تعديل قانون القوات المسلحة: أول إنتكاسة لملامح الدستور المرتقب د. أمين مكي مدني لعدة أيام خلت دار جدل غريب عجيب بين الهيئة التشريعية، الجهة الأولى المناط بها وضع القوانين وفق الدستور والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وما توافقت عليه دول العالم أجمع حول محاكمة المدنيين امام المحاكم العسكرية. جدل غريب أتى للمشاركة فى وقت تدعو فيه، أو تدعى السلطة الحاكمة، انها تستجيب  لطموحات القوى السياسية والمدنية كافة بزعم انها جميعاً مدعوة للمشاركة فى إعداد دستور ديمقراطى عادل،

يُفعّل سيادة حكم القانون، وإستقلال السلطة القضائية، وتعزيز وحماية جميع الحقوق المدنية والسياسية والحريات العامة والحقوق الإقتصادية والإجتماعية. القاعدة الأساسية فى إحقاق مبدأ العدالة هو مبدأ “المحاكمة المفتوحة أمام القاضى الطبيعى”، وفق إجراءات تكفل حق المتهم فى الدفاع بواسطة محامى يختاره، أو تختاره الدولة فى حالة الإعسار، وتكفل سماع دفاعه أمام القاضى والنيابة والدفاع والجمهور، وتقديم الشهود والوثائق إلتى تعزز له حقوقه الدستورية. المادة 14 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، والذى أنضم إليه السودان فى العام 1986 ، تنص على ما يلى :-

 ” 1. الناس جميعاً سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد، لدى الفصل فى أية تهمة جزائية توجه إليه أو فى حقوقه وإلتزاماته فى أى دعوى مدنية، ان تكون قضيته محل نظر منصف وعلنى من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون.

2.من حق كل متهم بإرتكاب جريمة ان يعتبر بريئاً إلى ان يثبت عليه الجرم قانوناً.

3.لكل متهم بجريمة ان يتمتع أثناء النظر فى قضيته، على قدم المساواة التامة، بالضمانات التالية:-

       (أ)-   أن يتم إعلامه سريعاً وبالتفصيل ، وبلغة يفهمها، بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها.

       (ب)-  أن يعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه والإتصال بمحام يختاره بنفسه.

       (ج)-  أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له.

       (د)-  أن يحاكم حضورياً وان يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من إختياره، وان يخطر بحقه فى وجود من يدافع عنه إذا لم يكن  له من يدافع  عنه، وأن تزوده المحكمة حكماً، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضى ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله اجراً على ذلك، إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الاجر.

       (هـ) – أن يناقش شهود الإتهام بنفسه او من قبل غيره، وان يحصل على الموافقة على إستدعاء شهود النفى بذات الشروط المطبقة فى حالة شهود الإتهام.

       (د) – أن يزود مجاناً بترجمان إذا كان لا يفهم او لا يتكلم اللغة المستخدمة فى المحكمة.

       (ز) – ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الإعتراف بذنب.

  4. “فى حالة الاحداث يراعى جعل الإجراءات مناسبة لسنهم ومواتية لضرورة العمل على إعادة تأهيلهم.

  5. ” لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء، وفقاً للقانون ، إلى محكمة  أعلى كيما تعيد النظر فى قرار إدانته  وفى العقاب الذى حكم به عليه..”

تلك هى مبادىء الشرعة الدولية لحقوق الإنسان إلتى تحدد أسس المحاكمة العادلة، مبادىء قبلها السودان وإلتزم بها بموجب التصديق فى 1986 على العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما تأكد  ذلك  الإلتزام إيضاً بموحب المادة (3) 27 من الدستور الإنتقالى لسنة 2005 وإلتى تنص على ان جميع الحقوق والحريات الواردة فى العهود والمواثيق الدولية، إلتى يصادق عليها السودان تعتبر جزاً أساسياً من الدستور. يعنى هذا ببساطة شديدة ان اى قانون او مرسوم أو امر يصدر مخالفاً لتلك الحقوق والحريات الأساسية يعتبر باطلاً، وعلى المحاكم، بطبع الحال، ان تقضى بذلك. هذا، فضلاً عن ان الدستور الإنتقالى نفسه ينص فى المادة 34، المعنية بالمحاكمة العادلة، على إفتراض البراءة، والحق فى محاكمة علنية أمام”المحاكم العادية” دون تأخير لا مبرر له، وحقه فى الدفاع عن نفسه بنفسه، أو بواسطة محام يختاره أو تعينه له الدولة فى حالة الإعسار.

من الواضح ان الطريقة والإجراءات إلتى تتم بها المحاكمات العسكرية عموماً تتم بالإنفعال والعجلة، والسرية، وإنعدام فرص الدفاع، وتنفيذ الاحكام، ومن بعد إعلان تنفيذها مع الغياب الكامل لفرص الدفاع او الإستئناف للقضاء المدنى الأعلى أو الطعن أمام المحكمة الدستورية. كما أن المحاكم العسكرية ربما يتم تشكيلها من رئيس وأعضاء لم يدرسوا ولا صلة لهم  بالقانون أصلاً. يسعى دعاة تبرير محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية أنها ضرورة ملحة لمكافحة الأرهاب، ومحاسبة المتمردين الذين يرفعون السلاح لقلب نظام الحكم، أو المتهمين بالتخابر مع دولة اجنبية ألخ… فى هذا السياق خبرنا كيف قام النظام بإجازة قانون مكافحة الأرهاب لسنة 2001، بكل مخالفاته للدستور بالإعتقال التعسفى لآجال غير محددة، والمعاملة اللاإنسانية إلتى يتلقاها المعتقلون،  بما فى ذلك أماكن الإعتقال، والحرمان من الطعام، والنوم، والعلاج، وزيارة الأقرباء، ومقابلة محامى الدفاع، ومنح وزير العدل، عضو الجهاز التنفيذى، صلاحيات تشريعية فى تكوين وتحديد قواعد إجراءات المحاكم، بالتساوى مع رئيس القضاء…ألخ. ومن ثم، ظهور المعتقلين مكبلين بالسلاسل، فى حالة مرض وإعاقة وأجهاد وهلع، ثم تمثيل الدفاع عنهم، بواسطة ” النيابة” ! أمام ” محاكم خاصة” ، أنعقدت وأنفضت بعد إجراءات إيجازية قضت بإصدار ما يزيد عن أكثر من مائة حكم بالإعدام فى بضعة أسابيع. شهدنا هذا عياناً وداخل المحاكم عقب هجوم قوات العدل والمساواة  إلى امدرمان فى 2008.

فإذا كان هذا أمام المحاكم ” الخاصة” إلتى ربما تعتبر مجازاً محاكم مدنية، فكيف يكون الحال إذا مثل المتهمون أمام محاكم عسكرية داخل ثكنات القوات المسلحة، أمام ضباط يطبقون أوامر رؤسائهم، كما أسلفت القول ؟ فأين تذهب مبادىء المحاكمة العادلة وسيادة حكم القانون؟ وهل هذه أحدى سمات الدستور القادم يا ترى ؟       

لنا فى تاريخنا السياسى عقب الإستقلال تجارب مريرة حول محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية فى ذكريات تقشعر لها الأبدان والوجدان وتوخز الضمير، راح ضحيتها الآلاف من أبناء شعبنا وأزهقت أرواحهم فى سرية وكتمان وظلم وطغيان. منها محاكمات “الشجرة” الشهيرة إلتى دبرت لإغتيال قادة الحزب الشيوعى فى محاكمات سرية، جلس ورائها بمكتبه الرئيس القائد ليعيد أية محكمة لم تحكم بالإعدام مع ” أوامر” بأن تفعل ذلك فوراً، وإعادة الحكم إليه للتصديق، ثم التنفيذ الفورى، ثم محاكمات 1976 فيما سمى غزو ” المرتزقة” او “الغزو الليبى” والمحاكمات العسكرية الصورية إلتى تمت لإعدام المئات، ان لم نأت على ذكر الذين تم إعدامهم ميدانياً أوقبرو أحياء، كما أنعقدت فى بداية عهد الأنقاذ  عدة محاكم عسكرية إيجازية مثل أمامها مدنييون حكم علي عدد منهم بفترات سجون مختلفة، فى غياب تام لمبادىء ضمانات العدالة الجنائية إلتى أسلفت الإشارة إليها.

فى وقت ندعو فيه إلى دستور ديمقراطى جديد تتوافق عليه كل القوى السياسية الحاكمة والمعارضة وقوى المجتمع المدنى ، دستور يكفل الحقوق والحريات جميعها، دستور يقتضى ان تعطل وتلقى بموجبه جميع القوانين التعسفية القائمة: أمن الدولة، الصحافة والمطبوعات، الجنائى، مكافحة الأرهاب، النقابات، المجتمع المدنى، القضاء، وغيرها وغيرها، لتتماشى مع مبادىء الديمقراطية وسيادة حكم القانون وتعزيز حقوق الإنسان. فى وقت مثل هذا كيف تجرؤ السلطة الحاكمة على ان تسن قانوناً للقوات المسلحة يتيح محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية؟ بالقطع لن يفوت على فطنة دعاة إجازة هذا المشروع ان المحاكم المدنية العادية، ما يسمى ” القاضى الطبيعى” كفيلة ، أو ينبغى ان تكون كفيلة، بتطبيق القوانين المدنية  والجنائية، على حد سواء، فى مواجهة المدنيين الذين يخالفون تلك القوانين. أما أن كان لوزارة الدفاع أو الذين سعوا بالقانون العسكرى الجديد للمطالبة بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، رأى فى عدم قدرة القضاء المدنى على القيام بتلك المهمة، فهذا أمر آخر، لن يخرجنا من أزمة إعداد دستور ديمقراطى مدنى جديد يكفل فيما يكفل مبدأ إستقلال القضاء. ولعل من باب الدعابة أن نسأل السيد وزير الدفاع إلى أين ينوى ان يحيل تاجراً أحتال على ضابط بالقوات المسلحة وأستولى على ماله ؟ أليست هذه جريمة عسكرية ؟ بالمقابل أين يرى السيد الوزير مكان محاكمة ضابط فى القوات المسلحة أستولى أحتيالاً على اموال مواطن مدنى؟ أمام القضاء المدنى ام العسكرى؟

ختاماً، نقول ان كنا بصدد إعداد الدستور الجديد الذى يكفل سيادة القانون، فحرى بنا العمل على تقويم القوانين الإستثنائية القائمة، عوضاً عن أن نسبق الدستور المرتقب بقوانين إستثنائية جديدة. ونتساءل ما إذا كان الدستور الجديد خطوة إلى الامام فى سبيل التحول الديمقراطى، ام رجعة إلى الوراء وعسكرة الحقوق والحريات؟

وحسب ما ورد فى أجهزة الإعلام ان السيد النائب العام، صاحب اليد العليا فى الملف الجنائى كان ضمن من اجازوا التعديلات الجديدة. عل هذا يلقى بعض الضوء على موقف الشعب المصرى فى ثورته العظيمة حيال تعيين النائب العام، فلا شك شتان بينه ووزير العدل فى المجتمع الديمقراطى .!

 

                                                                                   أمين مكى مدنى