عبد الغني كرم الله والله نكلم ليك النبي)، كنا نقولها بصدق، ونحن مبوزي الفم، حين يرفض جدي أن يعطينا قرشا، أو بلحة من جيب قميصه الدبلان، كان يخاف من قولنا ويرتعد، شكواه للنبي تفزعه، فيحشر أصابعه الخمس النحيلة، في جيبه السعيد، ومن بطن كفه الناعم، نخطف البلحات الجافة، فرحين بالنبي، وجدي، وبمذاق البلح في اللسان..  

دحين النبي برفضو لي طلب)، نتركه يرددها في نفسه، وجيبه خالي من البلح، وقلبه معمور بالمحبة، ونحن سعداء بالبلح، بالرحمة التي أنزلت للعالمين، بلحات جافة، تسيل لعاب الفم، ودموع الفرح من أعيينا، نكفكفها بكم القمصان الدمور، ونحن نركض جزلى، في طرقات بيوت بسيطة، فطرية البنيان، تحب النبي، وآله.

 

في ربوع القرية، كانت محبة النبي، مسكوبة في الطرقات، في رمل المسيد، وفي مدائح المساء، وفي أحاديث البلدة اليومية، (عليك النبي تجي تفطري معانا)، (يالنبي نوح)، مدد وعشق يغمر القرية، وبيوتها، وصوالينها، وقلوبها، وفسحاتها، أكثر من النسيم الطيب المقبل من جهة النهر، النيل الأزرق..

 

نصحو قبيل الفجر، فيحكي لنا درويش أقبل من المسيد القريب، النعاس يغشى عينيه، (وإن نامت العينان ما نام قلبه)، عن رؤية مباركة، وهو يشرب معنا، شائ لبن مقنن، صنعته أيادي أمي المباركة،  تفور منه أطيب رائحة، ومذاق، يتقرفص على الأرض، أسفلنا جميعا، وأعلانا، ونحن رقود، يحكي سعيدا، بطيف زاره في النوم، فرأى النبي سقى شجرة نبق في دار حليمة، ونحن نباركه، ونغبطه، (وما يلقاها ألا دو حظ عظيم)، وقبل أن يمد ضل الضحى قامته السمراء، الطيبة، غرب الحوائط، يكون الخبر أغنية على كل لسان، وقبل الظهر، يمد النبي، بيده الكريمة،  وعلى كفه النبيل، قلب رجل طيب من القرية، رؤوم المشاعر، لخطبة تلكم البنات اليتيمات، العفيفات، فتغمرنا لطائف لا توصف، حياتي خيرا لكم، ومماتي خيرا لكم، وفي المساء ترقص القرية على عرس ستنا بنت حليمة، النبي حاضرا، في قلب العرس، حسا، ومعنى، أنا جليس من دكرني.

 

دوما نسمع تصفيقه، كأنه يوزن وقع الوقت في الدار، مع نقاط الزير، ونبض قلب أمي ، “بيان سيدي الحسن”، علم أبيض وآخر أخضر، ترقص وتصفق طوال اليوم مع مويجات النسايم في الفسحة الكبيرة، أمام دارنا، وهي معلقة على قنى نحيف، يقاوم ضراوة الريح، (بشئ كالإستحالة).. 

 

كنا نرى الكعبة ومسجده، ذو القبة الخضراء، في قبة الشيخ ابوشملة، والتي تشبه ثدي مشرئب، يسقي السماء والطيور ألوانها، وتغرديها، والكعبة مرسومة بطريقة شعبية على ركائز أبواب الخشب،  حين حج خال لنا أو عم أو قريب، نتأمل البيت المعمور، والذنب المغفور، والحج المبرور، نحس بشوق عظيم للنبي، وآله، الحسين، وعلي وفاطم، كنت أحب أمي فاطمة بنت النبي، بوجهها الجميل، وعينيها الوسيعة البشوشة، وهي تمسك يدي، وتدخلني من باب الجنة، أمام فضول أترابي، وغبطهم لي، فأرى أبي وأخوالي المقبورين، على سرر مصفوفة، ومسك يفوح، فأحس بأن العالم حلم جمييييييييييل، ليتنا نصحو من غفلتنا، يقظتنا المحدودة، فنرى جوهر الحياة، كما هو، وليس كما يتراءى لنا، (اللهم أرني الأشياء كما هي)، أدعو الله بصدق، أن أرى الكون كما هو، كون كظل مكون، مكون بارع الحسن، والصنعة..

 

كنا نرى تلك الكعبة الصغيرة، السوداء، حقيقة وليس مجاز، ونحن حفاة، نحوم في الطرق الملتوية كبخور المسيد، ولغطنا يتعالى حينا بعد حين، نطوف حول البيوت، كأنها بيت الله، كلها، بيوت تشبه الكعبة، مجرد غرف طينية وحيدة، لا جدار، أو حوش، أو برندة، وكلها، مثل  قلوب أهلها، تفتح جهة الشرق، نحو الله، والشمس، والفجر

 

أخي الأكبر، يجيد الرسم، كل “كعبات” القرية رسمها هو”، كعبة جدي سعد على بوابة داره، وكعبة على السلام، وكعبة خالتي سكينة حين حجت، ما أكثر بيوت في قريتي، كل القلوب بيوته، كنا نصنع من الرماد والسكن تحت صاج العواسة، اللون الأسود، الأعشاب الشهيدة باللهب الذي يتراقص على وجه امي حين تعوس، تغدو لونا اسودا، تكون سعيدة حين نخلطها بالماء والصمغ، فتكون جلد الكعبة الاسود، المرسومة على الحوائط، لون اسود كوجه خالي الجبارة، غامض، حلو أنيس كالليل، يشعر العشب المحروق بالنار الحارقة، بعزاء عظيم، لما جرى له، كونه جلدا أسود، لكعبة صغيرة،  تأوي الله، وأحلامنا، وبركة الرسول (ياداخل هده الدار، صلى على النبي المختار)!!…

 

ال ب ي ت ال م ع م ور” كنا نتهجاها، ببطء، جماعيا، حتى نصرخ (البيت المعمور)، وهي مكتوبة بخط بدائي أخضر، على ضلف الباب أو الركائز، وتخلد في خواطرنا تصورات عن البيت المعمور، ماهو؟ ونحسبه ببيت معمور بالبلح والموز والأمن، وتغمرنا السكينة، ونحسها كما تحس الفتاة بطعم الحب، في سويداء قلبها، في أول كلمة صادقة تسمعها “أحبك“!!..

 

في ليال رمضان الكريم، كانت تحكى لنا طقوس السيرة النبوية في مسيد شيخ يوسف طوال الشهر الكريم، تحلو الليالي، ترقد السكينة بين طوايا قلوب صغيرة، ونحني نسمع نبي يلفنا برحمته، ويشفع لنا سرقة الكراسات والبلح والنبق من البيت أو الدكان، يزيد حبنا له، ونراه نبي اسمر، مثل وجوه قريتي، (أنا جليس من يحب)، هو يسكن قريتي، أرضها، وسمائها، وقلوبها (ما عرفني غير ربي)، فنسعد، بهذا  النور، المجهول الاطراف، والمدد..

 

 كان وقع حكي السيرة في قلوبنا الغضة، كوقع العود على طبل جميل، تصير حلقة الذكر، فوق الرمل الناعم الاحمر، رحم كبير، ، ألف حبل سري، حبل لليقين، أخر للطرب، وثالث للسكينة، فتتسع الحياة في خواطرنا، ونرى نجمه السعيد يشرق في حنايا الروح والقرية، وأرى أمي وأبي في معيته، فأفرح بأن النبي يعرف أمي وأبي، ويعرفني (حياتي خيرا لكم ومماتي خيرا لكم)، وحين تنغرس الشوكة في باطن قدمي، وانا أرعى الغنم في خور الدفيسة، وحدي قرب النهر، أحس به يتالم معي، أكثر من جوارحي، لا يشاك أحدكم الشوكة، حتى أشعر بألمها في قدمي، فأشعر بعظمتي، حين حج ألمي البسيط، لجرم مضئ بالجمال، والحلم، والكمال، فأفرح بتلكم الأواصر، التي نسجها ألم شوكة صغيرة، مع أبي، وحبيي، ورسولي، عليه السلام والمحبة والسلام، فتقر عيني في رمل الخور، وأغرس أرجلي في نعومتها، فأحس بأنس، خلق آدم من رمل،  وأرسم بالعصى على مويجيات الرمل، ما شاء لي من الحيوانات والأشكال، غنم، وأبقار، ونعاج، وأرانب، وغزلان، ولواري، وكانت تحكي معي، وتؤنس وحدتي، مع النبي الأمي، اليتيم مثلي، مثل أثر  قدم النبي القديم، الذي غرفه السامري، وخلق منه عجل خوار !!..

 

ثم أركب اللوري، الذي رسمته توا على وجه الرمل، وأحج له، دون أن أفارق خوري السعيد، برمله الناعم، وأعين المعزات تصغي لي حين بعد حين، وتتعجب من حديثي مع نفسي، ورسولي، وتغبطني على ثروتي، ثروة المحبة، في قلب طفل بين أغنامه، ورسوله، وخوره، وأحس به قربي، يرعى إغنامه، وخرافه، وما كثرها، ويحلب لي من ضرعها، حليب الفطرة، والعافية، والطيبة.

 

نتقرفص بأدب خلف الرجال الكبار والنساء، في حرم المسيد الرملي الناعم، نسمع السيرة النبوية، طوال شهر رمضان، السيرة الحلبية، العجيبة، كنا نرى الرسول الطيب الجميل، في خواطرنا وهي تتابع بشغف وهيام حديث شيخ يوسف وتترجمه فيلم حي، نكون في معيته صلوات الله عليه، وسلامه ومحبته.

 

يوم ميلاده، حفت بالقرية الملائكة، كأنها شعاب مكة، ونرى جبريل سعيدا، ونوح واليسع، ماكان وما سيكون، حاضرا، سعيدا، بميلاد النور الأعظم، رحملة للعالمين، اجميعين، سرب الملائكة، والرسل، والأنبياء، يحف بعنقريب آمنة بنت وهب، وقد اشتدت حلاوة الطلق، الكل ينتظر ميلاده، ما قبل كن، وما بعد يكن، نور نبيك ياجابر، عمنا الفرح، كأننا حضرنا ميلاده، بعد ألف عام من رحيله الطيب، كي يفرش لنا الجنان، (مماتي خيرا لكم)، كل القرية، بكت وهي ترى محمد الطفل، يستنشق أول، وأجمل شهيق في الدنى، فأنشق جدار الحزن فينا، وجفت بحيرة الخوف في قلوبنا السمراء، وأنطفأت نار سوء الظن بين الضلوع..

 

 كل حمير القرية، تشاركنا الفرح، كلها سعيدة، لأن لها رفيق، أغر، شارك في الحفل الأعظم للحياة، حمار حليمة السعدية، الأعرج، النحيف، يركض كالريح، أمام الحمير كلها، حوافره لا تلامس الارض، وهو يركض بالطفل الصغير، الغرير، اليتيم، الفقير، محمد بن آمنة، أبن عبدالله، عليه السلام، إلى مضارب بني سعد، حيث الشيماء، والصحراء، والنقاء والسماء، مثل سماء قريتنا الطيبة.

 

تركض ناقته، وأهل يثرب، حول قريتنا، ونسمع صوت الاطفال والنساء والشجر ينسل كالضوء من الحناجر الولهة بالنور العميم المقبل (جئت شرفت المدينة، مرحبا ياخير داع)، نرى القرية كلها تسعى للشمال الشرقي (لم تختاره مخيلتنا)، كي نستقبل موكب الرسول وصحابه ابي ابكر، ومعنا الخراف والقطط والثيران والديدان والاشجار، فهو رحمة للعالمين، كلها تغني وتنشد، من ثنايات الوداع، شمال شرق القرية الطينية البسيطة.

 

نخرج كلنا، ومعنا الدجاج، والخراف، والعجزة، والمعاقين، نصطف في طريق المسيد، كي يحل النبي، وناقته، بين ضلوعنا..

 

 نرى الناقة تحمله، نورا، يلامس القلوب، يحبنا أكثر منا، خلفه صديقه الوفي، أبي بكر، تتهادى الناقة، بعنقها الطويل، وهي تحمل خير الورى، تمشي وكأنها تحلق، عيونها سعيدة، كأنها على ظهره، وليس على ظهرها، جسدا أخف من الضوء، وأثقل من أحد محبة، بكينا، وهي تغبرنا بالأنس، وإغمى علينا، وصرخ جدي سعد، وعولت نفسيه بت حمدان، وصرخ جلي الشايقي، والسيرة تتلى علينا ونحو جلوسا في رمل المسيد..

 

نتابع بشغف،  الناقة السعيدة، في أي دار سعيدة ستبرك؟  تجلس لوحدها في دار النجار وسط القرية “قريتنا”، تتداخل المشاهد، النبي ، جليس من ذكره، فلا مكان له، سوى قلوب عشاقه من رآني في المنام، سيراني في اليقظة، ما أكثر رؤيته في الحلم وحلم اليقظة، والصحو، ، جلست الناقة في دار النجار، ابناء خالته، وما أعظم حب الخيلان، (الخال والد) والنبي يقول لأهل يثرب، والكل يود أن يجاوره النور الأبهى، (أنها مأمورة)، فنحس بأن الجميع مأمور الباب والناقة والحمير والنمل، فتتسع الحياة، وتتبارك..، نشعر بأمن بأن الحياة لا تمضي قدما، بلا رسن، أو هدى، بل على حداء فكر نيسر، يمسكها في دروب الدهر، تقتفي أثر الجمال الأعظم، وتسعى له، بأقدام الشهور والسنين، “أنها مأمورة”، كناقته السعيدة، الحياة برمتها، ناقة، يقودها رسن حكيم، شاعري، غريب، فتسكن أغوارنا، ونحس بأننا نركب ناقته، كل على حد، وهي مأمورة، تتقلب في وقائع الحياة، صغيرة، وكبيرها، بأمر غريب، خفي، مبهم، وطيب، فأحس بسكينة عظيمة، لا توصف ولو برنات الوتر، والرسن الخفي، الحكيم، يقودنا بطلف مرعى الزمان والمكان، كالقصواء..

 

نعود من الذكر آخر الليل، نامت القرية وحيوانتها، النسيم يدلك عضلات منهكة بالزرع والضرع والرعي والإحسان، ارخت الكلاب والمعاعز والخراف رؤسها على ساقيها الممددة، وغرقت في سر النوم سلطانه، استغل نقاط الأزيار سكينتها، فتعالى همسه، مع شخير خالي سعد، النجوم وضيئة وهي تسمع مدح المصطفى، فتشع أبهى، أحيانا ننوم في حلق الذكر على أطراف ثياب أمهاتنا وخالاتنا، فنحصو على ذكر الله المفرد (الله، الله، الله) الهادر، والتي تنشد أخر الحلقة، حينها يعلو الطبل، عاليا، عاليا، القرى المجاورة تسمعه، والنوبة الضخمة تهز أهل القبور قربنا، وذبذبتها تتردد في صدورنا، كأنها ككف من صوت، والدرويش “مترار”، ذو السبعين عاما، يصرخ “قطر، قطر، قطر”، وهو يدور حول نفسه طوال مدة الذكر المفرد، كأنه يذوب في وقت آخر، وزمن أخر، أبدي، لا علاقه له بشروق شمسنا، وغروبها، وقت أخر لا علاقة له بنبض قلوبنا، وشهيقنا، يلبس مبرقع، كهل،، ذو شعر ممشط طويييل، يتداعى الشعر حوله في دائرة جملية وهو يلف ويحقول في مع طربات النوبة لقوية، واسم الله المفرد، الله، الله، الله، الله، فتسكن قلبه معاني، هو أعلم بها، تخرس اللسان، بل اللسان مشرب بروحها، وغدد تذوقها تبرق في عجز، وحبور، أنى لي وصف ما لا يوصف!!..

 

أمسك طرف ثوب امي، أو خالاتي، وأنا عائد، حينا نصطرع أنا وأختي من فينا يمسك طرف ذيل أمي، شبه نائم، عيوني مغمضة، اتمنى أن اسمع ثرثرة الديوك، وأفهمها، وأسلم على حجر تجلس عليه آمنة بائعة اللقيمات، ويرد علي السلام، كما كان يفعل النبي، وهو يتفقد أحوال الأشجار، وعطشها، ومذاق ثمارها، ويسلم على الموتى، واحدا واحدا، ويردون عليه بغبطة وفرح، فأشعر بأن الحياة حلم، كحلمنا، الأطفال، وبأنها أوسع، وأخصب من أخيلتنا الجميلة، وحين أصل البيت، وندفر الباب الخشبي الكبير، أسلم على الحوش، كله، وعلى حمارنا، والديوك فوق الحائط، وأتمنى ذلك اليوم، الذي أفهم فيه مشاعر الحياة كلها، وأخدمها بخاطري ويدي، وقلبي، معا، وأقول للنمل تصبحوا على خير وعاملين كيف، فيردوا علي جماعيا، من ظلمة جحوره، (وأنت بخير، كويسين وجمعنا سبع قحمات)، فأنام قرير العين، بشبع النمل، ومخزنه السعيد بالقمحات السبع!!

 

أغرق ثلث الليل، في تخوم النعاس الغريب، عقلي الباطني والظاهري يحكمان مشاعري معا، أسمع نجوى الدار، الحائط والديوك وغصون الشجر، والظلال الواهنة، تناجيني كلها، جلسة سمر طيبة، وأنا أغرق رويدا، رويدا، في سلطان النوم، يسحبني بلطف فطري، من عالم، لعالم فناء أعمق في ذاتي، أحلم وأحلم وأحلم، أطير، وأحلق في الماضي البعيييد والمستقبل الأبعد،، جسدي يحلق بغير ريش، الغد يبدو حاضرا يعاش، والماضي يعود بحنكته في الفؤاد، والرؤية تفج غيم ما سيكون بسرها وسحرها، مملكة من السحر، مطوية في قلوبنا، ساعة النوم، ساعة الصحو في دنيا الأحلام

 

أغمض عيناي، وأكور يدي، على عنقريب بسيط، ارى أغرب مملكة بداخلي، الرسول والأولياء والجيلاني، وابشرا، وأمي وأخواتي، وسيدي الحسن، معا، حتى يشرق الفجر، ويصيح ديك خالي، أجمل ما يكون، كبرزخ بين مملكة النوم الجميلة و مملكة الصحو الأجمل..