فيصل محمد صالح لن يهدأ الحديث قريبا عن الحدث المصري، ستتواتر النقاشات وتختلف الآراء، وهذا طبيعي بسبب فرادة الحدث وغرائبيته، وخروجه عن المألوف، سواء في نمط الإرادة الشعبية وطريقة التعبير عنها في نظر البعض، أو من حيث كونه انقلابا وخروجا عن الشرعية في نظر البعض الآخر. فالإرادة الشعبية وشرعية الجماهير انتهت بغير ما توقعه الكثيرون، وبغير ما حدث في تجارب أخرى، وإن كان انقلابا وخروجا على الشرعية، فهو تم بطريقة غير مالوفة في الانقلابات العسكرية.

لكن ليس هذا هو موضوعنا، بل شكل ونوع التحالف العريض الذي تم في مواجهة حكم الأخوان والرئيس محمد مرسي. لقد أثار هذا التحالف العريض دهشة المراقبين، وصعب التوصيف الموضوعي له، فليس صحيحا أنهم كلهم من أنصار الأحزاب المصرية المعارضة، ولا هم كلهم من العلمانيين بدليل غلبة النساء المحجبات على المشاركين والمشاركات، وظهور بعض الملتحين وسطهم، وكثير من غير المنتمين سياسيا، وغير المهتمين والمتابعين للنشاط والمواقف السياسية.

في ظني ان هذا التحالف عكس التكوين المدني للمجتمع المصري، بمؤسساته المدنية راسخة الجذور والتاريخ، والتي تعكس ما يمكن تسميته بأسلوب الحياة والعيش في مصر، والذي يسميه الفرنجة (Life Style)، والذي شعر المصريون بمختلف أطيافهم وتنوعاتهم، أن حكم الأخوان، المتحالف مع مجموعة من تنظيمات الإسلام السياسي، يهدده ويسعى نحو تغييره بأسلوب حياة وعيش لا يتوافق مع الفطرة المصرية والتقاليد المتوارثة.

اجتمع في هذا الطيف تنظيمات سياسية شتى، من الاشتراكيين الثوريين في أقصى اليسار، مرورا بالناصريين والتجمعات اليسارية الأخرى، وتنظيمات الوسط الليبرالي التي يمثلها البرادعي وحزب الدستوروالأحرار المصريين و الديمقراطي الاجتماعي ، وانتهاء باليمين التقليدي الذي يجسده حزب الوفد وتنظيمات أخرى. والتف حول التحالف المثقفون والكتاب والمبدعون في مجالات السينما والمسرح والغناء والموسيقى وحتى مرتادي دار الأوبرا والفنون الشعبية والموالد. وضم رموز الطبقة الوسطى السياسية والاقتصادية ورجال الأعمال والعاملين بقطاع السياحة والبيزنس، بمثلما جاءت تنظيمات الصوفية وممثلي الإسلام الشعبي المصري.

مكث الرئيس محمد مرسي وتنظيم الأخوان المسلمين ومكتب الإرشاد عاما واحدا في الحكم، ربما لم يستطيعوا إرساء تغييرات كثيرة في الدولة والمجتمع المصري كما يشتهون ويخططون، لكنهم افلحوا، من حيث لم يستطيعوا أن يخفوا، أن يرسلوا إشارات في غاية الجدية والأهمية والخطورة لهذه الأطياف من المجتمع المصري، مفادها أنهم لو استمروا في حكم مصر لمدة اربع سنوات، فلن تعود مصر هي مصر التي عرفوها وألفوها، وعرفها وألفها العالم. كانت أكبر أخطاء مرسي ومكتب الارشاد أنهم فكوا تحالفهم مع القوى الثورية والمدنية التي شاركوها في الثورة، وأقاموا تحالفا مع جماعات الإسلام السياسي الأكثر عنفا وتطرفا، من لدن الاسلامبولي والزمر وصفوت عبد الغني وعاصم  وحازم أبو اسماعيل. وجمعوا معهم الشيوخ الذين يكفرون الناس إن كتبوا أو غنوا أو رقصوا أو قدموا البرامج التليفزيونية، أو تمشوا في الأسواق وجلسوا في المقاهي، ومن عملوا في السياحة أو لم يصوتوا لمرشحي الاتجاه الإسلامي.

ثم كانت الطامة الكبرى التهديدات والنعوت والشتائم التى انهالت على الأقباط الذين لا تسميهم هذه القنوات إلا النصارى والصليبيين، وتهديدهم في حياتهم ومعاشهم، ومطالبتهم بالرضاء والسكوت طالما سمحوا لهم بالحياة في مصر، وإلا فإن عليهم أن يهاجروا فأرض الله واسعة.

كانت قمة التهديدات في اللقاء الشهير لنصرة سوريا قبل ثلاثة أسابيع،  والذي أسماء الاكاديمي والإعلامي الإسلامي المعروف الدكتور المعتز بالله عبد الفتاح “مؤتمر نصرة سوريا وقسمة مصر”. فقد وقف كل هؤلاء، في حضور الرئيس المصري وتبسمه وتصفيقه أحيانا، يقسمون المجتمع المصري إلى مسلمين ، هم من كانوا حضورا معهم، وكفار، وهم بقية المجتمع المصري، ويهددونهم بالسحق والموت وعظائم الأمور. ثم عرضت الشاشات كيف التف بعض البسطاء المدفوعين بوهم المؤامرة الشيعية على مصر، بفعل وتأثير هؤلاء الخطباء وتلك القنوات، ليسحلوا أربعة مواطنين مصريين ويمثلوا بجثثهم ويحرقونها بالنار، وسط التهليل والتكبير والزغاريد. ولم تتحرك الدولة المصرية أو تفعل شيئا.

إن كان هذا يحدث للمسلمين الشيعة المتدينين، فماذا سيحدث للمسلمين الآخرين الذين يوصفون بأنهم غير متدينين، أو علمانيين وليبراليين، وماذا سيحدث للنصاري غير القتل والسلب والسبي؟.

الموضوع لم يعد الحكم والكراسي والمناصب، بل أسلوب العيش والحياة التي يمكن أن تفرض على من تبقى من المصريين، بعد القضاء على النصارى والصليبيين والعلمانيين والليبراليين، إما بالقتل والسحل، أو التهجير والإرغام على الخروج.

كان الأخوان المسلمون وجماعات الإسلام السياسي في كفة، وباقي المجتمع المصري في كفة، ثم شعرت الكفة الثانية بأن كل شئ في حياتها، بما فيها الحياة نفسها، في خطر، وشعر المؤسسة العسكرية بنفس الشعور، وهي ذاتها مؤسسة مصرية قديمة ضاربة الجذور، وتنتمي لنفس المجتمع ولنفس نمط العيش والحياة، فكان طبيعيا أن تنضم لذات التحالف. بعد هذا يمكن أن يصف الناس هذا التحرك كما يشاؤون، لكن لا بد أن يعرفوا مسبباته.