استيلا قايتانو غداً تتزين جوبا وعواصم ولايات جنوب السودان الاخرى بابنائها وهم يحملون اعلام وطنهم الجديد ، بآمال متجددة ونظرة متفائلة نحو الغد ، ناسين في مثل هذا اليوم آلامهم واحزانهم وصبرهم على عدم تحسس متغيرات الانفصال ومآلات الاستقلال وينظرون نحو قياداتهم الذين غدروهم بالفساد الذي اذكم الانوف  بتسامح فرضه عليهم يوم العيد الوطني واعين تماما لعدم الربط بين الوطن والحكومات ، لان الوطن باقي والحكومات ذاهبة بخيرها وشرها لان الوطن دوما يسع الجميع وهو شئ لا تستطيع الحكومات فعله لذا فالوطن ثابت والحكومات متغيرة .

لابد ان الوقت يفعل فعله لان فرحاً بعد عامين ليس مثل الفرح قبل عام وليس

مثل يوم الذي انزل فيه علم السودان ورفع علم جنوب السودان . يوم انزال

علم السودان ورفع علم جنوب السودان كان الفرح طاغياً لدرجة اغمى على

البعض وبكى كل الجنوبيين في كل بقاع الارض ، وكان الشعور كمثل الذي سجن

لسنين كثيرة ويحس بان كل مشاكله سوف تحل بمجرد خروجه من السجن ، هذا كان

شعور كل الجنوبيين بما فيهم القادة ، فرفع علم جنوب السودان كان يعني

الحرية ، وكان يعني العدالة ، وكان يعني التنمية المتوازنة وكان يعني

القضاء على المرض والجهل والجوع وكان يعني التخلص من الشعور بالدونية

واتساع فرص المشاركة دون اقصاء او استعلاء ، واهم من ذلك كله كان يعني

باننا سنحكم انفسنا بانفسنا وذلك يعني تماما باننا نعلم حاجتنا وحاجة

الوطن والمواطنين لدرجة كنا ننظر لقادتنا في ذلك اليوم بانهم رسل الرحمة

الذين ارسلتهم العناية الالهية لانقاذ شعب جنوب السودان من عذابه الذي

امتد لخمسين عاماً و نيف ، عانى فيه الاحتراق بالحروب والنزوح واللجوء

والموت المجاني والتوهان في مجاهل المرض والجوع والجهل وامراض العنف

المسلح كان سجنا في الوطن القديم  لذا كان فرحاً مرتبطاً بالحدث الآني .

ولكن للواقع كلمته وفعله ، الاحتفال بمرور عام على الاستقلال كان هناك

التفاتة مننا نحو انفسنا بعد ان ادهشنا بان  لنا امراضنا التي لم نكن

منتبهين اليها في ظل ارتداء نظارات سوداء لا تنظر إلا لعيوب الشمال ولا

ترى غير انتهاكات الحكومة المركزية في الخرطوم ولا تلتقط سوى الامراض

الاجتماعية التي كان مصاباً بها من يسكنون في الشمال والوسط الجغرافي كما

يظنون وممارستهم للعنصرية والاستعلاء المستتر والمعلن والمدفون عميقاً في

اللاوعي واستغلال الاخرين من سكان الهامش .

ومن ضمن مفاجآت الواقع اكتشف الجنوبيون بأن قادتهم ليسوا ملائكة رحمة

ولا يحزنون وانهم لا يتورعون في تكرار انتهاكات الحكومة المركزية في

الخرطوم ماركة جوبا ، وانهم خلال عام واحد انزلوا الشعارات التي دغدغت

الشعور العام لتوصلهم لمراكز السلطة والثروة ومن ثم يفكون الشعب الجاهل

والجائع والمريض والساذج عكس  الهوا ، وينغمسون في الفساد واكل المال

العام متناسين نقل المدن الى الريف وربط الريف بشوارع مسفلتة وآمنة ،

متجاهلين رغبة الاطفال للالتحاق بالمدارس غير الموجودة اصلاً ويغضون

الطرف بأن المدارس الموجودة تعمل على دوامين صباح مساء لاستيعاب من يسجل

اولاً وليس الراغب في التعليم لانه ببساطة يمكن ان يقال لك لا يوجد لدينا

مكان لاستيعاب ابنك تعال العام القادم صباحا بدري ، متجاهلين شكوى المرضى

من سوء الخدمات الطبية وسوء الدواء وفساده وعدم توفر الاوكسجين والكهرباء

شرعوا بكل ما ملكوا من قوة لتعويض حرمانهم متناسين حرمان الاغلبية من

مواطني هذه البلاد .

وتحول الناس الى طبقات وتحول بعض انصاف المتعلمين والمثقفين الى تجار

انتهازيين يبحثون عن الثراء الفاحش ويبيعون الغذاء والدواء باضعاف

اسعاره للمواطنين الذين كانوا بالامس يستخدمونهم في الشعارات المنادية

بكرامتهم وعدم استقلالهم ويطالبون بان يصبحوا مواطنين درجة اولى في

الدولة الجديدة ، فالواقع شاهد على ان كل تلك الشعارات البراقة كانت من

اجل ان يتحولوا الى مركزيين جدد وفشلوا في اول اختبار للمبادئ ، هل كان

ذلك ناتجاً من ايمانهم بها ام انها مجرد سلم يوصلهم للارتفاع الذي يريدون ؟

وبعد ان وصلوا اكتفوا بذلك واصبحوا لا يرون جوع الناس ولا جهلهم ولا

مرضهم ، وصمتت الاصوات التي تنادي بخطر من يتواجدون في الخرطوم واستعجال

عودتهم الى ارض الوطن ، اجبروا الناس على بيع بيوتهم والتحضير للعودة

جنوباً وفجأة بعد الاستفتاء ونتائجه المفرحة ، تم نسيانهم في محطات

العودة الطوعية ، عامان بالكمال والتمام ، اسر وامتعة وحنين الى الوطن ،

كل ذلك احترق تماماً بالصبر الطويل مات فيه من مات ، وضاع فيه من ضاع من

افراد و امتعة وهل يعلم هؤلاء وجع الانتظار ؟ وهل يعلم هؤلاء آلام من لا

وطن له ومن لا حكومة تسأل عنه وتتحول اسر معززة مكرمة وحتى في عصر

المواطنة درجة ثانية كانوا في حال افضل من الآن فكل ما يعرفونه كانت

المنظمات التي تجود عليهم بالخيام والذرة والزيت ، كنت اتمنى ان ينادوا

بالعودة الكريمة اكثر من العودة الطوعية ! ووضع استعداد الناس النفسي

والمادي للرحيل ولكن توصيل رسالة ان الجنوبيين لا يحبون الشمال وان ظروف

الحرب اجبرتهم المكوث هناك والكثير من المتاجرة السياسية التي دارت بخصوص

عودة الناس كان اعلى واسمى واقيم من الانسان نفسه ام لماذا يظل انسان

جنوب السودان عالقاً في المعسكرات اذا كانت في الخرطوم او مدن السودان او

حتى في جنوب السودان في الرنك عامين على التوالي ؟؟ والمستطيع يعود على

حسابه الخاص اذا كان حريصاً على حياته وصحته وعفشه ؟؟ .

 وها نحن نحتفل الآن بعد مرور عامين على الاستقلال ، وحكامنا يشعرون

ببعض الحرج ، ويحضرون للاحتفال بطريقة خجولة ومتواضعة ، لانه ببساطة ليست

هناك اي انجازات تذكر ليقولوها للناس غير التبرعات التي حصلوا عليها من

عدة دول وعدة منظمات ، لا مياه نقية لا كهرباء لا طرق جديدة ولا خدمات ولا

زراعة ولا استثمارات حقيقية على ارض الواقع والعذر معروف نسبة لغلق

انابيب البترول ؟!.

في العام الثاني ، بعد اكتشاف بان قادتنا كانو صورة من السادة السابقين ،

وان للمجتمع الجنوبي امراضه

ولا يخلو من الانتهازيين والعنصريين والمستعلين والطامعين ومستغلي

الاخرين من بني جلدتهم الجنوبيين ، كان لابد من وقفة ، وقد يسأل الباحثون

عن الافضل، هل يجب الاستمرار فيما كنا نفعله اثناء كنا دولة

واحدة ؟ هل نستمر في التحدث عن الديمقراطية والشفافية ومحاربة الفساد ؟

هل نستمر في الكتابة عن العدالة واعلاء حكم القانون ؟ هل نحتاج ان نجري

عمليات جراحية في جسد مجتمعاتنا لمعرفة الداء وعلاجه  قبل ان يصبح جزءاً من

الدولة وممارساتها ؟ .

واخيراً رغم كل شئ نحن فرحين وسعيدين ، لان حب وطن يسمى جنوب السودان

اصبح يتشكل في قلوبنا ، وفي هذا العام نحن متحمسون اكثر من العام الفائت

للاحتفال بعيد الوطن ،  حضرنا الازياء والاعلام ، وليس لنا حماس

للاستماع الى اي خطب لان هذا هو عيد الاستقلال وليس عيد الحكومة ، ولاننا

ببساطة لا نريد الربط بين الحكومات والوطن ، لان احباطاتنا من الحكومات

وغضبنا منها يجب الا تقرن باحتفالات اعياد الاستقلال حتى لا نفقد هذه الصفة

الوطنية والقومية ، وحتى لا تندس الحكومة وراء الانجازات التي ساهم فيها

الكل وتنسبه لنفسها وتتزيأ بلباس البطل وتمارس تغبيش البصر حتى يتناسى

الناس اخفقاتها .

ويتمسك مواطنو جنوب السودان بالوطن  ومحاولة التوحد وتتجمع الايدي حول

شراع العلم فيتصالحوا مع الماضي الذي لا يمكن تغييره ولكن الامل كل

الامل في الغد القريب ونرى ان وطننا موعود بخير كثير وفي انتظار من

يكتشفه ويفجره ويحسن ادارته ولكل منا واجب يجب ان يؤديه قبل المناداة

بالحقوق  واني على يقين بانه قريباً سننعم جميعا ومن حولنا بالخيرات فقط

افعل افضل شئ تستطيع فعله اليوم حتى تشرق شمس الغد بسرعة .

 

وكل عام والوطن وانتم بالف خير..