فائز السليك  وما أدراك ما الشرعية ؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة بعد التطورات الخطيرة التي شهدتها جمهورية مصر العربية منذ الثلاثين من يوينو الماضي،  البعض لم يخف توجسه من توجيه ضربة قوية للتجربة الديمقراطية الوليدة في مصر كنتاج لثورات الربيع العربي، وهناك من يرى أن ما حدث هو تصحيح لمسار العملية الديمقراطية، إلا أن ما يزيد الهواجس لدى الدوائر المتباكية على الديمقراطية هو وجود رئيس ( إسلامي)، وصل إلى السلطة عبر إنتخابات كانت مثيرة للجدل .

والغريبة أن دوائر فاعلة في الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تحذر من ( تدخل الجيش في السياسة والقيام بإنقلاب  عسكري)، ولا تزال قناة ( السي إن أن ) تصف التحولات في القاهرة بأنها إنقلاب عسكري . والمضحك أيضاً أن من يتباكى على شرعية مرسي ( المنتخب) هم من وجهوا ضربة قاضية لأولي الديمقراطيات في المنطقة، قتلوا الناس، وذبحوهم وحرقوا قراهم، وصادروا حرياتهم!!!!.

ما حدث في مصر ، ولمن تابعه لحظةً بلحظة مثلنا، يجعله ينظر للقضية برؤية مختلفة،  تدفعه إلى التفكير بعمق في كثير من المفاهيم، والمبادئ،  وأنا شخصياً عشت تلك الأحداث لحظةً بلحظة ، و لمست نبض الشارع، وتحدثت مع مصريين كثيرين، وشاهدت بنفسي تلك التفاعلات بذهابي إلى ميدان التحرير مرتين .

هناك رئيس منتخب؛ برغم تحفظات كثيرين على الإنتخابات، وما صاحبها من شائعات وموازنات ، ومواقف سلبية من قبل كثير من الناخبين المصريين، إلا أن ذات الرئيس، وبدلاً من أن يكون رئيساً لكل مصر، إرتضى أن يكون رئيساً لجماعة سياسية ودينية محدودة، بل بدأ دورته الرئاسية بكارثة أصبحت موضوع تندر ( أهلي وعشيرتي)، ثم رفض التوصل إلى اتفاق أو تفاهمات حتى مع من دعموه، بضرورة تشكيل حكومة إجماع، أو دستور قومي، لا ديني، ثم شرع في عملية (أخونة ) لدولة عمرها 7 آلاف عام، وهو ما أوقعه في مواجهة مع هذه الدولة العميقة. هناك 12 مليوناً صوتوا لمرسي وتقريباً هناك 5 مليون منهم من تنظيم ( الأخوان المسلمين).

لكن ، وفي المقابل، هناك أكثر من 22 مليون مواطن، بينهم من صوت لمرسي نفسه، خرجوا عليه، وبدأ الخروج بخروج مرسي نفسه على الشرعية الدستورية بإعلانه ( إعلان دستوري ) يعد أول مسمار في نعش نظامه، لأنه حول نفسه إلى فرعون جديد، فبدأت المواجهات حتى مع مؤيديه ، ومن أول المؤيدين كانت جماعة ( 6 أبريل )، هم شباب وقفوا معه، ودعموه في مواجهة أحمد شفيق باعتباره أحد ( فلول نظام مبارك) على حسب توصيف مرسي وجماعته وإعلامه .

 لقد طالب المتظاهرون بالغاء الإعلان الدستوري فضربتهم مليشيات الأخوان، ثم صاغوا  وثيقة دستور لا تعبر عن الإجماع، وطرحت للاستفتاء بطريقة ( سلق البيض)، وتصويت المواطنين بكلمة نعم أو لا، ثم وافق مرسي نفسه على تعديله!، دون أن يتمكن من إجراء انتخابات برلمانية تكون هي السلطة التشريعية، ثم طالبوا بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لكن مرسي ( تمسك بالشرعية الدستورية ) بحرفية ، أو بالأحرى يريد التمسك بكرسيه، بعد أن خرج ملايين يرفضون سياسته، ويطالبونه بانتخابات مبكرة، إلا أن التعنت حول مطالب الانتخابات المبكرة  إلى التنحي المبكر  .

والإنتخابات الرئاسية المبكرة ليست بدعة مصرية، فقد حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1974 بعد فضيحة ووتر قيت الشهيرة، واضطرار نيكسون للإستقالة، وأجريت في الأرجنتين في عام 1989، وفي البرازيل في عام 1992، وفي فنزويلا عام 2000.

والانتخابات هي أفضل وسيلة لإختيار الرئيس ونظامه ، إلا أنها تظل مسألة (إجرائية)،  ليست هي الديمقراطية كلها، ، والتي تقوم على الممارسة، واحترام الآخر، وحرية التعبير، وحرية التظاهر والعصيان المدني، وعزل الحكام ، هذه هي (الشرعية الدستورية) من وجهة نظري، من ناحية مفاهيمية وإجرائية.

 وبعد كل ذلك أقول؛ إن الشعب المصري  قدم درساً لكل العالم،  شعب يتحرك بمثل هذه الطريقة ، وهذا السلوك الحضاري،  وهذا الإبداع، ليخرج إلى الشوارع  مرتين خلال عامين، ضد حكامهم ، ولو انتخبوهم، ليتم تغييرهم سلمياً،  وهي دعوة للحوار حول مفهوم ( الشرعية).

ثم أن الجيش المصري لم يقم بانقلاب عسكري،  لأنه لا يمكن أن يكون هناك إنقلاب عسكري يتم تحديد ساعة صفره قبل أشهر، ويشارك الشباب في التعبئة له، ويساهم سياسيون ورجال دين من الكنيسة والأزهر في تنفيذه، أي إنقلاب هذا ؟؟.

إن ما حصل هو أن الجيش المصري والشرطة ، استجابوا لاستغاثة ملايين همشهم مرسي، وأقصاهم، فخرجوا عليه، فحدث الشلل التام في دولاب الدولة، بعد أن أعلنوا العصيان المدني،  وربما سحقتهم مليشيات الأخوان ، لولا وجود جيش وشرطة تحت خدمة الشعب، لا تحت خدمة الحكام، مثلما تفعل هذه المؤسسات في بلدان مجاورة لمصر، تقتل الناس، وتحرق القرى، وتقتحم البيوت، وتحمي عروش الحكام المستبدين والمفسدين .