عيسى إبراهيم * الأحداث في مصر تتسارع ويأخذ بعضها برقاب بعض، ولا يستطيع المتتبع لها أن يلتقط أنفاسه راصداً أو محللاً أو معلقاً عليها..فما الذي حدث؟!..

مصر بين شرعيتين

بدأت الأحداث الساخنة عقب بيان الجيش بعزل محمد مرسي الرئيس المنتخب، ووضعه في الاقامة الجبرية، متحفظاً عليه، وتكليف عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا في مصر لشغل منصب الرئيس بصفة مؤقتة، وتكوين حكومة قومية بالتكليف وتعديل الدستور واجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، استجابة لرأي الشارع المصري في نظر القوات المسلحة (بحجة الشرعية الثورية) والقوى المعارضة نتيجة لتوقيعات وخروج وحشد للشارع من قبل حركة تمرد وجبهة الانقاذ المصرية المعارضة..

في الجهة المقابلة وقفت جماعة الأخوان المسلمين منددة بما حدث ومعتبرة ما جرى من الجيش المصري انقلاباً على الشرعية التي (في نظرهم) يتمتع بها الرئيس المصري المعزول محمد مرسي (الشرعية الدستورية)، ورافضة لما جرى جملة وتفصيلا، وحاشدة لقواها ومحاولة ارجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وتغيير الواقع لما كان عليه قبيل ما قام به الجيش المصري من تغييرات في بنية النظام..

العنف سيد الموقف

فقدت جماعة الأخوان المسلمين في مصر صوت العقل، وفارقت المنطق في أغلب الأحيان، إلا من أصوات خافتة دعت إلى التعقل والحكمة، ومن الحكمة التي نادى بها بعض متنفذي الجماعة اعتبار الجيش المصري خطاً أحمر ينبغي ألا يعتدى عليه أو يزج به في أتون المعركة المحتدمة بين تياري المناصرة والمعارضة، كما دعوا إلى التعبير عن الرأي بالسلمية لا العنف..

لم تكن جماعة الأخوان المسلمين تحلم بأن يخرج عملها السياسي إلى العلن وتمارس نشاطها السياسي في رابعة النهار وكانت قد تعودت في عهد يوليو 52 إلى الانحناء إلى العاصفة مراراً وتكراراً، ولكنها بعد الثورة المصرية التي أطاحت بحسني مبارك وفلول يوليو 52 حصلت على أكثر من ما كانت تحلم به “العلن، والسلطة على طبق من انتخابات ساعدتها ظروف منافسة أحمد شفيق لها (من الفلول) إلى انحياز بعض القوى الثورية لها كراهية في أن يأتي من الفلول من يعيد انتاج النظام البائد مرة أخرى”، وارتكبت الجماعة عدة أخطاء قاتلة منها أن تعد وتخلف ما وعدت..

لقد بدا واضحاً انقسام الجماعة إلى تيارات بسبب الأزمة الطاحنة، فمنهم كما قلنا من دعا إلى التعبير السلمي ومنهم من دعا إلى العنف وتقديم قرابين من شباب الجماعة الاسلامية على مذابح السلطة ومصادمة الجيش فهاهو الدكتور صفوت حجازي القيادي بالجماعة (العربية نت) يهدد باستخدام وسائل تصعيدية وطرق لا يمكن أن يتخيلها أحد لإخراج الرئيس المعزول محمد مرسي من دار الحرس الجمهوري أو من وزارة الدفاع.

إثارة كاذبة في مواقع التواصل

أكد المتحدث الرسمي باسم الجيش المصري أن صوراً مزيفة بثت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تشير إلى مقتل أطفال بأحداث الحرس الجمهوري وهي صور مزيفة بطبيعة الحال، ويأتي ذلك في إطار الحرب النفسية والاثارة والتكذيب والشائعات، التي يتم شنها على القوات المسلحة المصرية..

وقد بث التلفزيون المصري (العربية نت) مقطع فيديو مصدره الجيش المصري للهجوم المسلح الذي جرى على مقر الحرس الجمهوري وذهب ضحيته عشرات القتلى ومئات الجرحى.

وأظهر الفيديو شبابا من أنصار جماعة الإخوان يضربون أعيرة نارية باتجاه الجيش، كما تم تصوير بعض الذخيرة وزجاجات مولوتوف.

وظهرت بنادق بيد بعض أولئك الشباب، كما تم رمي ما يشبه المفرقعات النارية باتجاه جنود الجيش، والتي يبدو أنها من زجاجات المولوتوف.

وكانت القوات المسلحة المصرية أصدرت بياناً قالت فيه إن مجموعة إرهابية مسلحة حاولت اقتحام دار الحرس الجمهوري واعتدت على قوات الأمن، ما أدى إلى مقتل وجرح عدد من العسكريين بينهم حالات خطرة.

وأضاف البيان أن القوات قبضت على مئتي شخص من الإخوان وبحوزتهم أسلحة نارية وذخائر وأسلحة بيضاء وزجاجات المولوتوف.

وأعلن مسؤول أمني كبير لوكالة فرانس برس (العربية نت) أن مقر حزب الحرية والعدالة بالقاهرة، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، أغلق بقرار من السلطات المصرية بعد العثور على أسلحة يوم الاثنين الماضي.

أحداث الحرس الجمهوري

كل الدلائل تشير إلى أن جماعة الأخوان المسلمين في مصر استخدمت العنف المسلح وهاجمت موقع الحرس الجمهوري بل هناك ما هو موثق بالصورة في عدد من القنوات التلفزيونية مثل الـ “بي بي سي” و”الحرة” لأفراد مدنيين يحملون الأسلحة ويهاجمون مقر الحرس الجمهوري، وقد جاء على شريط الـ “بي بي سي” الأخباري الثلاثاء التاسع من يوليو 2013، “الجيش المصري يقول ان احداث الحرس الجمهوري بدأت بهجومين مسلحين”، “أكثر من خمسين قتيلاً في اشتباكات الحرس الجمهوري والقيادة العسكرية المصرية تقول ان مجموعات مسلحة هاجمت المنطقة باستخدام الذخيرة الحية فاضطررنا للتعامل معها”، “الأخوان يتهمون الجيش بقتل العشرات من مؤيديهم أمام مقر الحرس الجمهوري ومصدر عسكري يقول بأن الجيش كان يصد هجوماً أسفر عن مقتل واصابة بعض أفراده”..

هدف جماعة الأخوان المسلمين من العنف

ما الذي استهدفته جماعة الأخوان المسلمين من هجومها المسلح على موقع الحرس الجمهوري وهي تعلم يقيناً أن ما تقوم به لن يجدي فتيلاً في اصلاح ما انكسر، أو رتق ما انفتق؟!..

بهجومها على موقع الحرس الجمهوري وتكبدها خسائر في الأرواح (تقديم القرابين) بحجة وشعار “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”، تهدف الجماعة إلى أمور كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:

1/ في حالة نجاحها في خطتها “تحرير محمد مرسي” من الاعتقال التحفظي (وهو أمر مستبعد بطبيعة الحال ولكنه ممكن في حالة ضبط الجنود لأنفسهم من استعمال الذخيرة الحية) تكون قد حققت انتصاراً نوعياً على القوة الوطنية واحراجها وربما تسببت في زعزعة استقرار الجيش المصري..

2/ في حالة فشلها في ما تهدف إليه في الحالة القصوى، يمكن لها أن تحرج القوات المسلحة وتضعها في كماشة تأنيب الضمير من اراقة دماء كما كان من الممكن تفادي القتل باستعمال القوة في تعطيل المهاجمين وتكتسب بذلك تعاطف البعض (الذين تسبق عاطفتهم عقولهم) معها..

3/ يتأتى لها من هجومها قسمة المعارضة وزعزعة توحدها فهاهو شيخ الأزهر يطالب بوقف العنف من جميع الاطراف ويعلن اعتكافه في بيته (استدعاء الحالة الغاندية)، وهاهو في غمرة الأحداث يساوي بين الضحية (الجيش) والجلاد (الأخوان)..

4/ ومن أكبر مظاهر القسمة في المعارضة هاهي جبهة الانقاذ الوطني تندد بكل أنواع العنف وتطالب بتحقيق عاجل..كما استنكر البرادعي أي شكل للعنف وطالب بتحقيق فوري ومستقل وشفاف، من ما يجعله ويجعل جبهة الانقاذ الوطني يقفان في خط موازٍ مع شيخ الأزهر..فالعنف حقيقة نابع من جماعة الأخوان المسلمين التي اعتقدت أنها فقدت كل شئ وهاهو الطبع يغلب التطبع فينهار المظهر المصطنع وتظهر الحقيقة..

المكتولة ما بتسمع الصياح!

لقد قال عصام أحمد البشير (من جماعة الأخوان المسلمين السودانية) في خطبة الجمعة الماضية في مسجد النور بكافوري عن أحداث مصر الراهنة (في بكائية آنية جاءت بعد فوات الأوان): “كنا نود لهذا الانقسام والتشظي أن يحل بطريقة دستورية؛ بالاستفتاء..ولكن مضى الجيش في انقلابه…قد يقال هناك أخطاء من مرسي وأتباعه ومن منا لا يخطئ؟..وتمنيت لما حدثت هذه الثورة ألا يبادر الأخوان بأن يترشحوا لمنصب رئاسي، كنت أتمنى أن يقفوا على المعارضة في المرحلة الأولى، أن يتبينوا الطريق، وأن يقدروا المواقف ولكن هذا اجتهادهم وهو اجتهاد تقديري يمكن أن يكون صواباً ويمكن أن يكون خطأً، واجتهادنا أيضاً تقديري يمكن أن يكون صواباً ويمكن أن يكون خطأً، كنا نتمنى كذلك عليهم أن يحرصوا أيضاً اضافة إلى الشرعية السياسية التي حققوها عبر ارادة الصندوق، أن يجمعوا معها شرعية توافقية..”..

نصيحة خالصة

* نصيحتي للأخوان المسلمين في مصر أن يبتعدوا عن العنف أياً كان فعلياً أو لفظياً، وأن ينحنوا لهذه العاصفة كما كان ديدنهم في عهد عبدالناصر والسادات وحسني مبارك، وألا يمتنعوا عن المشاركة فهاهو حزب النور السلفي يحصد نتائج لا بأس بها في معركة المشاركة الايجابية وليكن عملهم في اتجاه الاقناع والاقتناع لا القهر والتبعية، وليجربوا خوض الانتخابات المقبلة بلا حساسية إذ طالما جعجعوا بأغلبيتهم الميكانيكية، ولتكن الانتخابات القادمة انتخابات أساس لعضويتهم الملتزمة، وليكن لهم في حزب النهضة التونسي؛ مرونته، ومتابعته اللصيقة، ودراسته، واختباره لما يريد الناخب، ومحاولتهم مواءمة التراث الشرعي مع المعاصرة الآنية، الأسوة الحسنة، ونتلاقى قدام لجرد الحساب!..   

            

* eisay@hotmail.com