فيصل محمد صالح شكلت الأحداث في مصر امتحانا للإعلام المصري والعربي، وصعب الامتحان على كثيرين، حتى من الراسخين في علم الإعلام وأصحاب التجارب الناجحة، فلم يستطيعوا أن يتجاوزا عتبة المرور. الأمر في مصر مختلف وواضح، فمنذ وقت طويل دخلت الاجهزة الإعلامية في الصراع السياسي والإعلامي حول مستقبل مصر بعد الثورة، وتباينت الصفوف ،

الإعلام الحكومي الرسمي، من إذاعة وتليفزيون وصحف قومية، مال حيث تميل سلطة الرئيس محمد مرسي وأخوانه، خاصة بعد تعيين شخصيات محسوبة على الأخوان على رأس هذه الأجهزة. وحدث تململ واسع داخل هذه الأجهزة بسبب السيطرة السلطوية، وحدثت عدة استقالات على  الهواء، وإضرابات واعتصامات هنا وهناك. وووقفت القنوات الدينية، الرحمة والناس والحافظ ومصر 25، وغيرها، في تحالف الأخوان والجماعات الإسلامية، وصارت هي مدفعية الهجوم الأولى على المعارضين من سياسين وإعلاميين ومثقفين وفنانين. واستخدمت هذه الأجهزة والقنوات خطابا دينيا سلفيا، مخلوطا بشتائم وإساءات وعبارات بذيئة لا يكاد يصدقها العقل.

بالمقابل اصطفت القنوات والصحف الاخرى، المستقلة منها بحكم ملكيتها لأفراد أو شركات غير حزبية، مثل النهار وسي بي سي ودريم والتحرير، او المملوكة لشخصيات ذات انتماء سياسي، مثل الحياة و أون تي في، بجانب صحف المصري اليوم والشروق واليوم السابع والوطن وغيرها، في صف التحالف المدني المعادي لمرسي ومشروع الأخوان.

يصعب في مثل هذا الجو وجود مقاييس مهنية يمكن القياس عليها، خاصة إذا كان للأجهزة الإعلامية خطا تحريريا وسياسيا معلنا، لكن يمكن ملاحظة مواقفها من عدم توازن التغطيات، وحتى اختيار الضيوف، لكن كان العذر أن لكل تيار أصوات متعددة وفي المشهد الإجمالي فإن الجميع ممثلون، كما يمكن أن يقول الإعلاميون المصريون أن هذه معركة مصيرية وهم ليسوا محايدين فيها.

وقد اختل هذا التوازن بعد قرار إغلاق قنوات التيار الإسلامي وهي بالمناسبة ليست قنوات دينية كما يسميها البعض، في الثالث من يوليو، بقرارات إدارية سلطوية، وليس باحكام قضائية. ولا تزال هذه القنوات غائبة ، وهو قرار معيب وخاطئ مهما كانت المبررات. سنسمع كثيرا من الردود حول ما ظلت تبثه هذه القنوات وإثارتها للفتنة والكراهية والتحريض ضد المسيحيين والليبراليين والعلمانيين وإهدار دمهم، لكن الحكم في كل ذلك يجب أن يكون القضاء وليس مزاج الحاكم.

ما بدا غريبا هو موقف قناة “الجزيرة”، ذات الحضور المهني والإعلامي الكبير في الساحة العربية والعالم، فقد أخذت عدتها وعتادها، ووضعت بندقيتها على كتفها، ومشت في صف البيادة لقوات الدكتور محمد مرسي وتنظيم الأخوان المسلمين. هذه القناة ووجهت باتهامات كثيرة في الماضي، لكنها استطاعت تجاوز هذه الاتهامات بمرور الزمن ورسوخ التغطية الواسعة لأخبار المنطقة والعالم، حتى صارت مصدرا لا يمكن الاستغناء عنه. ونحن نحاسب الجزيرة بمقياس مختلف لأنها ليست قناة مصرية وبالتالي ليست طرفا في الصراع الداخلي، أو هكذا ينبغي أن تكون، وثانيا نحاكمها بالشعارات التي ترفعها وبالمقاييس المهنية التي تعلنها.

لقد سقطت قناة الجزيرة هذه المرة في مستنقع يصعب الخروج منه بسهولة، فقد صار ميلها وانحيازها واضحا وفاضحا للجميع، والمدهش هو سلوك مذيعيها القديرين حين يستضيفون أشخاصا من قيادة الاخوان، أو يذيعون أخبارا تنقل وجهة نظرهم، فهم يفعلون بذلك بهمة وحماس وتفاصيل، ويعيدون تكرار ما قاله البلتاجي أو سعد عمارة ، ثم ينقلبون أعداء شرسين حين يستضيفون شخصا من الطرف الآخر،على قلة ظهورهم في الجزيرة، فيلاحقونه بالأسئلة والمقاطعات و”اللاكنات ” ،مفردة لكن.

وحتى بعض مراسليها الميدانيين، مثل مراسل الإنجليزية جمال الشيال، يتأثرون ربما بفعل الخطاب السياسي للمنصة التي يقفون قربها، فتأتي تغطيتهم وكأنها جزء من خطابات المنصة .

ولن نؤيد بالضرورة ما حدث لمكاتب وطاقم قناة الجزيرة في مصر، من إغلاق واعتقال ومطاردات، ففي هذا مصادرة لحرية التعبير، وحتى الإنحياز لا يبرر مثل هذه الأفعال. لا أعرف كيف ستخرج الجزيرة من هذا الموقف؟  المسألة صعبة، لكننا نعلم أن بعض الأجهزة الإعلامية الأمريكية تأخذ مواقف سياسية في بعض الاحيان، وتعلنها وتركز عليها في افتتاحياتها، لكنها رغم ذلك تحرص على التغطية المهنية المتوازنة، فهل تفعل قناة الجزيرة ذلك؟ أن تعلن انحيازها في مواد الرأي ، ثم تترك الأخبار للمقاييس المهنية للأخبار.