماذا يمكن أن ننتظر من حركة سياسيّة سلخت سنيّها وناضلت في سبيل الوصول إلى السّلطة وهي تؤمن بأنّ تطبيق الشّريعة الإسلاميّة، من حيث هي أحكام جزائيّة، سوف يؤدّي إلى صلاح حال الأمّة، أخلاقها وسلوكها، ثمّ اقتصادها، هذا دون أن يكون لها أيّ برنامج اقتصادي بخلاف المضاربة والمتاجرة؟ فالقوانين الجزائيّة، دينيّة أو غير دينيّة، لا تختصّ إلاّ بالجناة وهؤلاء لا يزيد عددهم عن 10% في كلّ الأحوال، بينما الذين تطالهم يد الدّولة لا يزيد عددهم عن حوالي %5 إلى 7%. هذا بينما إدارة الدّولة ينبغي تتركّز في مأكل وملبس ومعاش البقيّة، أي نسبة الـ 90% (بل في مجموع المجتمع بما في ذلك الجناة أنفسهم).

 

نموذج الإنقاذ بين الرّأسماليّة الحقّة والأرستقراطيّة الإسلاموعروبيّة الزّائفة

لا يمكن أن تكون هناك طبقة رأسماليّة في السّودان دون أن يكون لها مشروع وطني نهضوي. فالمشروع الوطني للسّودان الإسلاموعروبي ليس وطنيّاً في معنى استلهامه للمثال والنّموذج من فضاء العرب العاربة حتّى لو كانت العرب أكثر تخلّفاً ممّا هو متاح من قدرات وطنيّة كامنة تصلح لأن تخدم كنماذج مثاليّة لمشاريع وطنيّة نهضويّة. بهذا يصبح المشروع الإسلاموعروبي غير وطني وغير نهضوي في آنٍ معاً. ومع أنّ هذا الفشل الرّؤيوي النّهضوي ليس وقفاً على نظام الإنقاذ، كونه قد وسم جميع حرائك التّفاعل الاجتماعي والسّياسي والفكري لسودان ما بعد دولة الفونج، إلاّ أنّ نظام الإنقاذ يمثّل أعلى درجة في الفشل قد بلغها هذا المشروع حتّى الآن. دعونا نضرب مثالاً حيّاً!

يتشكّل قوام مؤسّسة الدّولة في الجزيرة العربيّة بوجهٍ خاص، وفي الخليج بوجهٍ أخصّ، من عدّة عناصر يمكن تلخيصها في التّالي: أسرة مالكة (تملك كلّ شيء باعتبار أنّ الدّولة نفسها جزء من ملكيّتها الأسريّة)؛ رعايا أتباع (بامتيازات كبيرة لكن بلا حقوق مواطنة بالفهم العلمي الحديث لدولة المواطنة)؛ دخل وطني ضخم مستمدّ من عائد مبيعات البترول دون أيّ عمليّات إنتاجيّة، الأمر الذي يكرّس من نمط النّشاط الاقتصادي التّجاري Mercantile Economy؛ توظيف أيديولوجي للدّين بغية ضبط المجتمع يتجلّى أكثر ما يتجلّى في وضع المرأة بوصفها مركز الشّرف والعار تكريساً لجسدها كآلة لممارسة الجنس؛ شغّيلة أجانب بلا أيّ حقوق خلاف مرتّباتهم الكبيرة بالنّسبة لما عليه وضعهم في بلادهم. هذا هو النّموذج والمثال الذي سعت الإنقاذ لتحقيقه في السّودان منذ أن وليت الحكم. فصفوة تنظيم الإخوان المسلمين المتنفّذة تقوم هنا مقام الأسرة الحاكمة، بينما تقوم عضويّة التّنظيم الحاكم مقام الرّعايا ذوي الامتيازات الكبيرة، لكن دونما حقوق مواطنيّة، بل هي منح ومنن. هذا بينما يقوم باقي الشّعب مقام الأجانب (وهم بالطّبع الغالبيّة). لكن الحقيقة التي ينبغي أن ننتبه لها هو أنّ ما عليه واقع دول ودويلات الجزيرة العربيّة ليس فيه ما يؤخذ عليها، كونها بدأت من مجتمعات ما قبل الدّولة (أو الدّولة القبيلة Tribal State)، وها هي تستشرف عهد مجتمع الدّولة الحديثة بكلّ ما في هذه العمليّة من تناقضات تتعلّق بالارتفاق في الانتقال بمجتمع بدوي يكاد يكون كامل الأمّيّة. فالعبرة في دالّة التّوجّه، أَهُو نحو تكريس دولة القبيلة، أم نحو ابتناء دولة المواطنة؛ في هذا تُشير وتائر التطوّر إلى أنّ هذه الدّول قد قطعت خطوات جبّارة أثارت إعجاب الكثير من المراقبين. هذا بينما يتّجه الوضع في السّودان إلى عكس هذا، إذ يتّجه بنا نظام الإنقاذ من تاريخ عريق لواحدة من أقدم مؤسّسات دولة المواطنة على مستوى البشريّة إلى مستوى دولة القبيلة. وقد جدّت الإنقاذ في سبيل إنفاذ هذا المشروع الإقطاعي، غير النّهضوي وغير التّنموي، وشدّت حتّى اشتطّت في كلّ شيء، بما في ذلك استعدادها لتمزيق الوطن، بدءاً بالتّخلّي عن حلايب لمصر والفشقة لإثيوبيا، ثمّ أخيراً، وليس آخراً، بفصل الجنوب، مع احتمال أن يستمرّ التّشظّي ليشمل أقاليم أخرى بحسب إعادة تدوير الحرب الأهليّة من قبل نظام الإنقاذ. فهو يريد أن يقلّص البلد حتّى تصبح دولة قبيلة واحدة (دولة مشيخيّة) تحكمها أسرة بتوافقيّة قبليّة إقطاعيّة مثلما عليه الوضع في الجزيرة العربيّة، دونما وعي بأنّ دويلات الجزيرة العربيّة تغزّ الخطو حثيثاً نحو دولة المواطنة وتطوير القدرات الإنتاجيّة عندها بحيث يقلّ اعتمادها على البترول والاقتصاد التّجاري.

في هذا تبذل مجموعة الإنقاذ الحاكمة قصارى جهدها لعقد تحالفات مع أيّ قوى اجتماعيّة أو سياسيّة، حتّى لو أدّى انعدام الفرص بهذا الصّدد إلى اختلاق قوى وهميّة لتعلن عن تحالف كبير في حجمه المزعوم. ولكن أكثر القوى استعداداً للدّخول في تحالفات حقيقيّة مع الإنقاذ هي الطّائفيّة المتناسلة عن الطّرق الصّوفيّة، وبالأخصّ الطّائفتين الكبيرتين: الختميّة والأنصار. ففي الطّرق الصّوفيّة والدّينيّة بعموم، يتمّ ترفيع الشّيخ وأسرته إلى مقام فوق مقام البشر من قبل مريديه، أو قل هذا ما عليه عمدة التّسليك عندهم. فخدمة الشّيخ شخصيّاً (أو أي فرد من أسرته)، أو خدمته اقتصاديّاً، يُنظر إليه على أنّه ممّا يُزكّي المريد ويقرّبه زُلفى. وهذه هي جرثومة المجتمع الإقطاعي، وهو ما عليه تاريخ الأسرتين الطّائفيّتين الكبيرتين المشار إليهما، ومن خلفهما مجموعة ربّما غير محدودة من الطّرق الصّوفيّة التي تتنافس بشتّى السّبل لتوسيع دائرة المريدين. في هذا، بجانب التّسليك الدّيني الصّوفي حسب منهج كلّ طريقة، لا غرو أن تشرع هذه الأسر في تسلّق شجرة النّسب النّبوي؛ فهي إمّا أن تبدأ بوصفها تتحدّر من البيت النّبوي، أو يظهر لاحقاً أنّها في أصولها إنّما تنتمي إلى البيت النّبوي. وعلى أيٍّ، كيفما كان الحال، عادةً ما ينتهي الأمر بهذه الأسر إلى احتياز المال وبلوغ سدّة الحكم عبر سلسلة من العلاقات (انظر إدريس سالم الحسن، 1993).

هذه هي الطّبقة التي ينتمي إليها مشروع الإنقاذ، وتنتمي هي نفسها إلى المشروع ليس بحكم طائفيّتها فحسب، بل بحكم طبيعتها الإقطاعيّة الطّفيليّة، فضلاً عن الاقتصاد التّجاري. فبعيد الانتخابات التي جرت بالسّودان عام 2010م، ومن ثمّ استفتاء جنوب السّودان الذي نجم عنه انفصال ذلك الجزء من الوطن، بدت عورة الإنقاذ بادية لكلّ ذي عقل من حيث تفريطه في البلاد أرضاً وسيادةً، فضلاً عن فشله الذّريع في أن يتحسّب إلى سدّ العجز في الميزانيّة النّاجم عن انفصال الجنوب وفقدان السّودان لحوالي 80% من عائدات البترول. فقد بدا واضحاً أنّ نظام الإنقاذ قد دخل مرحلة السّقوط، إذ لم يعد قادراً على السّيطرة على أيّ شيء، بما في ذلك كبح جماح الفساد الزّاخم الذي أزكم الأنوف. لقد سعى نظام الإنقاذ سعياً محموماً لتدبير تحالفات جديدة يستقوي بها في تشكيل الحكومة، هذا حتّى بعد أن فاز بحوالي 98% في الانتخابات التي كان يفترض فيها أن تكون تعدّديّة (كما لو كان في مقدور أيّ حزب أن يفوز بمثل هذه النّسبة في انتخابات حرّة وتعدّديّة حقيقيّة). لم يتمكّن نظام الإنقاذ من تدبير أيّ تحالفات، الأمر الذي أدّى إلى تأخير تشكيل الحكومة لنصف عام. أخيراً تمّ تشكيل الحكومة بعد أن نجح نظام الإنقاذ في تدبير تحالفات مع البيتين الطّائفيّين الكبيرين، الختميّة والأنصار (دون حزبيهما اللذين رفضا بشدّة الدّخول في تحالف مع نظام متهاوٍ يشهد أيّامه الأخيرة). فطبيعة الإنقاذ الأيديولوجيّة والطّبقيّة تنتمي إلى نفس طبيعة الطّائفتين من حيث النّزعة لتأسيس دولة القبيلة الإقطاعيّة، وهو ما جدّت فيه الإنقاذ حتّى كادت أن تبلغ فيه الغاية. فالتّحالف الطّبقي يعني هنا أن تقوم الطّائفتان بوراثة نظام الإنقاذ في معنى الانطلاق من النّقطة التي وقف فيها إنجاز المشروع، ولا أقلّ أن تبدأ هذه الوراثة بالدّخول في تحالف تشكيل الحكومة، ولو كان هذا باستحياء كبير من جانب طائفة الأنصار بحكم عدم تبلور الانفصال الطّبقي التّام عن قواعدها، بينما جاءت طائفة الختميّة (بخلاف الحزب) بلا مواربة كونها قد حقّقت مفاصلة شبه تامّة بين الأسرة المرشدة وبين الأتباع، فلا أبناؤها ولا بناتها يخالطون المجتمع السّوداني، ولا يرون عامّة السّودانيّين ولا يراهم عامّة السّودانيّين وفق العفويّة الاجتماعيّة السّودانيّة. ولا غرو أن جاءت تصريحات جعفر الميرغني (ابن مرشد الطّريقة الختمية) في مستهلّ مشاركته في السّلطة مفارقة لأي ملامسة واقعيّة للوضع في السّودان؛ فقد قال بأنّه سيعمل على إيقاف الحرب في جنوب النّيل الأبيض وشمال كردفان (الحرب دائرة في جنوب النّيل الأزرق وجنوب كردفان)، ذلك بإنفاذ اتّفاقيّة الميرغني ـــ قرنق (كذا).

إذن، هذا هو التّشكيل الطّبقي للإنقاذ، وهو تشكيل لا علاقة له بالرّأسماليّة ولو كانت هناك مجموعات كبيرة من منسوبيه قد حازت أموالاً طائلة انتهبتها من المال العام عبر تخريب الاقتصاد. كما لا يمكن النّظر إلى الأسر التي قادت عجلة الإنتاج في بدايات القرن العشرين على أنّها رأسماليّة، حتّى ولو كانت قد تمكّنت من تطوير تلك الصّناعات البدائية لتستشرف آفاق المكننة وفق التّكنولوجيا الغربيّة في دأب وصبر جديرين بالإعجاب. ربّما كان يمكن أن تتطوّر إلى طبقة رأسماليّة إذا ما امتلكت مشروعاً نهضويّاً بخلاف جمع المال، من شأنه أن يقوم بتغيير المجتمع السّوداني، إلاّ أنّها تقاصرت عن ذلك لتورّطها بدرجات متفاوتة في نفس المشروع الإسلاموعروبي الخاسر. فالرّأسماليّة لا تعني تراكم الثّروة عند شخص بعينه، كونها وضعيّة مجتمعيّة ذات علاقة بعمليّة الإنتاج الممكنن mechanized، أي أن تكون له علاقة جينيّة بالصّناعة بوصفها وسيلة وعلاقة إنتاج موطّنة في سياق ثقافي (اجتماعي، سياسي، اقتصادي). بهذا لا تصبح لدينا طبقة رأسماليّة في مجتمع ما عبر استزراع التّكنولوجيا، وبخاصّة في المجتمعات التّقليديّة، حتّى لو أدّى هذا الاستزراع التّكنولوجي إلى بروز مجموعة من الأثرياء مثلما حدث في حالة المجموعة التي تنظر إليها فاطمة بابكر محمود على أنّها رأسماليّة وطنيّة (انظر مناقشتنا لرؤيتها في منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الوطنيّة السّودانيّة وظاهرة الثّورة والدّيموقراطيّة ـــ 2013م). لقد بدأت تلك المجموعة، في بعض وجوهها، بصناعة الزّيوت ومعاصرها التّقليديّة المتمثّلة في معصرة مصنوعة من الموادّ المحلّيّة (الخشب)، وتُدار بالطّاقة البدنيّة التي توفّرها الحيوانات (الجمال أو الثّيران). كان مسرح هذه الصّناعة التّقليديّة هو إقليم كردفان بوصفه أكبر سوق وطنيّة للحبوب الزّيتيّة. ولكن ما إن تمكّنت هذه المجموعة من تجميع ثروة كافية حتّى قامت بالانتقال إلى العاصمة في نقلة نوعيّة من حيث وسائل الإنتاج وعلاقاته؛ فقد استبدلت بالثّروة التي جمعتها من تلك الصّناعة التّقليديّة ذات وسائل الإنتاج التّقليديّة باستجلاب التّكنولوجيا الغربيّة واستزراعها في أرض لم تنتجها، ذلك بدلاً من تطوير الصّناعة التّقليديّة؛ كما دخلت في علاقات إنتاج جديدة عندما أصبحت خاضعة للسّوق العالميّة الرّأسماليّة صعوداً ونزولاً فيما يتعلّق بكُلفة الإنتاج من إسبيرات إلخ. وهذا بالضّبط ما حدث بخصوص استجلاب طلمبات ضخ المياه في زراعة الأراضي الفيضيّة على النّيل بديلاً للسّاقية التي كانت بمثابة صناعة تقليديّة متوطّنة، تُصنع من موادّ محلّيّة، بأيدي محلّيّة، وتُدار بالحيوان المحلّي المنزلي، أي وفق علاقات إنتاج يملك المزارع كامل السّيطرة عليها وفي استقلاليّة تامّة عن علاقات الإنتاج الرّأسماليّة العالميّة، كلّ ذلك في سياق صديق للبيئة. وهكذا ما أن أهلّ عقد السّبعينات حتّى كان ذلك النّشاط الإنتاجي قد تمّ ربطه بعلاقات إنتاج لا يملك عليها المزارع سيطرةً. فبعيد حرب 1973م، والارتفاع الجنوني لأسعار البترول، تدهورت الزّراعة إلى أدنى مستوياتها نسبةً لغلاء البترول بوصفه الوقود المشغِّل لتلك الطّلمبات، ثمّ غلاء الإسبيرات (لمزيد من التّفاصيل، يرجى مراجعة سيّد حامد حريز، 1988: 93-11).

من الممكن أن يعطينا وضعٌ كهذا كياناً اجتماعيّاً يبدو كما لو كان طبقة رأسماليّة؛ كما من المتوقّع في وضعٍ كهذا أن تعمل هذه المجموعة على حماية مصالحها وتكريس وضعها المتفوّق، إلاّ أنّ جميع هذا لا يعطينا طبقة رأسماليّة وفق المعايير التي تمخّضت عنها المجتمعات الرّأسماليّة في الغرب نسبةً لتقليديّة المجتمع في السّودان. وما نعنيه بتقليديّة المجتمع يتجلّى في حقيقة أنّ الإثنيّة (أي الوعي الطّبقي المرتبط بشبكة علاقات القرابة، وليس بالوضعيّة الاقتصاديّة للفرد أو المجموعة)، تمسك بخناقه، فضلاً عن تخلّف تكنولوجي قياساً بما عليه التّطوّر التّكنولوجي بالغرب، وتأثير جميع هذا في مجمل عمليّات تفويض السّلطة ومؤسّسة الدّولة. فالتّطوّر التّكنولوجي في مثل هذه المجتمعات عادةً ما يتمّ عبر استزراع تكنولوجيا الغرب، دون تطوير التّكنولوجيا المحليّة لترتفق بما عليه الحال في الغرب. يؤدّي هذا الاستزراع إلى دهورة التّكنولوجيا التّقليديّة التي عادةً ما يتمّ تجاهلها، وبالتّالي تموت. ولا عبرة هنا بتراكم الثّروة عند مجموعة بعينها. فاكتناز المال بغير وسائل وعلاقات الإنتاج الرّأسمالي، أي عبر الاقتصاد التّجاري والتّداول الائتماني للنّقد، إذا كان يعطينا طبقة رأسماليّة بالمعنى، لكانت المافيا (بأمريكا مثلاً) قد تمخّضت عن طبقة رأسماليّة قائمة بذاتها وتحمي مصالحها. فالملاحظ أنّ الأنشطة الإجراميّة للمافيا تخدم في خاتمة مطافها كطقس عبوري عنيف لولوج نادي سراة القوم، لتختفي أسرة زعيم المافيا من مسرح الإجرام وتحلّ أسرة أخرى محلّها ـ هذا إذا لم تختفِ بالتّصفيات.

لقد ارتبط مفهوم الطّبقة بالمعايير الاقتصاديّة وفق حرائك النّظام الرّأسمالي ارتباطاً شديداً، ذلك نتيجةً للمدّ الاشتراكي في الفكر الإنساني بعموم. وفي رأينا أنّ المسألة أكثر تعقيداً من ذلك. وقد يصدق هذا ويعبّر عن الواقع في المجتمعات الغربيّة؛ لكن في مجتمعات ما قبل الرّأسماليّة، كما هو الحال عندنا في السّودان، لا يصبح هذا مفارقاً للواقع فحسب، بل يشوّهُه، أي لا يعكس صورة صادقة عنه. وتزيد المسألة تعقيداً عندما نضيف عامل التّعدّد الثّقافي واللغوي والإثني. فالواقع السّوداني يظهر العديد من الحالات التي قد يشترك فيها النّاس في وسائل كسب العيش، وقد تحكمهم علاقات إنتاج متماثلة، إلاّ أنّهم يتباينون في مصالحهم واتّجاهاتهم السّلطويّة بطريقة قد تكون متناقضة. من جانب آخر، يظهر الواقع السّوداني أن العديد من علاقات الإنتاج والأنشطة الاقتصادية تحكمها العلاقات الثّقافيّة الإثنيّة. فقد نرى مهنة بعينها تحتكرها مجموعة إثنيّة بعينها، مستفيدةً في ذلك من شبكة العلاقات الإثنيّة من قرابة وخلافها. بالطّبع هناك العديد من الدّراسات، داخل إطار المدارس الاشتراكيّة، التي تناولت هذه الظّواهر التي استعرضناها سريعاً هنا، ذلك في سبيل تقديم تفاسير لها. ولكنّا نختلف معها، داعين إلى النّظر إلى المسألة من زاوية مخالفة تماماً. ولهذا نرى أنّ المسألة، لا تنطوي فحسب على بعد ثقافيّ في مفهوم الطّبقة لم يُعطَ ما يستحقّ من الاعتبار، بل إنّ الإطار الصّحيح لمفهوم الطّبقة ينبغي أن يكون هو الإطار الثّقافي، أي بما يجمع كلّ العوامل، ثقافيّة، اقتصاديّة، إثنيّة، إلخ، في قالب واحد، وفي سياق الصّراع حول السّلطة.

 

المَلَكيّة والصّراع الطّبقي في الغرب

هناك حالات في الغرب لأوضاع طبقيّة أفرزتها ظروف بعينها لم تعد موجودة، لكن مع ذلك بقي التّمايز الطّبقي في دلالاته الثّقافيّة العامّة. ولنأخذ موضوع الملَكيّة في بريطانيا، فقد تطوّرت هذه المؤسّسة من واقع تاريخي كان فيه الملك يملك كلّ شيء، بما في ذلك شعبه. وقد كان ذلك النّظام في سياق سيطرة طبقة النّبلاء الأرستوقراطيّة على أزمّة الأمور في الغرب. في ذلك الوقت لم يكن هناك غير طبقتين، هما الطّبقة الأرستقراطيّة والطّبقة البروليتاريّة؛ الأولى تملك كلّ شيء، بما في ذلك امتلاك أفراد الطّبقة الثّانيّة. هذا ما يعرف بالنّظام الإقطاعي، حيث يعمل النّاس في الأرض كأقنان، أي بما يكفي أودَهم، وهو نظام أفضل بقليل من نظام الرّقّ. فمثلاً في بريطانيا، إبّان عهود الإقطاع، كان الفرد من الشّعب لا يستطيع تزويج ابنته إلاّ إذا أخذ إذناً من سيّد الأرض، أي النّبيل؛ ليس هذا فحسب، بل لم يكن في مقدور العريس أن يبني على زوجته إلاّ بعد أن يجامعها النّبيل في الليلة الأولى.

بعد ذلك، مع بدء الكشوفات الجغرافيّة وانتعاش الصّناعات الصّغيرة في الموانيء العديدة التي انتشرت في الدّنيا القديمة، شرع النّاس يهربون من الأرض وسيّدها نشداناً لحياةٍ أفضل فيها يملكون بعضاً من متاع الدّنيا. وهكذا تخلّقت جرثومة الطّبقة العاملة التي كانت حينها تملك أدوات إنتاجها ريثما يفضي نفس هذا الواقع إلى بروز طبقة جديدة منهم اكتنزوا الذّهب والفضّة وتكاثر رأسمالهم، فعمدوا إلى توسيع ورشهم الصّغيرة التي تحوّلت إلى مصانع، فأصبحوا يستأجرون زملاءهم من الطّبقة العاملة المبتدئين الذين لا يملكون رأسمالٍ كافٍ للشّروع في العمل. وهذه هي الطّبقة الوسطى، أي الرّأسماليّة التي كبرت سريعاً، إذ وقع عليها عبء تدشين الثّورة الصّناعيّة وعصر التّنوير والنّهضة.

انتهى الأمر بزوال هيمنة الطّبقة الأرستوقراطيّة على مقاليد الحكم من زاوية الحقّ المطلق الذي باشر به الملوك حكم شعوبهم. وهكذا أصبحت مؤسّسة الملَكيّة في بريطانيا (وطبعاً في دول أوربّيّة عديدة) تملك ولا تحكم. وهذه جملة تبدو واضحة، لكن ليس أكثر منها تعقيداً. فقد تواضعت هذه الأمم بعد قرون من عدم الاستقرار والاحتراب إلى تجريد المؤسّسة الملَكيّة من سلطاتها المطلقة وتقييدها. في المقابل ظلّت تخوّل (دون أن تفوّض) السّلطات المصادرة من المؤسّسة الملكيّة إلى النّظام البرلماني، أي من عامّة الشّعب المنتخبين ديموقراطيّاً في انتخابات حرصوا على أن تكون حرّة ونزيهة. ولكن في بريطانيا تمّ الإبقاء على واحدة من أهمّ مؤسّسات النّبلاء الحِكمانيّة، ألا وهي مجلس اللوردات، أي مجلس النّبلاء، أسياد الأرض وما عليها. ولهذا يُسمّى النّبيل، أو اللورد، باسم رقعة أرض بعينها باعتبار أنّه قد أصبح سيّداً عليها بما فيها. وبالتّالي أصبح البرلمان البريطاني يتكوّن من مجلسين، الأوّل هو مجلس العموم House of Commons، أي المجلس المنتخب من عامّة الشّعب، وهو ما تدلّ عليه الكلمة «العموم» أي عموم الشّعب دون طبقة النّبلاء؛ أمّا المجلس الثّاني فهو مجلس اللوردات House of Lords الذي تقوم المؤسّسة الملكيّة بتعيين أعضائه بمجرّد إسباغ لقب اللورد على أحدهم، وبالتّالي لا تكون عضويّته مدى الحياة فحسب، بل يرث الللقب والمقعد البرلماني ابنه البكر من بعده. كما لا نغادر موقعنا هذا دون أن نُشير إلى أنّ البرلمان البريطاني العلماني به مقاعد مخصّصة لرجال الكنيسة الأنقليكانيّة، كما تقف الملكة بوصفها حامية الكنيسة دستوريّاً ـ هذا مع أنّ النّظام عِلماني، فانظر وتأمّل.

المهمّ في الأمر أنّ مؤسّسة الملَكيّة، ومعها الطّبقة الأرستوقراطيّة، قد ملكت الشّعب وحكمته بسلطات مطلقة حتّى استنفدت سلطاتها، ذلك بدليل تضعضع الطّبقة الأرستقراطيّة وسعي الطّبقة الوسطى (البرجوازيّة) للحلول مكانها. هنا كان لا بدّ من تطوير شكل التّوافقيّة الاجتماعيّة الذي تمخّض جرّاء الحكم المطلق. وبالفعل جرى تطويره عبر النّظام البرلماني الملكي، حيث تمّ حفظ الحقّ السّيادي الرّمزي للملَكيّة، ثمّ الحقّ المادّي والأدبي الأخلاقي للطّبقة الأرستقراطيّة، ثمّ الحقّ المادّي والأخلاقي للطّبقة البرجوازيّة الصّاعدة. ولكن هذا التّوافق لم يتمكّن الفرنسيّون من تحقيقه، ولذا كان لا بدّ من تفكيك النّظام الملّكي برّمته، ومعه الطّبقة الأرستقراطيّة. بعد ذلك طرأت تطوّرات كثيرة على هذا النّظام البريطاني ولا تزال. من ذلك أنّ إسباغ اللقب على أيّ شخص من عامّة الشّعب لم يعد يعني سيادة حقيقيّة على رقعة الأرض التي اختار أن يُنسب إليها. فمثلاً، بعد نجاح غزوه للسّودان في عام 1889م، أُسبغ لقب ورتبة اللورد على الجنرال كتشنر، فكانت الرّقعة التي فضّل أن يُنسب إليها هي الخرطوم، فأصبح لقبه النّبيل على النّحو التّالي: «كتشنر، لورد الخرطوم»Kitchener, Lord of Khartoum . وأخيراً لم يعد اللقب يورّث للأبناء، بل هناك الآن تطوّرات تعمل لتحجيم المدى الزّمني للّقب، فلا يستمرّ مدى الحياة، وهكذا دواليك.

ولكن قد يسأل سائل، ما هي قيمة هذه الطّبقة التي انتهى زمنُها والتي لا تشبه الدّيموقراطيّة ولا تشبه العِلمانيّة! ثمّ ما هي أهمّيّة مؤسّسة الملَكيّة طالما أنّها لا تحكم؟ بالفعل هناك حركة قويّة ودائبة لإلغاء الملكيّة ببريطانيا، ولكن دون جدوى. فالبريطانيّون لا يريدون للمكيّة أن يتمّ إلغاؤها. لماذا؟ لأنّ القيمة الثّقافيّة لطبقة النّبلاء وللملَكيّة لا تزال قائمة، ولو انتهت صلاحيّاتُها المادّيّة الواضحة. فالتّطوّر الطّبقي في بريطانيا ليس قصارى همّه أن يبلغ بالنّاس مصطبة البرجوازيّة. إذ هناك درجة هي بمثابة غاية المنى حتّى لأكبر البرجوازيّين البريطانيّين تهون في سبيلها كلّ التّضحيات ولا يُستغلى عليها صرف المال. هذه الغاية هي الانتقال من خانة العموم Commons إلى خانة النّبلاء Lords على ما تبدو من رمزيّة، بينما هي غير رمزيّة، إذ ذات وشيجة لا تنقطع مع السّلطة. ولهذا نرى أنّ إلغاء الملَكيّة في بريطانيا دونه خرط القتاد، إذ بدونها لن تكون هناك غاية عليا للنّاس من أجل بلوغها يتدافعون في سبل الحياة ودروبها.

 

البٌنى الاجتماعيّة السّياسيّة في السّودان

هل يمكن النّظر إلى التّكوينات الطّبقيّة في السّودان من منظور الطّبقات الثّلاث التي أشرنا لها أعلاه لدى استعراضنا للوضع في أوروبّا؟ فالمجتمع السّوداني بعموم يجوز وصفه بأنّه مجتمع ما قبل الرّأسماليّة (هذا مع تمسّكنا بمفهوم المجتمعات فوق الرّأسماليّة، راجع هذا المفهوم في منهج التّحليل الثّقافي: الوطنيّة السّودانيّة وظاهرة الثّورة والدّيموقراطيّة ـــ 2013)، بينما المجتمع البريطاني بخصوص، والأوربّي بعموم، هو مهد ووليد الرّأسماليّة. من المؤكّد أن افتراق السّياق بهذه الطّريقة الحادّة لا يساعد في أي مقايسة بين الوضعين. ولكن، هل يعني هذا أنّ جوهر ما دفع النّاس في بريطانيا، وغيرها، لتطوير درجة من التّوافق الاجتماعي السّلطوي غير موجود هنا أو لا ينطبق على الوضع في السّودان. بالطّبع لا! فما حدث في أوربّا يعود في المقام الأوّل إلى جوهر النّفس البشريّة المجبولة على حبّ الذّات ولو كان على حساب الآخرين. وفي السّودان يحكي لنا التّاريخ القريب، وليس البعيد، أنّه كانت فيه أشكال عديدة لحكم الملوك المستبدّ الذي كان يستند على الحقّ المطلق. وبالفعل كانت هناك بنى اجتماعيّة قد بدأت تتشكّل لتُفضي إلى حالة من التّوافق الاجتماعي المتمخّض عن الانقهار النّاجم من طول القهر وشطط الحكّام الذي يبدو كما لو أنّه لا توجد هناك قوّة يمكن أن تزيله عن كاهل النّاس. ثمّ هناك الاعتقاد الرّاسخ لدى قطاعات اجتماعيّة كبيرة من مسلمي السّودان بأحقّيّة المنتسبين للبيت النّبوي في الحكم، فضلاً عن سابقة رشادٍ وهدى يأملون أن تشملَهم أيضاً.

ولكن، لماذا لم يتمخّض هذا كلُّه عن وضع شبيه بذلك الذي عهدناه في بريطانيا؟ ببساطة لأنّ الاستعمار لم يسمح بذلك، فقد هبط على مجتمعات ما قبل الرّأسماليّة كما يهبط الجراد بالليل، وهي غافلة، فدمّر هذه البنى التّقليديّة التي لم تُتح لها فرصة النّموّ. ثمّ لم يغادر الاستعمار بلادَنا إلاّ بعد أن أكسب نفسه درجة من التّوافقيّة الاجتماعيّة، ذلك بطول العهد على القهر والاشتطاط فيه؛ ثمّ بفضل ما قدّم من خدمات تقنيّة لا قبل لتلك المجتمعات بها؛ ثمّ بما حقّق من استقرار نجم عن انكسار هذه الشّعوب المغلوبة على أمرها؛ ثمّ، وهو الأهمّ، بابتنائه طبقة مظاهرة له من بين أبناء الشّعوب المنهزمة، تستبطن في داخلها انهزامَها كمركّب نقص إزاء ثقافة المستعمر، فتحيلُه إلى مركّب استعلائي إزاء شعبها المهزوم. هذه هي طبقة الأفنديّة ومن شايعها في موالاة المستعمر من بيوتات طائفيّة وقبليّة. وهذه هي النّخب أو الصّفوة التي أتاحها لنا واقعُنا المعاصر.

اليوم تحاول العديد من القوى الاجتماعيّة التي تتحالف مع الصّفوة أن تحقّق قدراً من التّوافقيّة الاجتماعيّة والاعتراف بحقّها كطبقة أعلى درجة من باقي النّاس. وليس أدلّ على هذا من ظاهرة الفساد السّياسي والاقتصادي الذي طبع تجربة الصّفوة بميسمه، كما تشهد بذلك تجربة الإسلاميّين الذي سيطروا على البلاد منذ 1989م. فكثير من النّاس يتعجّبون لجسارة هؤلاء على الفساد بطريقة مكشوفة و”بقوّة عين” لم يعهدوها من قبل. لكن المسألة تعود إلى ضرورة «تعويد» النّاس على هذا الوضع حتّى ينتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة أخرى من تأسيس درجة من التّوافقيّة بها يلتقون في تسليمهم بأحقّيّة هؤلاء في المال العامّ بحكم الغلبة المطلقة التي حقّقوها. فهذه المجموعة من المتحكّمين تنشد اعترافاً بها بمثلما كان عليه الملوك في الزّمان القديم، وفي الزّمان الحديث على غرار ما تشهد به أنظمة الحكم في دول العرب العاربة، ملَكيّةً كانت أم جمهوريّة ما دام أنّها جميعاً تفضي إلى توارث السّلطة. فإذا حدث لها هذا، يمكن بعد ذلك أن تنتقل نحو مرحلة أخرى فيها يجوز أن يرخوا من قبضتهم، ومن فسادِهم، بعد أن يكونوا قد حقّقوا هذه التّوافقيّة بدرجة لا يمكن تهديدها. أي باختصار، يعمل هؤلاء النّاس لترفيع أنفسهم إلى درجة أشبه بالطّبقة الأرستوقراطيّة.

ما زاد الأمور سوءاً أنّ السّياق الذي جرى فيه كلّ هذا هو سياق الأسلمة والاستعراب الذي تمّ تدشينه بالمملكة الزّرقاء (1505م ـــ 1821م). وكان ذلك بدء تدشين الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة وبروز التّقسيم الطّبقي القائم على المعرّة stigma والمغرّةprestigma  وآليّة إعادة إنتاج الهويّات الأفريقيّة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. ولذا لم يكن من الغريب أن تبوء الصّفوة السّودانيّة بفشلٍ ذريع، وهي التي تخلّقت من أمشاج الاستعراب الاغترابيّة ومظاهرة الاستعمار بغية أن تحلّ محلّه دون أن تملك قدراته. فما هو يا ترى مفصل فهمنا لما نسمّيه بالاغتراب والاستلاب في هذا السّياق؟

 

تغريب الصّفوة والذّات الوطنيّة

أدناه سوف نحاول أن نقوم بتحليل العوامل التي أدّت إلى أن تعاني الشّخصيّة السّودانيّة الصّفويّة المشكّلة وفق حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة من الاغتراب والاستلاب، وأثر كلّ هذا في تدهور الأوضاع الوطنيّة إلى درجة تفكّك الدّولة وفشلها. وكما ذكرنا مراراً وتكراراً، إنّنا لا نعني بمصطلح الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة أيّاً من الإسلام أو العروبة، بل نعني بهذا المصطلح وعياً اجتماعيّاً متعيّناً في فضاء زمكاني بعينه. وسنبدأ تحليلنا بإلقاء مزيدٍ من الضّوء والتّحليل لمفهومنا عن اغتراب الذّات واستلابها؛ كما سنقوم في بدء تحليلنا بالتّعريف ببعض حيل وأساليب الأيديولوجيا في تحقيق أهدافها عبر تزييف الوعي.

سعت النّخبة، من قبيل طبقة الأفنديّة، إلى تمثّل القيم الاجتماعيّة لثقافة المستعمر بطريقة ملكيّين أكثر من الملك (التّركي ولا المِتّورك). وقد نجم عن هذه الانهزاميّة حالة من الاغتراب alienation، تمثّلت في تحاميها وبعدها عن الثّقافات المحلّيّة جرّاء الابتعاد عن المجتمعات الرّيفيّة التي صدرت عنها النّخبة. ولكن كانت مكافأتُها عن هذا كبيرة، إذ نجم عنه احتياز أوضاع أفضل من باقي النّاس، ذلك بجاه الوظيفة التي تستمدّ قوّتها المادّيّة من مجمل الضّرائب المتحصّل عليها من المجتمع، أي من الشّعب. كما زادت الطّين بلّة، عندما تعهّدت هذه الطّبقة ناشئتَها بما من شأنه تكريس اغترابها. أفضى بنا تنشئة الأجيال الصّاعدة من النّخب (أولاد الموظّفين) على أنّها أعلى درجة من الأجيال الصّاعدة من الرّيف (أولاد الأقاليم)، لمجرّد أنّها نسبيّاً متعلّمة، وتعمل في دواوين الحكومة، إلى وضع أصبح فيه البلد يدار من قبل الصّفوة التي تتناسل عبر التّعليم غير التّنموي التي لا همّ لها غير أن تتحلّب لبان الدّولة في سبيل احتياز أوضاع أفضل من غيرهم. ولكن المشكلة تكمن في «غيرهم» هذه؛ فبالنّسبة لموظّف الحكومة، تعني «غيرهم» هذه جميع النّاس خلا زوجته وأبنائه وأقرب الأقربين إليه. ففي مجتمع فصوصي segmentary، يتعامل النّاس فيه بمبدأ «أنا وأخي على ابن عمّي؛ وأنا وابن عمّي على الغريب»، صارت دائرة الفصّ تضيق حتّى انتهت بالأسرة الصّغيرة.

 

أيديولوجيا دولة الأفندي والشخصيّة المغتربة وتكتيكات القهر

تعتبر شخصيّة الأفندي خير مثال للشّخصيّة المستلبة. والشخصيّة المغتربة، المستلبة، هي تلك التي لا تكون سعيدة بما عليه تشخصنها، أي أنّها غير سعيدة بهويّتها التي نشأت ووجدت نفسها عليها. حتّى الآن هذه حالة شخصيّة، فرديّة؛ لكن تتأزّم المسألة وتتعقّد عندما تصبح المسألة ظاهرة اجتماعيّة، أي أنّها تشمل قطاعات من المجتمع. في السّودان، تمثّل الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة حالةً من حالات الاغتراب. فهذه الأيديولوجيا تعبّر عن قطاع ليس الأغلبيّة بأيّ حال من الأحوال، إلاّ أنّه متناهي القوّة، ذلك لسيطرته على مؤسّسة الدّولة، وبالتّالي تقديمه لنفسه كنموذج ينبغي على الآخرين (أي الأغلبيّة) أن يعيدوا إنتاج أنفسهم وفقاً له. كلّ هذا باعتبار أفضليّة وأحسنيّة الخيار المطروح من حيث قدرته على صنع الحياة والتّدرّج بها نحو الرّفاهيّة. ولكن، تكمن أزمة هذا المشروع في أنّه ينطوي على درجة عالية من القهر المزدوج. فهذا المشروع الخاسر يتحتّم عليه، في سبيل حمل النّاس على إعادة إنتاج أنفسهم، أن يقهرهم بدرجة قد ينتفي معها شرط الإبداع اللازم لصنع الحياة، ألا وهو الحرّيّة. فالحرّيّة هي شرط الأساس لأيّ إبداع. هذا من جانب؛ من جانب آخر، ينطوي هذا القهر المشتطّ للآخر، في سبيل أن يخضع لإعادة إنتاجه، على قهر ذاتي موازٍ، ذلك باعتبار أنّ الذّات هنا نفسها معادٌ إنتاجُها. في هذا المناخ القائم على تركيز القهر في حياة النّاس اليوميّة، قد يقوم نظام حكم بعينه بتشريع وضعيّة قهريّة لأسباب مرحليّة. والأمر كهذا، يفترض في هذه التّشريعات أن تُلغى في حال انتفت العوامل الدّاعية إليها، خاصّةً إذا تغيّر نظام الحكم. لكن يمكن ملاحظة استمرار العمل بهذه التّشريعات عبر نظم حكم أخرى، لا لشيء إلاّ لأنّ آليّة تشريع القهر الكامنة في صلب الأيديولوجيا الحاكمة تميل إلى التّصالح مع أيّ إجراءات قمعيّة قد تمّ تشريعُها من قبل، وبالتّالي لا تنحو إلى تغييرها. لاحظوا الإجراءات التي قام نظام مايو بتشريعها فيما يتعلّق بمنع الذّبيح يومي الأحد والأربعاء من كلّ أسبوع، ذلك في خضمّ مواسم الجفاف التي ضربت السّودان في الأعوام 1983م-1985م. فقد انتهت فصول الجفاف، وتغيّرت أنظمة الحكم من ديموقراطيّة إلى ديكتاتوريّة، ولا يزال هذا التّشريع معمولاً به. كذلك لاحظوا تشريعات منع استمرار الحفلات الغنائيّة لما بعد السّاعة الحادية عشرة ليلاً التي سنّها نظام مايو في غلوائه الدّينيّة ونزوعه لضبط حركة المجتمع لدرجة تحريم الفرح. فقد تغيّرت أنظمة الحكم، أيضاً، من ديكتاتوريّة إلى ديموقراطيّة، إلى ديكتاتوريّة، ولا يزال هذا التّشريع سارياً إلى يومنا هذا، إذ لا تُريد الحكومات تغييره لا لشيء إلاّ لأنّه يتوافق مع نزعتها الأيديولوجيّة لقهر النّاس. ومع الزّمن يمكن لهذه التّشريعات أن تصبح قوالب سلوكيّة للدّولة، أو تحقيقاً للحكومات، تتّبعها في أوضاع ربّما كانت مخالفة تماماً لسياقها الذي تبلورت فيه. من ذلك ما جاء في الأنباء من وجود بوليس للآداب العامّة بمدينة جوبا، عاصمة جنوب السّودان بُعيد توقيع اتّفاقيّة نيفاشا، يطارد الفتيات لتبرّجهنّ كما درجت العادة الحكوميّة في شمال القطر الموبوء بلوثة الإسلاموعروبيّة.

تنطوي هذه العمليّات على درجة عالية من التّغريب والاستلاب تتجلّى في تناقضاتها. من ذلك، مثلاً، أنّ العرب العاربة لا تعرف مثل هذه الإجراءت في أغلب دولها. فالأمر ليس إعادة إنتاج السّودانيّين ليكونوا عرباً، فهذا دونه خرط القتاد؛ الهدف هو قمع وقهر السّودانيّين عبر حرائك أيديولوجيا تبدو في مقاصدها الظّاهريّة كما لو كانت تتحرّى منهجاً بعينه يقوم على معايير العروبة والإسلام، ذلك في سبيل حكم هذا الشّعب. ويعني هذا أنّ المشروع الإسلاموعروبي في السّودان لن ينجح أبداً في أن ينقل السّودانيّين من هامش الهويّة العربيّة إلى مركزها. فقصارى نجاحه يكمن في أن يجعلَهم يفقدون هويّاتهم الأفريقيّة، أي أن يفقدوا موقعهم المركزي في فضاء هويّاتهم الأفريقيّة، مقابل أن يحتلّوا مكاناً هامشيّاً وضيعاً هو هامش الهويّة العربيّة (وهي نفسها ثقافة مأزومة ومنهزمة)، عبر عمليّة متناهية في القهر والظّلم وتغريب الذّات. فهم سوف يتخلّون عن أصالة إبداعهم الأفريقي ليصبحوا متلقّين لإبداع ثقافة مأزومة في حدّ ذاتها. وهذا هو الانهزام الحضاري.

ولكن السّؤال هو: كيف يمكن للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة أن تفعل كلّ هذا، وما هي طبيعة السّلطة والأدوات والأساليب التي تملكُها لتفعل هذا؟ كما أشرنا أعلاه، تعمل الأيديولوجيا في عمومها على تزييف الواقع، ذلك برسم صورة له تخدم مصالح تيّار بعينه، لكن دون أن تفصح بالضّرورة عن ذلك وإلاّ انكشف عنها الغطاء وبان غباؤها وسذاجة حيلها. فالأيديولوجيا، في الأساس، تمثّل مصالح مجموعة بعينها من المجتمع. ولكنّها في سبيل الدّفاع عن مصالح هذه المجموعة لا تكشف عن جذرها أو عن جذعها؛ إنّها تكشف عن ثمارها، وهي ثمار وهميّة بالضّرورة كونها تزيّف الواقع. تُرى ما هي هذه الثّمار؟ إنّها محض أوهام وتخيلات وتصوّرات ذهنيّة عن واقع آخر (قد يكون متوهّماً بدوره، أو ينتمي لثقافة أخرى، أي لآخر). وتعود اللعبة إلى أنّ هناك ما يستحقّ أن يتنافس عليه النّاس في سبيل تحقيق هذا التّفوّق (الوهمي في حقيقته). ولهذا نلاحظ أنّ شخصيّة الأفندي في طبيعتها تحاسديّة؛ فهو يريد أن يصبح أفضل من زميله حسداً، ولو كان هذا باتّباع كلّ الأساليب التي لا تقرُّها أخلاق الزّمالة أو العمل.

ولكن لا يزال السّؤالُ قائماً، ألا وهو: كيف تتمكّن الأيديولوجيا من فعل كلّ هذا؟ أقصر الأجوبة على هذا السّؤال أنّها تفعل كلّ هذا بتشغيلها ما يمكن تسميته بالمنبّهاتها السّلوكيّة behavioural alarms، دون استثارة أيٍّ من جذر أو جذع فكريّاتهاintellectuality . فلكلّ أيديولوجيا منبّهات؛ وما منبّهات الأيديولوجيا إلاّ ذلك القالب السّلوكي الذي يتمخّض عبر المجايلة وطول العهد جرّاء تبلور الأيديولوجيا نفسها، أي بعد أن تتحوّل إلى قناعات عقديّة، ولكن في إطار عملي. ومع كلّ هذا، لا نزال نسأل: ما هي هذه المنبّهات؟ إنّها مجمل الإجراءات الرّسميّة الصّادرة من جهة سلطويّة، ولنقل الحكومة، تتعلّق بوجوب اتّباع شكل معيّن من السّلوك ووجوب عدم مخالفته وإلاّ جرّ هذا غضب الحكومة (أي غضب الدّولة ممثّلةً في مؤسّساتها العقابيّة). في هذا تدخل مجمل الإجراءات القمعيّة (المخالفة للحسّ العامcommon sense ) التي تشرّعُها الحكومات؛ مثلاً قانون النّظام العام، أو قانون الآداب هنا في السّودان. ولا نعني بهذا ضرورة إلغاء أيّ قانون لتنظيم الآداب العامّة، بل نعني عندما تصبح الحاجة لمثل هذه القوانين العاقلة مطيّة لسنّ قوانين تستخدمها السّلطة كسوط عذاب وكرباج لتأديب النّاس وسوقِهم إلى الاستكانة. عند هذا تبدو الدّولة وقد أصيبت بالجنون. في هذه الحالات تبدو الدّولة كما لو لم يعد لها همّ غير تتبّع هذه السّفاسف، هذا بينما الوطن يمرّ بحالة جدّ خطيرة، مثلما يحدث الآن في السّودان من تشظّي وانهيار (بنفس الطّريقة التي سار عليها الصّومال). هذا مع أنّ تأزّم الموقف الوطني بعموم غالباً ما يكون من نتائج هذه الغلواء الأيديولوجيّة. عند هذا تتصرّف الدّولة كما لو أصابها الجنون. هذه هي المآلات النّهائيّة لشطط وغلواء الأيديولوجيا التي عادةً ما تبدأ كحلم مشروع، ولكنّها تظلّ تتقدّم بخطى ثابتة، ولو كانت وئيدة نحو هدفها الأخير، ألا وهو تغريب الذّات لمجمل المجتمع، وما هذا إلا بغية تحقيق مصالح فئة بعينها منه، هي بطبعها صفويّة.

 

جنون الدّولة

هل يمكن أن تصاب الدّولة بالجنون؟ الدّولة ليست شخصاً يدبّ بين النّاس، بل مجرّد مؤسّسات يُديرُها البشر. بالطّبع، يبدو هذا الحديث كما لو كان مجازيّاً، يعني أوّل ما يعني عقليّة القائمين بأمر الدّولة عندما يتصرّفون بطريقة مخالفة تماماً للمألوف في عرف النّاس، أي  للحسّ العام Common Sense. وهذا يحدث عادةً في الأنظمة الشّموليّة القائمة على حكم الفرد المطلق عندما يُصاب هذا الحاكم الفرد بالجنون. ولكن، فعلاً تصاب الدّولة بالجنون بوصفها مؤسّسة صفويّة قائمة على صفوة التّفويض أوّلاً، ثمّ صفوة القائمين بأمرها ثانياً. تصاب الدّولة بالجنون في معنى كونها مؤسّسة،ً في حالات استثنائيّة بعينها، أخطرها عندما يحدث اندماج تام بين التّنظيم الحاكم (ذي العقليّة المفارقة للحسّ السّليم) من جهة وبين الحكومة من جهة ثانية، فهما تنتفي الفوارق بينهما، وبالتّالي يندمج الإثنان في مؤسّسة الدّولة.

وفي الحقٍّ، من النّادر أن يعثر المرء على حالة تكون فيها الدّولة (ممثّلة في الحكومة التي تقوم بأمرها) وهي كاملة العقل سليمها؛ فإدارة شئون الدّولة تسمّى سياسة، والسّياسة تعتمد على ألاعيب وخدع الأيديولوجيا بصورة رئيسيّة، وما الأيديولوجيا إلاّ أداة لتزييف الواقع، ولا يتمّ تزييف الواقع إلاّ وكان ذلك على حساب العقل. كما من الصّعب أن يقع المرء على رؤساء للدّول (خاصّةً المزمنين منهم) وهم بكامل عقولهم؛ فمشاغل إدارة البلاد كفيلة بأن تذهب بعقل المرء، خاصّةً في بلاد لا تحكمها المؤسّسيّة. وإنّما لهذا حظرت بعض الدّول تسنّم أيّ شخص لسُدّة الرئاسة لأكثر من مرّتين، منها الولايات المتّحدة الأمريكيّة. ومع هذا لم يمنع هذا النّظام من أن يتسنّم الرّئاسة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة أشخاص معيّنون شكّ العالم في عقلانيّتهم. فإذا كان هذا هو حال بلد مثل أمريكا، فما بالُك بالدّول التي يصبح يومُها فإذا عليها رئيس جديد لم تكن تعرف اسمَه قبل صباح انقلابه! فأغلب رؤساء دول العالم الثّالث ممّن يمكن تصنيفُهم على أنّهم خفيفو عقلٍ، رقيقو ضميرٍ؛ وليس أضلّ ولا أضرّ للشّعوب من هذا.

ويلتمس جنون الدّولة أوّل ما يلتمس في خفّة عقول الصّفوة، قبل الحكّام. وخفّة عقول الصّفوة تلتمس بدورها في مفارقتهم للعقلانيّة والحسّ السّليم، ذلك في مجمل سلوك الصّفوة لا أفرادها. في منتصف عام 2005م قدمت إلى السّودان من هولندا امرأة محتالة تعود أصولُها إلى بعض دول أمريكا اللاتينيّة الصّغيرة، فزعمت أنّها ملكة نوبيّة [كذا!]، فتهافت عليها من الصّفوة مهووسو الحضارة والممالك النّوبيّة الغابرة ممّن عصفت بعقولهم الأحلام الرّومانسيّة بعودة مجد ممالكهم القديمة ضربةَ لازبٍ في يومٍ موعود. مع هؤلاء تهافت عليها كذلك بعض مسئولين حكوميّين وبعض أجهزة حكوميّة، تصديقاً لمزاعمها بأنّ لها طائرة محمّلة بالذّهب، تنتظر منهم الإذن بالهبوط في مطار الخرطوم. على هذا طافت من ولاية إلى أخرى في استقبالات حاشدة ورسميّة بفضل أوهام النّوبيّين، وأطماع المسئولين الذين لعبت برأسهم أحلام سرقة الجمل بما حمل، فأعطوها المال بالرُّزم كطُعم، بينما لم تكن هناك أيّ طائرة قادمة، لا ذهبيّة ولا ورقيّة. بمعيّة هذه السّيّدة النّصّابة جاء سوداني (نوبي بالطّبع) كان ضابطاً سابقاً في الجيش، وقد أُحيل للمعاش بعد محاولة انقلابيّة شارك فيها في تسعينات القرن العشرين، ليتّضح أنّه هو العقل المدبّر لموضوع الملكة الضّائعة عن شعبها. حكى أحد ضحاياها ما حدث، ثمّ ختم قائلاً: الحمد لله أنّ الانقلاب الذي قاده ذلك الشّخص قد فشل، وإلاّ، فلنتخيّل أنّه نجح وأنّه أصبح رئيس البلاد الآن!

تقوم الأيديولوجيا بتزييف الواقع. هذا ما يقوله العلم؛ لكن، ما هو تزييف الواقع هذا، وكيف يحدث؟ لتقريب الصّورة وتبسيط المسألة سوف نقوم بضرب مثل من قصّة يا ما ذاعت وعمّت آفاق صفوتنا المتعلّمة، إذ يعود المثل لقصّة وردت ضمن مقرّرات المطالعة في المرحلة الأوّليّة، ألا وهي قصّة «فرعون وقلّة عقله». تقول القصّة بأنّ فرعون، عندما بلغ الغاية في الظّلم والجبروت، وخطب في النّاس قائلاً: «أنا ربُّكُم الأعلى»، تصدّى له رجل :مستهبل»، فزعم بأنّه سوف يصنع له ملابس ما أنزل الله بها من سلطان، لم يرَ مثلَها النّاس، لا من قبل، ولا من بعد. وبالفعل، عكف الرّجل النّصّاب وهو يعمل في مغزله الوهمي وهو لا يني يطلب المزيد من خيوط الذّهب والفضّة، والفرعون يمدُّه بها. وفي اليوم الموعود، جاء الفرعون لمغزل الرّجل، فإذا بالأخير يشرع في قياس ثوب وهمي لا يراه النّاظرون، والفرعون مستعجب من الأمر دون أن يفصح عن مخاوفه وشكوكه بحقيقيّة الثّوب. فقد زعم الرّجل بأنّه لن يقدر على رؤية هذا الثّوب إلاّ صفوة النّاس، بينما ستنحجب الرّؤية عن الرّعاع والدُّهَماء. فكيف يمكن للفرعون أن يصرخ قائلاً بأنّه لا يرى الثّوب. وعلى هذا، تظاهر الفرعون بأنّه قد لبس الثّوب الخفي، ومن ثمّ خرج إلى الشّارع يتبختر، والنّاس مصطفّون على جانبي الطّريق، دون أن يجرؤ واحد منهم على أن يقرّ بأنّه لا يرى سوى رجلّ يمشي وهو عريان. لقد سيطر عليهم جميعاً الوهم، ممزوجاً بالخوف والرّغبة في مجاراة حالة اللاعقليّة التي سيطرت على الشّارع حينها. إلاّ أنّ طفلاً صغيراً كان يراقب الموقف مع والدته، صرخ قائلاً: «انظروا إلى هذا الرّجل العُريان!». عندها، وعندها فقط، أفاق النّاس من غيبوبة الأيديولوجيا التي غيّبت وعيهم وجعلتهم يوهمون أنفسَهم بأنّهم يرون ثوباً لا يمكن أن يُرى، ببساطة لأنّه ليس موجوداً. هذا هو تزييف الأيديولوجيا للواقع.

يتجلّى جنون الدّولة عندما تفارق المنطق البسيط الذي يقوم على الحسّ العام common sense، في إدارة شئون الشّعب عبر مؤسّساتها. في مثل هذه الحالات يقف الشّعب محتاراً لا يصدّق ما يرى من تصرّفات غريبة تأتي بها الحكومة القائمة بأمر الدّولة، دون أن يفهم وجه السّدادة فيها. وتتجلّى هذه السّياسات أكثر ما تتجلّى في سفاسف الأمور، إذ توليها الدّولة غاية اهتمامها. ويتكرّس جنون الدّولة أكثر عندما تستنّ القوانين المراد منها ضبط سلوك المجتمع في تجلّيّاته الثّقافيّة والحضاريّة، ومن ثمّ تشرع في تطبيق ذات القوانين بطريقة انتقائيّة، يقف خلفها الغرض في ترهيب المواطنين وترويعهم بغية ضبط أيّ إمكانيّة لتطوّر المقاومة كسلوك وطني. بمعنى بسيط، يمكن تلخيص جنون الدّولة عندما تترك الانشغال بعظائم الأمور، أي «الانشغال بالمليانة» لتنشغل في المقابل بسفاسفها، أي «الانشغال بالفارغة». ولكن من وراء سفاسف الأمور تأتي الأخطاء القاتلة المتعلّقة بالقضايا الكبرى، مثل إثارة الحرب لأغراض أيديولوجيّة بحتة، أي دون أن تكون هناك ضرورة ماسّة لذلك، فضلاً عن ارتكاب مظالم غير عاديّة. إذ يقوم جنون الدّولة في أساسه، بالضّرورة، على الظّلم المطلق. غير أنّ هذا الظّلم لا يتوقّف عند حدّ كونه غير عاديّ، بل يتجاوزه بارتكاب مظالم مجّانيّة وغير ضروريّة ولا تخدم هدفها في تثبيت أركان الحكم، ولا يمكن وصفها إلاّ كحالة مزاجيّة للدّولة. وهذا ما نشير إليه بالأمزجة المتقلّبة للدّولة المجنونة.

ليس ما نقول مستمدّاً من واقع تجربة الإنقاذ في السّودان، وإن كانت تقف في مجملها كحالة فريدة لجنون الدّولة الأيديولوجي. فإذا صدقت المزاعم التي تذهب إلى أنّ الولايات المتّحدة قد تُثير الحروب، بل قد تُدبّر حادثاً مثل 11 سبتمر 2001م، ذلك في سبيل اصطناع أوضاع موائمة لتمدّد اقتصادي تجني ثمرته قطاعات بلوتوكراسيّة قليلة (طبقة أغنياء)، فعندها قد تقف الولايات المتّحدة كممثّل لأكبر حالة لجنون الدّولة في التّاريخ المعاصر، أي بما يفوق جنون النّظام النّازي. بالعودة إلى الواقع السّوداني، نستشهد بما ظللنا نشاهده في تلفزيون حكومة السّودان (أي تلفزيون الدّولة) إبّان سنواتها العشرين، من منع باتّ للمرأة السّودانيّة، الشّماليّة (أي المسلمة افتراضاً) بالظّهور فيه وهي كاشفة الرّأس. ومع هذا ظلّ نفس التّلفزيون يسمح بعرض برامج أجنبيّة، ناطقة بالعربيّة وغير العربيّة، فيها تظهر المرأة ورأسها مكشوف. فإذا كانت هناك قيمة أخلاقيّة ملزمة تقف خلف الأمر بغطاء المرأة لرأسها، عندها يجب، في حال الالتزام بها، عدم بثّ أيّ موادّ تظهر فيها المرأة مكشوفة الرّأس. ولكن في ظلّ جنون الدّولة، بلغت العِماية درجة من عدم الهداية، وذلك عندما تعاقد تلفزيون السّودان مع مراسلات أجنبيّات (عربيّات تمشّياً مع مركّب النقص) على المستوى الدّولي، فترخّص في مسألة غطاء الرّأس، إذ كنّ جميعاً وبلا استثناء كاشفات الرّأس. كما ترخّص أكثر في استضافة غير المسلمات، وكلّ من هي غير سودانيّة، ليس في الفقرات الخبريّة، بل في برامج المنوّعات من غناء وغيره، فإذا بهنّ يملأن شاشة تلفزيون دولة الأخلاق ومطوّعي النّساء، وهنّ كاشفات الرّأس.

ثمّ هناك قانون النّظام العام، وما أدراك ما النّظام العام! ففيه نلاحظ أنّ الدّولة قد أصبحت تتصرّف كما لو لم يعد لها من همّ غير تتبّع النّاس وتصيّدهم متلبّسين بأوهى الحالات لجلدهم ومعاقبتهم، ثمّ التّشهير بهم، وذلك باعتبار أنّ ما يفعلونه لا يتوافق والإسلام الصّحيح. فمنبّهات الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، مثلاً في هذه الحالات، قد تكمن في الاشتطاط في معاقبة فتاة لم تغطِّ رأسَها، أو لأنّها تلبس ملابس ينظر إليها سدنة هذه الأيديولوجيا المغالية على أنّها فاضحة؛ أو معاقبة رجل قد اكترع له بعض كؤوس من الرّاح. كما يمكن أن يصبح تطبيق هذه الإجراءات وقفاً بالحالات المزاجيّة المتقلّبة للدّولة تجاه القطاعات المستهدفة بها. فقد يصبح الجنوبيّون (قطاع المرأة منهم بخاصّة) في لحظة هدفاً لحملات النّظام العام؛ وفي حالات بعينها قد يصبح الشّماليّون (أيضاً قطاع المرأة منهم بخاصّة) هدفاً لهذه الحملات الغاشمة. فالأمر كلّه يتوقّف على حالة مزاجيّة بها تريد الدّولة أن تنبّه النّاس إلى أنّها لا زالت هي نفسها الدّولة الباطشة التي في مقدورها ألاّ تقف عند أيّ حدّ معقول.

ولكن السّوء كلّ السّوء أن يصبح تطبيق هذه الأحكام المنافية للعدالة وللأخلاق وقفاً على الشّعب دون النّافذين فيه من طبقة الحاكمين. فقد أصبح جلد النّاس سنّةً في السّودان منذ العهد المايوي المباد، ليتمّ تكريسه في ظلّ نظام الإنقاذ تحت نفس الدّعاوى الزّاعمة بتطبيق الشّريعة وتنزيه المجتمع من الخطايا. ولكن جرت حالات لا حصر لها، تمّ فيها جلد العامّة دون الخاصّة؛ فكلّ المتنفّذين ينجون من العقاب بينما يبوء به الضّعفاء الذين لا سند لهم من مؤسّسة الدّولة. من ذلك حادثة جلد فتاة الفيديو الشّهير التي جرت بموجب حكم قضائي وبإشراف نفس القاضي الذي أصدر الحكم بإحدى محاكم أمدرمان من عام 2010م، وهو الشّريط الذي كشف سوأة النّظام الحاكم بالسّودان وكيف أنّه مفارق لكلّ قيم الشّعب السّوداني وحقوق الإنسان. راجع الموقع:

 http://www.youtube.com/verify_age?next_url=/watch%3Fv%3DHZWMA8oJE3o

جرت حادثة الجلد النّكراء بحجّة ممارسة تلك الفتاة للفاحشة. ومع هذا جاء في صحيفة الوطن في شهر يوليو من عام 2011م، نقلاً عن مراسلها بمدينة ود مدني (سليمان سلمان): «في واحدة من الممارسات اللا أخلاقيّة والمنافية للآداب والسّلوك العام، ضبطت شرطة النّظام العام أمس أحد المسؤولين الذي يشغل وظيفة حسّاسة ومعه فتاتان داخل غرفة بأحد الفنادق الحكوميّة الشّهيرة وهم يمارسون الرّزيلة. وكشفت متابعات [صحيفة] الوطن أنّ شرطة النّظام العام بعد القبض على الرّجل الذي استضافته حكومة الولاية بأحد فنادقها، قد تّم الكشف عليه، وحسب المعلومات فإنّه تمّ العثور على ما يفيد بممارسة الرّزيلة، ممّا دفع الشّرطة إلى فتح بلاغ في مواجهته بمواد تتعلّق بالأعمال الفاضحة وممارسة الفاحشة. [وقد] تمّ إطلاق سراحه بضمانة ماليّة تقدّر بخمسة مليون جنيه على أن تنظر محكمة النّظام العام غداً الأحد في القضية التي أصبحت حديث المجالس بالجزيرة». انظر تفصيل ذلك في الموقع التّالي:

 http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=340&msg=1315470435

في حادثة ود مدني، تمّ إطلاق سراح المتّهمين، بينما أُعفيت إدارة الفندق الذي جرت فيه الحادثة من الخدمة. وقد صاحبت هذه الحادثة اجتماعات مكثّفة لحكومة الولاية للنّظر في هذه القضيّة، مع وفود تذهب وتجيء من الخرطوم. وقد أطلق بعض المعلّقين في الموقع إيّاه نكتة تقول بأنّ المسئولين فضّلوا في هذه الحالة تطبيق “فقه السُّترة”.

من ذلك أيضاً التّشدّد في منع تناول الأطعمة خلال شهر رمضان، بطريقة لا تتماشى والمنطق السّليم. ولأنّ هذا التّشدّد غير منطقي وغير واقعي، لذلك تعجز الحكومة عن تطبيقه. فالمشروبات الخفيفة والغازيّة تباع في جميع المحال التّجاريّة، فضلاً عن المأكولات المعلّبة والمخبوزات، مثل البسكويت، فضلاً عن الطّحنيّة والأجبان والزّيتون. ليس هذا فحسب، إذ نجد المكيّفات، كالتّبغ، مضغاً وتدخيناً، على كراهتها في أحسن الأحوال دون الإشارة إلى حُرمتها عند المتشدّدين الأصوليّين من قبيل أهل الإنقاذ في طبعتهم الأولى، مسموحٌ بها، إذ تباع في جميع المحال التّجاريّة المخصّصة لها. هذا فضلاً عن الفواكه التي تباع على قارعة الطّرق وفي الأسواق … إلخ. ونحن هنا لا نستشهد بعدم منطقيّة منع الأكل والشّرب في رمضان مطلقاً بحجّة التّضامن مع الصّائمين؛ إذ من الذي ينبغي أن يتعاطف مع الآخر: التّعاطف مع من يصوم رمضان فيصبح موعوداً بالثّواب وحسن الجزاء؛ أم التّعاطف مع من فاته صوم رمضان لمرضٍ ألمّ به، فترخّص في الصّوم إذ يُحبّ اللهُ أن تُؤتى رُخصُه؛ أم التّعاطف مع من فاته صوم رمضان لخفّةٍ في إيمانه، فترخّص في صومه بغير سببٍ وجيه، فأصبح موعوداً بالعقاب وبغضبٍ من الله؛ أم التّعاطف مع من فاته صوم رمضان بسبب عدم الإيمان بالإسلام كأن يكون كتابيّاً أو مؤمناً بأيّ دين آخر. فمن بين جميع هؤلاء ينبغي أن يقوم الموعود بالجنّة، أي ذلك الذي صام رمضان إيماناً واحتساباً، بالتّعاطف مع الباقين ممّن فاتهم صيامُ رمضان لسببٍ أو لآخر. هذا ما يتطلّبه المنطق والعقل وقوّة الإيمان، أللهمّ إلاّ أن يكون ذلك الصّائم في شكٍّ من وعد الله له بالقبول والمغفرة والثّواب والتّزكية للجنّة.

نحن لا نستشهد بهذا، إذ بعدت الشُّقّة بين المنطق السّليم وبين الغلوِّ والاشتطاط الذي أصبح عليه حكّام البلاد. ما نريد أن نلفت إليه النّظر هو حال المرضى في بلد كاد أن يبلغ فيه عدد المصابين بمرض السّكري ما نسبتُه 25% من السّكّان، وتفشّت الأورام السّرطانيّة حتّى أعلنت وزارة الصّحّة أنّها عاجزة عن حصر عدد المصابين، دع عنك علاجهم (صحيفة السوداني، الثّلاثاء، 17/1/2012م)، دون أن نُشير إلى باقي الأمراض. فما المنطق في أن يطلب الأصحّاء، الأشدّاء، الذين أنعم الله عليهم بنعمة المقدرة على صيام رمضان، فأصبحوا موعودين بالجنّة، من مراضى المجتمع وغيرهم من العاصين ثمّ من المعذورين لمغايرة الدّين، أن يتعاطفوا جميعاً معهم فيمتنعوا عن الأكل والشّرب. إنّهم بهذا يعاقبونهم بفرض الصّيام عليهم عنوةً وبغير وجه حقٍّ لا في الدّين ولا في المنطق السّليم. ولا يفعل هذا إلاّ من كان ينظر إلى رمضان على أنّه ليس سوى عقاب من الله. فانظر إلى هذا الجنون، إذ أرادوا ترفيع شعيرة الصّيام، فإذا بهم قد أهانوها من حيث احتسبوا ولم يحتسبوا. أو خذ ظاهرة أداء الصّلاة باستخدام المايكرفونات وبأعلى صوت، كما لو كانت موجّهة لمعاقبة من لم يحضروها. فالمولى، عزّ وجلّ، سميعٌ عليم، وهو يسمع النّأمةَ بل أدنى، إذ يعلم خالجة الأنفس ونجواها. فما بال هؤلاء يعاقبون النّاس بتحويلهم الصّلاةَ إلى سوط عقاب بجعلها شكلاً من أشكال الإزعاج العام. وهذا أقرب في طبعه إلى سعي الحكّام إبّان لوثة النّظام المايوي الدّينيّة، وبعده نظام الإنقاذ، في تحويل الحدائق العامّة إلى مساجد نكايةً فيمن يرتادونها من الجنسين، ثمّ تحويلها إلى جامعات (تحويل منتزه على شاطئ النّيل بأمدرمان إلى جامعة القرآن الكريم ــــ تصوّر!)

إبّان جنون الدّولة على عهد نظام مايو المباد، تحكي النّكتة عن شاب هرب من سعير قوانين سبتمبر ومحاكم تفتيشها إلى قريته بجنوب السّودان، هناك شرع يحكي للنّاس عمّا صارت إليه الخرطوم العاصمة حيث أصبحت الأيدي تُقطّع، وأصبح النّاس يُجلدون في الشّوارع والمحاكم لسببٍ أو لآخر، كما قد يُدفن المرء (أو المرأة) إلى رقبته فيُحصب بالحجارة إذا ما نام مع أخرى … إلخ القصّة التي نعرفُها جميعاً. عندها قاطعه أحد الحاضرين المندهشين، صارخاً باحتجاج: أولم تعد هناك حكومة في البلاد!

فسيّارات الشّرطة في جميع بلاد العالم المتحضّر تسير كما لو كانت مثل أيّ سيّارة أخرى، أللهمّ إلاّ في حال أرادت إيقاف سيّارة أخرى بطريقة عاديّة، عندها تقوم بتشغيل منظومة ألوانها المتعدّدة من خلفها كإشارة للتّوقّف؛ فإن لم يُجدِ هذا، قامت بإطلاق صافرتها متعدّدة الذّبذبات (الونّانة) لمرّة أو مرّتين. ولا تجمع بين تشغيل الصّافرة وحزمة الألوان إلاّ في الحالات الاستثنائيّة كالمطاردة وخلافها. أمّا البوليس في دولة الإنقاذ، فيتبختر بسيّارته في الشّارع بلا هدف وحزمة ألوانه تتفقّع لوناً بعد الآخر من غير أيّ سبب بخلاف استعراض القوّة (من قبيل: وأعدّوا لهم ما ستطعتم من قوّة). أمّا سيّارات جهاز الأمن فيكفي أنّها تنهب الشّوارع بسرعة جنونيّة وهي غُفل من لوحة الأرقام؛ وهذا هو الحال مع درّاجاتهم البخاريّة. ويتمّ تجاوز السّيّارات في الخرطوم من النّاحية اليمين، بدلاً من أن يتمّ من النّاحيّة الشّمال، هذا وبوليس الحركة لا همّ له غير التّربّص، كقطّاع الطّرق (الرّبّاطة) في الأركان والزّوايا بغية الإيقاع بمن لا يحمل رخصة، حتّى لو لم يرتكب مخالفة، ذلك اتّساقاً مع دولة الجباية التي تعطيه نفحةً من مغارمها. وبالطّبع يمكننا أن نتصوّر ضحاياهم، إذ هم غالباً من يقودون سيّارات لا تبدو عليها الرّفاهيّة. أمّا موظّفو الخدمة المدنيّة ففي شغلٍ عن أداء وظائفهم بتلاوة القرآن الكريم عبر جمعيّات القرآن التي انتشرت في دواوين الحكومة، هذا بينما المواطنون مصلوبون على الشّبابيك ينتظرون الموظّف العابد الذي يعود في النّهاية متبرّماً من هؤلاء الذين صرفوه عن عبادة الله، وهو متجهّم الوجه، وما درى أنّ العمل نفسه عبادة. ولم لا يفعل الموظّف هذا، ومسألة احتفاظه بوظيفته تتوقّف على مدى انصياعه لثقافة النّفاق الدّيني التي تبدو كما لو كانت قد أمسكت بخناق المجتمع.

عند هذا تكون الدّولة قد أصيبت بالجنون، جنون الأيديولوجيا، بالضّبط كما يُصاب النّاس بالجنون، وكما يُصاب البقر بمرض جنون البقر. في هذه الحالة يصل الأمر إلى حالات متناقضة مع ما يستوجبه المنطق البسيط لما ينبغي للدّولة من واجبات. فمثلاً، بدلاً من أن يطمئنّ النّاس لرؤية رجل البوليس بالقرب منهم، تصبح رؤياه كافية لإثارة الرّعب والخوف في نفوسهم؛ وبدلاً من أن يقوم الجيش بحماية البلاد، يصبح دوره ترويع وقتل المواطنين العزّل؛ وبدلاً من أن يقوم جهاز الأمن بتوفير الأمن للمواطنين عبر الاستقرار، يعمل كما لو كان غاية همّه أن يقوم بترويع المواطنين بغية تأمين الحاكمين ولو كان هذا على حساب أمن الشّعب. هكذا يبلغ الجنون بالدّولة فتتصرّف كما لو كان الشّعبُ غريمَها، فتترصّد به بغية الإزراء به، والتّنكيل به، ولم لا وهي تنطلق من فرضيّة أنّه لا يمكن ضبطُه إلاّ بأخذه بالشّدّة، ولو كان في ذلك انكسارُه وإذلالُه. ولأنّ الشّعوب لا تنهزم، تكون النّهاية المحتومة لمثل هذه الدّولة هي الانهيار جرّاء استقوائها وتغلّبها، ذلك ريثما يدخل الشّعب في دورة جديدة لابتناء مؤسّسة دولة جديدة يمكنها أن تقوم بأود رعاية مصالحه عبر تركيز إرادته الجمعيّة.

 

استشراف مشروع الحداثة

في وضعٍ كهذا، يكون الشّعب كمن يحصد ما زرعه، وما الأمرُ كذلك. إذ ليس أيسر من أن تصادف شخصاً (غاباً ما يكون من صفوة المتعلّمين) يدمغ الشّعب بالجبن لعد تحرّكه وإسقاطه للنّظام الحاكم. قلنا “يبدو الشّعب كما لو كان كذلك”. فمثل هذه النّظم الغاشمة لا تنزل على الشّعوب من زرقة السّماء، بل تفرزها طبيعة التّفاعلات غير الصّحّيّة بين قطاعات الشّعب. وقد أشرنا إلى أنّ الطّبيعة غير السّويّة هذي تكمن في الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة. وهي أيديولوجيا تُعتمل داخل تلافيف وعي الشّعب، وينبغي للشّعب أن يتحرّر منها بحركة وعي جديدة. إلاّ أنّ تحرير الشّعب ليس هو مهمّة الشّعب، بل هو دور الصّفوة. لذلك عندما تعجز الصّفوة عن القيام بدورها، تصبّ جام غضبها على الشّعب المسكين. هذه صفوة معطوبة لا نفع منها ولا يرجى منها. هذه هي المرحلة التي يبدو فيها الشّعب كما لو كان مستكيناً، وما هي استكانة، بل فترة كمون لحركة وعي جديدة تُعتمل في دواخله. كلّ ما يفعله الشّعب، في ظلّ تقاصر الصّفوة المعطوبة عن أن تلعب دورها هو أن يستهلك طاقة فشل الأيديولوجيا السّائدة. ولا يكون استهلاك هذا الفشل إلاّ عبر مسلسل طويل من الإخفاقات التي ظللنا نعيشها منذ الاستقلال. كلّ هذا عبارة عن مخاض لحركة جديدة لن يكتمل هلالُها إلاّ بميلاد وتكوين صفوة جديدة بوعي جديد. عندها سوف يهبّ الشّعب وبطريقة لم يكن يتوقّعها أحد فيُطيح بالنّظام regime وبالمنظومة system. هذا هو فجر السّودان الجديد الذي نترقّب شمسه، سوف يهلّ يوماً ما دون أيّ شكّ.

الفصل الثّالث  من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان ـــ تحت الطّبع)