بقلم: عبدالغني كرم الله لا أظن، أن أدبا جادا، عاقلا، محايدا، في كل عصور الحياة، وفي كل بلدان العالم، يجد رجلا يتكلم مع الحصى، ويسلم على الموتى، ويعطي كمن لا يخاف الفقر، ويصغي قلبه لأنين الجذع، ويهمس لجبل عظيم، كجبل أحد، "أني أحبك"، ولا يفرح الأدب به، ويتأمل حياته، وسره، ويظل مدار تساؤله، كيف قيض له، أن يمسك الاستحالة بيديه؟ وأي قلب نضير، غرس بين ضلوعه المباركة..

ثم تجي غمامة، من أصقاع بعيدة، دفرتها الرياح برفق، شهور طويله تسعى فرحة، في دراري السماء، ولم تخطئ دربها، في ظلمات الليل البهيم، كقوس وليم تيل، حتى  ظللت رأس فتى، تاجر، في طريقه للعراق، عبر صحراء طويلة، مملة، سوى لعقل يرى سرها، وسحرها، لا يثرثر مع تجار القافلة، الأسن منه، بل يقلب طرفه في ملكوت الله، ويجلس متوحدا، في ظلال أشجار تبعد عن القوم حين يعرسوا، ويلقوا عصى السير، وتترفقص النوق قربهم، حتى ناقته، بينهن، كانت تشعر برفق تعامله معها، كان يسير راجلا، مسافات طويلة خلفها، كي تستريح هي، فتنظر له، بعنقها الطويل، وتتلفت له، حيث سار، بين الأشجار والتلال، متأملا، في عينيها دموع حزن وفرح، كأم وليس ناقة، حتى يرجع، ويرتع قربها، فيرقد على الرمل، سامعا نبض قلبها، وقلبه، وقلب الكون المترامي، فيحس بضلال عظيم، ضلال العقول الكبيرة، والقلوب الأكبر، حين تغامرها إحاسيس الأعجاز، والأعجاب، والحيرة المباركة (من أين؟ ومن نحن، وإلى أين؟)، أسير آية أقدم منه، (وجدك ضالا، فهدى)!!.

  فتمضي الغمامة السعيدة، تظلل رأس جميل، يقدر فعلها، ويشكرها الفتى، ويلوح لها، كما يشكر الصديق الصديق،، يحس ببطولة الكون معه، في عرصاته، ومجده، حتى القصواء، بعد حين، ناقته الشهيرة، في الهجرة، يفك رسنها، كي تختار مرتعها، قرب خيالنه، أبناء النجار، فما أوسع نظر الفتى، في فهم لغة الكون، وألغاز الغيوب، وتوقير أختيار الناقة، كي يحل معضلة قوم يحبونه، والكل يرغب أن ينزل بداره.

خرج للتو، من غار حراء، بعد أن مكث أكثر من عقد، متأملا، خاشعا، حانثا، بين الجبال، والليالي الطوال، تحت مكة، ومسراب الطيور، والخيران، موطنا نفسه، على سبر المسعى البشري والطبيعي، والنفسي، في تخوم عالم طبيعي، وحياتي، صارم البناء، ملغز، يحتاج سنوات طوال، لسبر طرف منه، والتأكد من جهله، مهما تجرأت الحواس، وعلى رأسها العقل الصافي، حتى تغمر الجسم، بكل أحاسيس وعيه، العجز، عن الإدراك، إدراك، فيأخذ العلم العظيم، لبوس حيرة أعظم، (وقل رب زدني علما).

نزل من غاره، هادئا، بشوشا، علم شئ، وجهل أشياء، ممسكا بنور، في حنايا روحه، يريه خفي النفوس، وما بين الطوايا، ويرى النمل والتراب، تسبح، فرق قلبه للحياة برمتها، وسار على نهج من الخلق فريد، وأسرى للقدس، ثم عرج للسموات، في سلوك غريب على العادة، يسبي حلم الأدب، أنى كان.

ثم ترك تجارته، وهو الرابح الأعظم، ألا يحب الأدب هذه الشخصية، ويتأملها، ويتعجب أي قيم يهتم بها؟ ولم ترك التجارة الرابحة، وهي حلم بني آدم، من ابثق من الطين، ومضى يبحث عن نفسه؟ بين شعاب الجبال، عن كنز مخبأ بين ضلوعه النواضر؟ ولم جاع؟ في الصوم؟ ولم أنحنت جمجمته، لسر الأرض في الصلاة؟ أهو إعلاء الحدس؟ على العقل؟ ثم ماهذا الشعور البيهم، بمن حوله؟ حتى أحلامهم الخاصة، في جوف الليل، يراعها، ويراقبها، ويعرف مجاريها؟ ولو رآه أحدا في الحلم، يكون على علم بذلك، أيريد الأدب أكثر من ذلك؟ كي يفتن بتلكم الشخصية الفريدة، العميقة الحس، والمعنى، بل الغامضة كالشعر، وأعجب.

 ثم الحس العميق، بين ضلوعه، لأحط الكائنات، فما بالك بقطة، نامت على ذيل ثوبه، حكى عنها جميس جويس (أن نبي العرب، قطع ثوبه، كي لا يزعج قطه نامت على طرفه)، ثم تلكم المشاعر الدافئة، التي يحسها في جوف الليل، والناس نؤم، في عراك للنجوم، وإصغاء لأنين أناس دفنهم الموت قبل قرون، وهو ينظر في حاضري أبدي، يحسه، بما كان وما سيكون، في أعجب أمر لفهم الزمن، أن يأتي من الغد، لأنه كان الأول، نور نبيك ياجابر، مقرا، شكلا حلزونيا للتطور، لاتنكره النفس، ويسبي الحدس..

 ثم، أيحلم الأدب بحوار عفيف، عن علاقات الوصال بين الله، والعبد، جرت بينه، وبين موسى، في عدد ركعات الصلاة، في حوار خلاق، عرى الحياة من مكر الموت، كفناء، وأظهره مجرد خفاء لطيف، كما يختفي العطر في النسيم، ولكن من يملك أنوار الفراسة، يكشف ما غمط من الحياة، وما مضى من الوقت، وما يخطو من الآت، فجرى تلكم الحوار الأصيل، في قدرات بني آدم في تحمل الصلوات الخمسين، بين موسى، ومحمد، عليهما السلام..

 ألا يتعجب الأدب نفسه، وهو وليد تصورات وأخيلة، من أعراب تسير في الصحراء، ويقول لها فتى الروح، عليه السلام (وددت أن تزورا معي أخي موسى وهو قائم يصلي في المحراب)، ويحيل القبور، إلى قصور، بلا تهريج شهيق، وزفير، يجلعنا عبيد للحياة، والطبيعة، وصرامة العيش، بالمعدة، لا القلب، أيحب الأدب ملهما أكثر من ذلك؟..

 شدتني السيرة النبوية في طفولتي، سيرة الحلبي، وسيرة ابن هشام، كنا أطفال، نسمع حكاية من خيال، في ثوب واقع، وأتعجب من رقيقة بنت نوفل، وهي ترى محمدا، قبيل ميلاده، نورا في غرة عبدالله، فتود خطبته، وبعد حين تجده أملس الجبهة، عادي السمت، وتتعجب من ذلك، حتى ترى أمنة بنت وهب، وقد شع النور من بطنها، أروع ما يكون، في كبد النهار، أو قلب الليل، ماهذا؟ تقلب في الأصلاب للجمال الأعمق؟ أهناك هندسة وراثية، ظهرت قبيل عيون المايكسروب الفضولية، والتلسكوب الماجن؟ المتلصص؟؟.ومعزة أم معبد، وضرعها الجاف، ليس المعجزة في حلبها، في إناء عظيم، ولكن المعجزة، بعد أن شربوا، طلب منها الإناء، فحلب لزوجها الغائب، وهي لم تعهد رجل، جعلها تشرب في البدء،  قبله، ثم مد الإناء لصديقه في الرحلة، ثم شرب هو، ثم وضع إناءا مملوء بالمحبة واللبن، لرجل غائب، تكاد زوجته لا تذكره، إلا حين يعود؟ تلكم هي رحمة مرسلة، في ثوب رجل أمي، عتيد، وظلت أم بعد تراقبه، حتى طوته الأفاق (أيحلب لبن لرجل غائب، يحس بجوعه مع أغنامه في أقاصي الشعاب)، أي قلب هذا؟ لا يشاك أحد شوكة، حتى يجد ألمها في قدمه؟، ثم وصفته، وصف من يرى شمس الرحمة، والسلوك النبيل، بين ظلام الظلم، والتبلد، فجاء وصفها في كلمات متوهجة، باهرة، لفتت نظرها بشاشة المحيا، ونور عقله، وضياء قلبه المحب، ومن رجل يوقر المرأة، ويقدس دورها البطولي العظيم، في تلكم الحقب الغابرة، ويأمر تلاميذه، بالسجود للمرأة الأم، رمز النبالة والعطاء الفطري البهيج، (أمك، أمك، أمك، ابوك)، أليس في هذا هزا، لطيفا، قويا، للعاطفة البشرية السوية؟ ولكن كم حرف الفقهة الأموي، والعباسي، جوهر الدين، وأحاله طقوس، وليس تفجير مكنون النفس، بتقليد جرم عظيم، مضي الحواس، حلوب المحمبة؟ وشغلوا الناس بكتب صفراء ميتة، وركعوا للسلطان الراقص في قصور العباسين، والأمويين، وفي قرناطة، لليس للأدب سبيل، سوى جس تلكم الشخصة، في جوهرها، وليس في كتب كتبت بحرص شديد، وخوف عتيد، في مماليك استمرت قرون، تسكن القصور، وتسمع غناء الجواري..

 أحس بأن الأدب، يتعجب، حين يسمع (ماعرفني غير ربي)، والأعجب قالها نساك بسيط، لعمر ابن الخطاب، صديق النبي، ومن شاركه هموم التقوى الصادقة، ومحاربة الغرائز، ونشر العدل، فقال له “بلى”، فرد أويس (والله لم تعرفوا من رسول الله، إلا كالسيف في غمده)، وأحسب تلكم رسالة الفهم الدين المعاصر، والأدبي، في استلال تلكم مفهموم عن النبي، في كمال خلقه، كي يدرك النشء، عظمة تلكم النبوءة، ويقلدونها، من أجل أن تعثر نفسوهم الذكية على ألق عظيم، وعاطفة تعيد الحياة فيما حولهم وفيهم، ومهماز يحث الحياة للسعي للكمال المطلق، والجمال الأبهى، بدلا عن السجن الفقهي، والخطب الميتة في المنابر، التي ضاقت بها المساجد العباسية، والمملوكية، والانقاذية، والسعودية، والطهرانية، ليوم الناس هذا، والتي لا تحرك ساكنا، بل تصنع جدرا عظيما بين النبي، عليه السلام، وأتم الصلاة، وبين الشباب الباحث عن نفسه، وقدراته، وحلمه، ولم يكون هو سوى “رسول لتلكم النفوس”، كي تعرج لذاتها، وقدراتها الكامنة، الثيرة، المقدودة فيها، من قدم.

 يحلو، للأدب، ان يقرأ السيرة النبوية، بفهم معاصر، ذكي، بعض أن تطور الوعي البشري، والتقنية الصناعية، والفهوم الفلسفية، والإنسانية، فعلى ضوء العصر، ستفهم شخصية النبي، عليه السلام، بصورة أعمق، وأجمل (ماعرفني غير ربي)، وكأنها حث لنا، كل وقت، وزمن، في إفشاء تلكم الكنوز النبوية، في السلوك، والفهم، والتخاطر، والعاطفة الغريبة، والحياة الأصيلة.ما اسعد الأدب، بحياة مديدة، تعجز الفهم، وتحث على الكمال الخلقي، والفكري، والإنساني، بعيدا عن فقاء أموات، في لبوس أحياء، تستغلهم الأنظمة الحاكمة كأبواق، لحفظ مسيرتها، ليس إلا عبر التاريخ، فالطبيعة، برمتها، هي أفاق وأيات للمطلق، بل عالم الكيماء هو فقيه ديني عظيم، والموسيقى، والفلاح، أينما تولوا ثم وجه الله، كي لانسجن المطلق، في عقول سلفية، لا تعرف النبي، وتلوك حديثه، وكبر مقتا، كما نرى في شحوب محياهم، وطريقة عيشهم، ونضوب عاطفتهم..كان مشربا بالفكر، وتلك هي سنته الأم، فقد حل مشكلة الحجر الأسود بفطرة مفكر فتى، يحوم بين البيوت متفكرا، متأملا، يبحث عن مأوى، ويقين، حاضر الذهن، صمته فكرا، ونطقه ذكرا، ونظره عبرة، فلم يباغت بإشكالية الحجر، بل وضع ثوبه، وقال لهم (أحملوه بالسوية)، وبوغت القوم بسهولة الحل، لدى العقل الصافي، الذي يدرك، أن من الفكر خلق الكون، ولا تحل معضلاته سوى بالفكر النير، وكان في سائر عيشه، تسبق افعاله أنوار الفكر، ولو في أبسط الأمور..

ثم أبتكر الصوم، بل طوره عن مفهوم أديان سبقته، وقال لأصحابة صوموا شهر رمضان، وأظنها أكبر فكرة للجسد، كي يتأمل نفسه، وعاداته، وصفائه، وقوام أمره، أحسب بأن طفولة الاسئلة الصادقة، حثت ابن الفارض، كي يقول (فلا حي، إلا من حياتي حياته، وطوع مرادي كل نفس مريدة)، في إشكالية كيف نعيش؟ ففي عرف الروح، لدى كل علم روحي تجريبي (حتى لدى الهنود القدام)، أسلوب الصيام الصمدي، من أجل سبب بسيط (هل نحن نعيش بالقوت؟ أم بالروح المنفوخ فينا)، وللحق اثمرت تلكم التجارب عن اجساد مروحنة، تقوم على الشرب من بحر الروح، وتعيش بالفكر، والذكر، مثل تجربة بوذا، والجيلاني في خرائب بغداد، حين حكى عنها، ومثل تجربة المريد الضيف، على دار ابي ايزيد، حين أجاعة ثلاثة أيام، وحين طلب المريد القوت، قال له “قوتنا ذكر الله”، وأظن تلكم التجربة الروحية، الصعبة لا شك، تفتح باب التأمل، هل نحن نعيش بالقوت “إفتراس الحيوانات الأقل شأنا،والأعشاب؟)؟ أتلك طريقة شاعرية، خاتمة؟ أم الحب، الذي يملأ الكون حولنا، هو الحبل السري الغامض المجهول، الذي نسعى له، ويحضرنا الخيال السوفي فينا، من عنف الإفتراس؟..

 ثم تلكم الحرية، الغريبة، لدى تجارب الروح، في تقليد النبي، وخاصة في التجربة السودانية الطويلة، في التصوف (أقام العباد فيما أراد)،حين يرعون معصية، ولا يتأففون بالصراخ الجاف، ولكن سر القدر، في مجاريه، كلها، يسلك نصحيتهم الغراء، في فهم المنكر، فلا غير، سواها، في دفق الكون كله، فتأتي تلكم الكلمات، والحكم، في رصف هوة الخوف، من غير، وقوى إشراك ينافس عقل الوجود الأزلي، الغامض، وأظن الوقت “بطوله العظيم، الدهر”، خلق كي ندرك تلكم الشخصية الفريدة، في العيش والشعور، حتى مدحه سلطان العاشقين (وعلى تفنن واصفيه بحسنه، يفنى الزمان، وفيه ما لم يوصف)، ومن عجب غاب التأثير النبوي في النفوس، كتقليد حسي، وقيام ليل، وأكتشاف أغوار الجسد، بمجرد رحيله للسموات، وظل يمد أهله،  وعشاقه بلطائف المنن (حياتي خيرا لكم، ومماتي خيرا لكم)،.

 وللنبي العظيم، والادب، عودة، لو مد الله في العمر، والمدد..