استيلا قايتانو "أولير" أسمه يعني العراء، ذلك لأن أمه انجبته هناك عندما داهمها المخاضوهي تحتطب، بلدته محاطة بالغابة والسماء.كان يغط في نوم عميق عندما بدأ ذلك الظل يزحف بطيئاً نحو بلدته فبدأت مثلانسان ضخم يسحب غطاء نحو جسده، توارت الشمس خلف غيوم داكنة، الاشجارتتمايل بفعل رياح خفيفة، تلوح لكرنفال الطبيعة المفاجئة...

بدأت النسوة نصف العاريات في التحرك مثل سرب النحل، يشرعن في نقل ما نشرته من بافرا
وذرة نابت إلى داخل الأكواخ، كن يتصايحن راطنات، تنبه كُلٍ الأخرى أو
تمازحها، وأخريات مهرولات وعلى رؤوسهن قدور الماء والصغيرات كان الماء
ينحدر على صدورهن النابتة فيضفي لوناً أسود مصقولاً على بشرتهن

جلس الرجال تحت سقيفة ضخمة تجاور ساحة الرقص، تتوسطهم مدفأة من الأخشاب
الجافة لاشعالها عند هطول الأمطار في صخب من الضحك والغناء، غناء أطلقته
اخواتهم أو حبيباتهم، واصفاتهم بالشجاعة والقوة ويتخلل الأغنية بعض
الغزل، كان المقصود بالوصف يهب واقفاً ضارباً أرجله بالأرض ملوحاً برمحه
في الفضاء كأنه يقاتل عدواً لا يراه أحد سواه، عالم آخر طفولي، تشده شجرة
“عرديب” ضخمة مغرية أياه بالثمار الرطبة التي تساقطت بفعل الرياح، بعضهم
كان باسطاً ذراعيه مثل طائر منشدين أغنية المطر: “ما ترا تالي.. سكي سكي
ما تجي.. ما ترا تالي.. سكي سكي ما تجي” أيتها الغيوم صُبيّ.. إذا كنت
رذاذاً فلا تأتي.. فلا تأتي. عندما يفقد أحدهم توازنه يسقط منكباً على
الأرض في ضجة من ضحك البقية ويزداد الضحك كلما حاول النهوض فيجد نفسه
مشدوداً نحو الأرض والأكواخ والغابة تدور حوله في سرعة كأنها في سباق،
بعد انتهاء الدوار يعود إلى اللعب مرة أخرى.
ركض صديقا (أولير) طفلين في السادسة من العمر، يشدك ذاك البريق الذي في
عينيهما شداً، اتجها نحو خالتهما لتوقظه لهم حتى لا تفوته وليمة ما قبل
المطر، رفضت في حنو قائلة: “ليس من اللائق إيقاظ النائم، لأنه بحاجة إلى
ذلك وإلا لم ينم! أظهرا بعض الرضا عائدين إلى الشجرة كانوا في قمة نشوة
اللعب، كانت ضحكاتهم وشجارهم يصل متقطعاً إلى داخل الأكواخ مصاحبة معها
حفيف الغابة”.
زمجرت السماء كأن هناك كائناً يختبيء خلف الأفق مصدراً تلك الأصوات، مع
بداية الرذاذ اتجه غالبية الأطفال نحو أكواخهم ذات الجدر الدائرية رافعين
عقيرتهم بانشودة المطر، دائرين حول أنفسهم ساقطين على الأرض في براءة
تطغى على كل شيء حتى على عريهم، انهمك الصديقان في إلتقاط الثمار عازمين
على التقاط نصيب صديقهما النائم، كبر حجم القطرات الباردة التي كانت
تتفجر عندما تلامس جسميهما، الرياح تعطس بكل شيء أيضاً هناك المزيد من
الثمار، وذلك الكائن خلف السحب يصدر أصواتاً مكتومة مصاحبة لبريق قوي.
هرولت أم “أولير” إلى الداخل حاملة بعض الأخشاب الجافة وقد بللها المطر
حتى التصق ثوبها بجسدها النحيف، أمرتها الجدة قائلة: أخلعي هذا الرداء
الأحمر ألا ترين هذه الصواعق؟! حينها كانت ترقد حفيدها على جتله حتى لا
يستلقي على ظهره.
فجأة انفجار هائل، ثم برق طويل يخطف البصر، كأن هناك من امسك بتلابيب
السماء ومزقها إلى شطرين، تلجمت القرية وهي تستمع إلى ذلك الطنين الذي
ينزلق في دهاليز آذانهم، والكل على يقين تام بان هذه الصاعقة قد وصلت
الأرض لا محالة.
استيقظت القرية من بياتها الرعبي على ولولة النسوة اللائي كانت أكواخهن
تحيط بالشجرة، الشجرة التي انشقت من المنتصف تماماً، نصف مرمي يتصاعد منه
دخان يتراقص في خبث، والنص الآخر ينزف دماً أخضر، كأن هناك فأساً هوى من
السماء ليرسم ذلك الذهول المخيف، ذهول الحياة عندما تنتزع فجأة، صرخت
احداهن منبهةً القوم على أن هناك طفلين تعرضا لضربة الصاعقة، تبعثر الجمع
للبحث عن الجثتين لابد أن الصاعقة قد القتهما بعيداً عثروا عليهما التفوا
حولهما ينظرون في رعب إلى ذلك الشريط الأسود الذي يمتد من رأسيهما إلى ما
بين فخذيهما، شريطاً يوضح ذلك الاحتراق المفاجيء كأنهما انشطرا وتم
لحامهما مرة أخرى، ثم ثمار متفحمة التصقت على كفيهما الصغيرتين.
كانت الفاجعة تلجم الأمهات، حتى تلك الدموع التي تقف في المقل تأبى ان
تنحدر، كن يضربن على صدورهن وبطونهن التي انجبت وارضعت من ستأخذه
الصاعقة.
هدأت السماء معلنة رضاها بهذا القربان، تبعثر الرجال، أسرع احدهم إلى
فناء الرقص ساحباً أكبر الطبول ضارباً عليه برتابة معلناً النبأ في كل
القرية والقرى المجاورة، بعد قليل انحدر الناس من كل مداخل القرية مشاركة
في العزاء.
النسوة تراقبن أم الطفلين كانتا تتدحرجان على الأرض حتى لا تؤذي أحداهما
نفسها، تم تمديد الجثتين والقاء ورق الموز عليهما لحين تجهيز القبر..
قبراً موحداً خلف أكواخ والدتا الطفلين.
تفلت جدة أولير لعاباً داكناً بفعل التمباك على راس حفيدها المحبوب
قائلة: أشكر من جعلك تنام في هذا الوقت بالذات فقد انقذك النوم من موت
محقق، ويعلم الله إذا مت لكنت لاحقة بك لا محالة لذا ستنام كلما بدأت
الأمطار في الهطول مدى حياتك، خرج “أولير” داعكاً عينيه وهو يسمع نواح
النسوة، ألقى نظره على ورق الموز محاولاً اختراقها في فضول طفولي عنيد،
حاولت أخريات دفعه بعيداً، وأخريات أزددن عويلاً ودحرجة على الأرض، خاصة
والدتا الطفلين، وسط دهشته تلك كان صوت الرعد يقترب والسحب تحبو بثقل على
جدار السماء برقت السماء فجأة مصدرة رعداً منتزعة الجثتين من تحت ورق
الموز، والقتهما بعيداً كأنها تكشف لاولير ما حاول الأهل اخفاءه، صرخت
النسوة وأخريات ركضن صوب اكواخهن، شرعت الجدات بفعل بعض الطقوس لزجر
الصاعقة، كن ينثرن الماء والتراب في كل الاتجاهات، وأكبرهن سناً كانت
تقول: أهدئي ايتها الصاعقة.. أهدئي ايتها الأرواح.. يجب أن تعلمي بانك
فطرتي قلوبنا.. فيكفي ذلك دعي الطفلين بسلام.. وهيا أرحلي.. أرحلي بعيداً
خذي دماء ضحاياك بعيداً.. بعيداً عن هنا.
هدأت السماء كانها سمعت هذا الرجاء الأقرب إلى اللوم، ارتمى “أولير” في
حجر جدته باكياً مرتعد الأوصال وذاك الشريط الأسود يتقافز أمام عينيه،
هذا يعني الموت! موت صديقيه يعني انهما لن يلعبا معه لعبة الاستخباء،
الموت يعني انهما لن يزجرا الطير من المزارع وهم يعلمون الببغاوات
الشتائم المصاحبة لأسماء أصحاب مزارع الفاكهة البخلاء الذين لا يسمحون
لهم باكلها، ويغرقون في الضحك عندما يسمعون صاحب الاسم يتبادل الشتائم مع
الببغاوات مرشقاً إياها بالحجارة، خلال تجهيز القبر كانت الجثتان تنتفضان
مع كل خطفة برق تحت ورق الموز، ارتدت والدتا الطفلين جلود حول عورتيهما
تعبيراً عن الحزن، تم الدفن في صمت مهيب إذ يجب أن يتم الدفن دون بكاء،
أطبق السكون على المكان سوى من تنهدات أولير في حجر جدته وهو يراقب قملة
ضخمة تزحف بتكاسل ثم تختفي بين طيات تنورتها.
أمطرت السماء مرة أخرى بعد الدفن، وصوت الرعد يبتلع نواح النسوة المتعب،
ابتل القبر، والصاعقة لا تريد ترك ضحاياها كما طلبت منها الجدات، كأنهما
مشدودان نحوها بخيوط خفية، كلما ارعدت كان القبر يرتفع ويخمد مع زجر
الجدات واستنكارهن، استمر ذلك عدة مرات، فتبدو الأرض كأنها تتنهد وهي
تحاول التمسك بجزئها الذي عاد، الجزء الذي تحاول السماء انتزاعه، رميه في
العراء، صاحب هذا الصراع تشقق القبر كما التربة الخصبة.
ماتت الجدة بسرها، كبر (أولير) ان يغرق في لعنة جدته كلما هطلت الأمطار،
وفي نومه كانت الاحداث تتواتر على ذهنه، كان يعيشها كأنها تحدث الآن،
أحياناً كان ياتي محمولاً على كتف اصدقائه عندما ينام في رحلة صيد أو أي
مكان آخر، كانت أمه تراقبه وتوصيه بانه إذا أحس بقرب المطر يجب أن يعود
إلى البيت، و لكنه كثيراً ما يندمج مع اصدقائه ينسى حتى تداهمه الأمطار
وسرعان ما ينام لتعود به الذاكرة اللعينة إلى عمر السادسة.
كان قوياً لا يعجزه شيء من ما يفعله الشباب، يرقص بكل طاقته فينال بذلك
إعجاب الفتيات اللائي يتدافعن ليراقصهن، يجيد السباحة كأنه من سكان
النهر، يتسلق الأشجار مثل قرد، الكل يستقبله باستحسان لسماحته مع الكل،
كان عيبه الوحيد النوم عند هطول المطر، نمت مكان القبر شجرة “عرديب” أكثر
ضخامة من تلك، ذات ثمار حلوة، الكل يأكل منها عدا أولير الذي كان يرى فيها
لمعة عيني صديقيه، يلمح في تمايل أغصانها مرحهما وشقاوة طفولتهما، فهي
وليدة ثمار كانت له، ثمار انطوت وتغذت عليهما، فكيف ياكل صديقيه؟! ألن
يشتم رائحة دمائهما المحترقة التي ستلتصق في مؤخرة حلقه للأبد؟ كان يحاول
النسيان عندما تعفو عنه السماء ولكنه..! اخذته أمه للعرافة شاكية ما يصيب
ابنها عند هطول المطر، كانت العرافة معطية ظهرها لهم وجسمها مليء
بالأحجبة والتمائم، أحس “أولير” بالتقيؤ عندما اخترقت تلك الروائح
الغريبة انفه، واضطرب عندما لمح ثعباناً كبيراً يقبع في قرعة كبيرة، وقرعة
أخرى مليئة بالدماء وطائر غريب يصدر أصواتاً آدمية، نطقت العرافة باسمه
كانها تعرفه عن كثب وسالته بما يحس به أثناء هطول المطر حكى لها كل شيء،
بعد ذلك أصدرت بعض الأصوات المخيفة والأبخرة تتصاعد نحو السقف المخروطي،
أعطت الأوامر للطائر الغريب الذي طار خارجاً ثم عاد بعد قليل ليخبرها بان
الجدة هي التي لعنت حفيدها خوفاً عليه، طلبت العرافة معزة سوداء وبقرة
حلوب، على أن يتم العلاج غداً صباحاً قبل شروق الشمس.
خرج “أولير” من ذلك الكوخ والعرق يتصبب منه في غزارة وتنفسه اللاهث يلفح
أنفه، كان اصدقاؤه في انتظاره في فناء الرقص، سألوه عن ما دار طمأنهم بان
العلاج سيتم غداً صباحاً قبل شروق الشمس أطلق بعضهم صيحات فرح وآخرون
احتضنوه تعبيراً عما يجيش في دواخلهم من خير تجاهه، كانوا على استعداد
لرحلة صيد في الغابة، حملو الرماح والفؤوس والسكاكين، خرجوا من القرية
تاركين خلفهم النسوة منهمكات في إعداد الطعام “والمريسة” المصنوعة من
الذرة النابت في جو احتفالي.
اختفت القرية في خضم من الخضرة، وقد توغلوا أكثر نحو الغابة، يغنون أغاني
زنجية مشبعة بكلمات القوة والشجاعة ناسين بذلك قسوة المسافة والحشائش
المؤذية بدأت الحيوانات البرية تظهر وتختفي بين الحشائش الطويلة وهم
يزدادون حماساً وحذراً، في قمة نشوتهم تلك تلبدت السماء بالسحب، وذلك
الكائن خلف الأفق يصدر زئيره، ارتبك “أولير” وقرر العودة، علم أصدقاؤه
السبب قائلين لن تعود فان القرية على مبعدة من هنا وسوف تصادفك الأمطار
في الطريق، لذا يجب أن تكون معنا، فلا تنزعج إذا نمت، عموماً فهو آخر يوم
لهذه اللعبة فدعنا نستمتع ونحن نرفعك على اكتافنا للمرة الأخيرة، فلن
نحملك بعد اليوم، ضحك الجميع وفي عيونهم ذاك البريق الصادق الذي يؤكد
حبهم له.
اعترضهم نهر كبير ينحدر من قمة جبل عالٍ ذا مياه قوية، قرروا اجتيازه إلى
الضفة الأخرى، لأن الحيوانات الكبيرة تقبع هناك مثل الجواميس والغزلان
والأفيال.. سألهم “أولير” عن اجادتهم للسباحة منبهاً إياهم إلى قوة
اندفاع النهر، استعرض بعضهم عضلاته مؤكدين قدرتهم وآخرون أظهروا عدم ثقتهم
بأنفسهم، كانت نتيجة ذلك أن قسمهم “أولير” إلى فريقين، ألقى الفريق الأول
بأنفسهم في النهر و”أولير” خلفهم للانقاذ، كان يساعد من يفقد السيطرة على
الأمواج، حتى أوصلهم الضفة الأخرى، عاد كأنه يسبح في الهواء، ليفعل المثل
مع الفريق الثاني، ثم عاد لأخذ بعض الرماح والأقواس والسكاكين والأسهم،
لبس الاقواس متقاطعة في صدره، غرس السكاكين في حزامه الجلدي حول خصره،
أمسك بالرماح والأسهم وقفز في النهر ضارباً الماء بيده وأرجله وهو في
سباق مع المطر، كان صوت أصدقائه المشجع يصله ضعيفاً مع هدير الماء، بدأت
القطرات تتقافز على سطح النهر ثم تذوب و”أولير” يشق الماء بكل قوته، ولكن
الأمطار انهمرت فجأة والبرق يرسم تصدعاته في السماء مرسلاً لهباً على قمة
الجبل، بدأت أطرافه تسترخي وهو يصارع أقوى أثنين، مياه نهر هائج ولعنة
الجدة، كانت الأمواج تتقاذفه مثل قطعة فلين، عندما تنهض فيه غريزة الحياة
كان يحرك يده التي ثقلت وصارت مثل هراوة كبيرة مشدودة نحو القاع، يحركها
كأنه ينفض عن ذهنه تلك الذاكرة التي بدأت تزحف مثل سم نحو عقله كان صوت
الرعد يصم أذنيه والبرق يعمي بصره، لا يسمع أصدقاءه الذين بهتوا عندما
ابتلعته الأمواج والنهر مثل حيوان ضخم يتقلب في مرقده مبتلعاً كل شيء حتى
جذوع الأشجار، و”أولير” في أحضان الطبيعة يتحول إلى طفل في السادسة يتنهد
في حجر جدته ذات الرائحة النفاذة وهو يراقب قملة تزحف متكاسلة ثم تندس
بين طيات تنورتها، وذلك اللعاب الداكن يثقل فروة رأسه، فأس يهوى من
السماء شاطراً شجرة إلى نصفين ثم نزيف دخاني وسائل أخضر، جثث تتدحرج وقبر
متشقق.
تركوه هناك نائماً الأبدية، غارقاً في لعبة جدته، والنهر ياخذه بعيداً
بعيداً عن أنشودة المطر، بعيداً عن القرية المحاطة بالغابة والسماء
بعيداً عن البافرا وورق الموز.