د.عمر القر اي تعقيب على كتاب محمد محمود " نبوة محمد التاريخ والصناعة-مدخل لقراءة نقدية" نشأة الدين :    لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل، شعباً من الشعوب، أو جماعة من الجماعات، أو قبيلة من القبائل، في مختلف الأماكن، والأزمنة، أقامت مجتمعاً خال تماماً من الدين .. فالدين بمعنى التعلق بكائن أعلى يعبد، ويتقرب إليه بالقرابين، وطقوس تؤدى، وأوامر ونواهي، توجه سلوك الافراد، لم يكن غائباً قط، في أي مجتمع من المجتمعات، فظاهرة الدين بدأت مع بداية المجتمع، في سحيق الازمان.

لقد وجد الإنسان البدائي الأول، نفسه محاطاً ببيئة قاسية، تحاصره بالعداوات التي تهدد حياته، في كل لحظة من لحظاتها، فقد كانت الحيوانات المفترسة، الجائعة، تهاجمه بالليل والنهار.. وكان يتخفى منها، ويبني بيته فوق الاشجار، أو في قمم الجبال، أو قعر الكهوف العميقة .. لقد إعتمد الإنسان البدائي على قوة ساعده، وحيلة عقله، ليواجه الحيوانات المفترسة، وسوء الاحوال الجوية، من البرد، والحر، والمطر، والجليد، وشح الطبيعة، وغائلة الجوع، الذي يقضي على حياة الآلاف من البشر ..

ولكن ما لم يستطع الإنسان البدائي مواجهته، هو قوى الطبيعة العاتية، المدمرة، التي تواجهه بقسوة مفرطة، وكأنها لا تحفل بموته أو حياته .. فالفيضانات الهادرة، تهلك الحرث، وتدمر المنازل، والنيران تشتعل بفعل الصواعق، فتحرق الغابات، وتقتل الحيوانات، والفارون الى قمم الجبال، تواجههم الزلازل، والبراكين، ويتدفق منها الحمم، الذي يحطم كهوفهم، ويودي بحياتهم، هذه القوى العاتية، تقتل الآلاف، وتشرد الباقين، فيجوبون السهول والبراري، ليستقروا من جديد، في وطن جديد، وفي أعماق قلوبهم خوف دفين ..

لقد شعر الإنسان البدائي الأول، إن قوى الطبيعة تختلف عن الحيوانات والبشر الآخرين، وأنه لا يستطيع مقاومتها، ولا بد له من أن يأمن شرها، ولهذا اعتبرها آلهه قوية، تطلب منه التسليم لها، والخضوع والإذعان، حتى يسلم من اذاها.. فقرب لها القرابين، وصوّر لها، الرموز التي يعبدها، ويتزلف إليها، وكان يطور في هذه الطقوس كل حين، ومن هنا نشأ الدين، التعددي الوثني، في الأرض، وتطور تصوره عبر الزمن، كما تطورت شعائره، وطقوسه، واختلف من شعب الى آخر.

وفي تلك المجتمعات البدائية، الممعنة في القدم، كان هنالك رجال حكماء، يستشيرهم الزعماء والقادة الاقوياء، الذين انتزعوا السلطة بقوة سواعدهم، ولكنهم مع ذلك، كانوا يفتقرون لحكمة أولئك الحكماء، وسندهم وتقديرهم الشعبي.. وكان الحكماء، رسل، مطاعون من قومهم، ولكنهم لم يكونوا أنبياء بالمعنى المعروف للنبوة، وإنما هم رسل العقول الراجحة، الى ذوي الجهالة والغفلة.. ومع تطور الدين، وتعقيد طقوسه، اخذت مكانة الحكماء تتأكد كسدنة للآلهه، ورعاة لبيت عبادتها، ومفسرين لاسرارها.. ثم اخذ البسطاء ينسبون إليهم رعاية الآلهه الخاصة، وتوسطهم بينها وبين سائر البشر، مما ألحق فيما بعد بتصور النبوة. ولم يكن كل ذلك يتم إلا بتسيير الإرادة الهادية والتي وجهت حياة الإنسان في كل مراحلها من وراء حجاب عقله بصورة غير مباشرة مثلما ساقت الحياة في مراحل عديدة يخطئها التصور بصورة مباشرة منذ أن خرجت المادة العضوية من المادة غير العضوية حتى ظهر الإنسان بشراً سوياً.

ولم يكتمل تصور الدين إلا بتصور الآخرة، وقد جاء هذا التصور من الاحلام .. فقد رأى الإنسان البدائي أخاه، أو صديقه، أو جاره، الذي مات، في النوم، وهو يقوم بنفس عمله، الذي كان يقوم به في الحياة، قبل وفاته، من صيد أو إلتقاط ثمر، أو غيره .. فقام في باله، أن هنالك مكان آخر، يعيش فيه أخوه، ولهذا حين عرف الإنسان دفن الموتى، كان يدفن معهم أدواتهم، التي يظن انهم يحتاجونها في تلك الحياة الاخرى .. ثم لما كان بعض الناس، يُرى في النوم، في مكان موحش، وقد بدأ عليه الخوف، والضنك، ويرى آخر، في مكان جميل، تحفه الاشجار الوارفه، والمياه، وهو في غاية السرور، أخذ مفهوم الحياة الاخرى يتبلور، باعتبارها مكان للجزاء والعقاب الشديد، لمن يعصى الآلهه، والنعيم المقيم لمن يطيعها .. وتبع هذا المفهوم، تصور ان الآلهه مطلعة على كل شئ، فلا يستطيع أحد ان يخدعها، ومن هنا، من تصور مراقبة الآلهه للناس، نشأ الضمير الإنساني، الذي يحمل الفرد، على مقاومة الشر والسوء في نفسه، ولو غفل عنه رقيب الجماعة، ولم يطله قانونها .. وعلى هذا الضمير نشأت قيم الاخلاق، منذ نشأة المجتمعات المستقرة. وكان الدين هو عمدتها، وموجهها.

 لقد كان الدين الوثني البدائي، مقدراً من الله، ومرضياً منه، لسنين طويلة، حتى تستعد البشرية، من خلال التطور، لدين التوحيد، الذي حصر الالوهية في إله واحد .. ولما كان تطور البشرية لا يسير في خط مستقيم، وإنما يسير كالموجة، بين ارتفاع وانخفاض، فإن دين التوحيد، قد يفارقه اصحابه، رغم تمسكهم بظاهر طقوسه، ويهبطوا به، حتى تكون الوثنية، التي يتمسك بها اصحابها في منطقة ما، أقرب منه الى الحقيقة !! ولهذا، فإن أبرهه الحبشي ملك اليمن، وهو مسيحي، حين قصد تحطيم الكعبة، وسار إليها بجيش ضخم، لا قبل لأهلها به، يتقدمه فيل عظيم أحضر لتولى مهمة هدم البيت، أرسل الله عليه طيراً أبابيل، فمزقت جيشه، وقتلته، وردت عدوانه عن الكعبة. وهكذا رفع الله قدر الكعبة، وهي يومئذ معقل الوثنية، ومحط عقيدة العرب، الذين كانوا يتوافدون عليها في كل عام، يقدمون الهدايا، والقرابين، والنذور، الى ما يزيد عن ثلاثمائة من الاصنام نصبت داخلها وحولها .. والذي يدقق النظر في الدين، الوثني، يرى من خلاله الإرادة المتفردة بالحكمة، وهي تسوق البشرية من خلال التعدد الى التوحيد. وعن ذلك يقول الاستاذ محمود محمد طه ( أولاً نقرر ان دين التوحيد، قد كان ظاهراً في دين التعدد، منذ نشأة الدين عند الفرد البشري قبل نشأة المجتمع .. فقد كان لكل فرد في الأسرة إلهه – للأب وللأم وللأبناء البالغين وغير البالغين-ولكن آلهتهم جميعاً تخضع لإله الأب، كما يخضعون هم جميعاً له .. ثم أن الأسرة الواحدة قد نشأت منها أسر جماعة، ترجع الى رجل واحد هو جدها، ولهذه الاسر العديدة، رجل حكيم يأتمرون بأمره، ويذعنون لحكمه، ولإلهه تذعن آلهتهم، كما يذعنون هم له .. وهكذا سار التوحيد. رجل حكيم ذكي، يذعن له رجال قبيلته ونساؤها، ولإلهه تذعن آلهه رجال قبيلته ونسائها .. ثم ان القبائل تحترب فيما بينها، فتغلب قبيلة قبيلة، فتذعن القبيلة المغلوبة للقبيلة الغالبة، وتذعن آلهه القبيلة المغلوبة لآلهه القبيلة الغالبة، وهكذا سار التوحيد. ثم جاء عهد الملوك فتوجت القبائل شيوخها ملوكاً عليها، ليحموها وليقودوها الى النصر على اعدائها، الذين ينازعونها الأرض، وينازعونها المرعى، وينازعونها الماء، ويشنون عليها لغارات، فإذا انتصرت قبيلة بقيادة ملكها على قبيلة اخرى بقيادة ملكها، فإن الملك المغلوب يذعن للملك الغالب، وتذعن معه أو تذعن آلهته للآلهه الجديدة، ويتوحد الملك بين القبيلتين، ويتوحد الدين وهكذا يسير التوحيد .. ثم تطور عهد الملوك من ملوك القبائل الرحل، الى ملوك المدن المسورة المحصنة بالقلاع، وتطورت مع تطور الملوك، الآلهة، وتطورت الممالك من ممالك المدن، الى ممالك الدول الكبيرة، وتطورت الآلهة أيضاً، حتى جاء عهد الملوك الذين كانوا يرون أنفسهم آلهه، والملوك الذين كانوا يرون أنفسهم ابناء الآلهة، والملوك الذين كانوا يرون انفسهم ظلالاً لإله واحد، وهكذا يسير ا لتوحيد. ولقد جاء دين التوحيد من السماء، باتصال الملك جبريل بالبشر المرسلين، لتعليم الناس التوحيد، منذ آدم أبو البشر الحاضرين، وذلك عهد بعيد ممعن في البعد، ولكن دائرة دين التوحيد بهذا المستوى-مستوى رسالات السماء-قد كانت ضيقة‏.‏‏. وفي أثناء ذلك، خدم عهد الملوك دين التوحيد خدمة جلّى‏. وجاء مؤخرا الملوك الموحدون     “ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل، من بعد موسى، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله‏.‏‏. قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟؟ قالوا: ومالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله، وقد أخرجنا من ديارنا ، وأبنائنا‏.‏‏. فلما كتب عليهم القتال تولوا، إلا قليلا منهم‏.‏‏. والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا‏.‏‏. قالوا: أنّى يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟؟ قال: إن الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطة،    لعلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم” وكان في جند طالوت داوود ويقص الله علينا من خبرهم ” ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين* فهزمزهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء‏.‏‏. ولو لا دفع الله الناس، بعضهم ببعض، لفسدت    الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين” وخلف داوود سليمان ابنه فكان ملكاً رسولا‏.‏‏. وانتصر سليمان على بلقيس، ملكة سبأ، فجاءت مذعنة “قالت رب إني ظلمت نفسي واسلمت مع سليمان   رب العالمين” وكانت هي وقومها يعبدون الشمس، فتحولوا لما هزموا الى دين التوحيد، وهكذا يسير التوحيد. واستمر عهد الملوك‏.‏‏. ولماء جاء المسيح، ابن مريم، نبياً عبداً، رفضه اليهود، لأنهم كانوا ينتظرونه نبياً ملكاً‏.‏‏. ولقد جاء نبينا، فخير أن يكون نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً‏.‏‏. فانتصر بذلك للمستضعفين، في الأرض وبدأ عهد الجمهورية، من يومئذ، يدال له من عهد الملكية‏.‏‏. ولكن، لما كان الوقت لا يزال مبكراً لمجيء عهد الجمهورية، مجيئاً عملياً، فقد قال   نبينا “الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً” وهكذا كانت، على عهد معاوية، وإلى وقت قريب، وفي بعض البلاد الإسلامية، إلى يومنا الحاضر‏.‏‏. وبالثورة الفرنسية، في القرن الثامن عشر، بدأ عهد الجمهورية بصورة، عملية، وجريئة‏.‏‏. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وبنهايتها اتسع النظام الجمهوري، وتقلص النظام الملكي، في كل الأرض‏.‏‏. لقد جاء عهد الشعوب، وبدأ التاريخ يكتب من جديد، وهكذا يسير التوحيد)(محمود محمد طه: الديباجة ص 32)‏.

ولما كانت أديان التوحيد، قد جاءت في تطوروئيد، من الأديان الوثنية، فإنها لم تتخلص، تماماً، من مفاهيم وشعائر الوثنية .. لأن العقول لا زالت قريبة، من المستوى الذي تطورت منه، ولقد كانت الأديان الوثنية في تعددها، تعتبر الآلهه مثل البشر، بل تصورهم بشراً، وتنحت التماثيل على الصورة البشرية، وأحياناً تضع عليها رؤوس حيوانات، أو طيور، كناية عن القوة أو السرعة .. وحين  صورت الاديان الوثنية الآلهه وكأنهم بشر، نسبوا لها بعض نواقص البشر، وتآمرهم، وأحقادهم، وصراعاتهم، وذلك لأن العقل البشري البدائي، لم يستطع التجريد، والخيال، الذي يجعله يتصور به الإله، بعيداً كل البعد عنه..

‏‏    ولما جاءت اليهودية، كطليعة لأديان التوحيد، لم تتخلص من كل موروث الوثنية .. ولهذا جاءت قصص التوراة، التي تتحدث عن الآلهه، وعلاقتهم بالبشر، اشبه باساطير اليونانيين، الوثنيين، القدماء. وما كان للدين ان يخاطب الناس بما هو فوق عقولهم، وتصوراتهم ببعيد، ويخبرهم عن ان الله لا يشبه البشر، ولا يجوز عليه أخطاءهم ونواقصهم، حتى لا يشق عليهم، وينفروا مما جاءهم من الخير.

 وبدلاً من ان تسوق هذه الظاهرة، د. محمد محمود، ليرى وحدة الدين، وتطوره في تدرج، توجهه الحكمة، في مجاراة نمو العقل البشري، حتى يخرجه من وهم غليظ في تصوره لله،  الى وهم أدق وألطف، ظن ان التشابه بين اساطير الإغريق وقصص التوراة،  تدل على أن الأديان نفسها ضرب من الاساطير .. يقول د. محمد محمود ( وبلهجة لا تخلو من الشبه بلهجة الرب في التوراة يهدد الإله داغان حمورابي وحلفاءه ويعد “زمري لم” بالانتصار على اعدائه وحيازته على ممتلكاتهم) (ص 2). وفي اقتباس آخر، أظهر لغرض الكاتب، يورد لنا د. محمد محمود ما جاء في التوراة في سفرالملوك، حيث يروي النبي ميخا، حادثة فيقول (رأيت الرب جالساً على عرشه وجميع ملائكة السماء وقوف لديه على يمينه وشماله. فسألهم الرب من يغوي أخاب بالصعود للحرب فيموت في راموث جلعاد فأجاب هذا بشئ وذاك بشئ آخر. واخيراً خرج روح ووقف أمام الرب وقال انا اغويه. فسأله الرب بماذا؟ فاجاب اجعل جميع أنبيائه ينطقون الكذب. فقال له الرب انت تقدر ان تغويه فافعل هكذا. ثم قال ميخا للملك: الرب قصد لك الشر، لكنه جعل روح الكذب في افواه انبيائك هؤلاء فما نطقوا بالصدق… ويخبرنا  الكاتب التوراتي ان الملكين لم يابها بنصيحة النبي وخرجا للقاء أرام وانهزما شر هزيمة) (ص 6). إن غرض د. محمد محمود من ايراد هذا النص، وكثير من النصوص المماثلة، هو ان يقرأها القارئ المعاصر، فيقول: كيف يغوي الله البشر بدل ان يهديهم ؟؟ وكيف يجعل الانبياء الذين اختارهم وأرسلهم لهداية الناس كذابين؟؟ هذا تناقض كاف ليجعل المنطق يقرر رفض هذه الرواية، ويعتبرها بالفعل نتاج عقل الكاتب الذي كتب التوراة، ولا علاقة لها بالحقيقة .. وإذا استطاع د. محمد محمود أن يورد نماذج شبيهه من الانجيل والقرآن، يخلص الى ان كل ما زعمه الرجال الذين نعتبرهم انبياء، عن الله ليس حقيقة، وإنما هو مجرد خيال، ومادام هؤلاء الرجال، هم الذين أخبرونا اصلاً بوجود الله، فلماذا لا تكون القصة كلها مجرد رواية اسطورية، مثل روايات الإغريق القدماء، لا اساس لها ما دام ما ورد فيها يناقض المنطق؟؟

لقد ذكرنا أن الإنسان في المجتمعات البدائية، تصور الله  مثله، ونحت التماثيل له على صورة الإنسان .. وبالرغم من ان التصور قد تطور حين جاء عهد التوراة، إلا ان الإنسان ما زال يعتبر نفسه افضل المخلوقات، ولذلك لا يتصور الله إلا على صورته. وإن اختلفت الصورة قليلاً بسبب الفرق بين مجتمع وآخر، ففي عهد الملوك تصور الإنسان الإله كملك قاهر، يجلس على عرش كبير، حوله الملائكة مثل الجنود، يقفون بين يدي الملك .. ولأن رسالة الرسل في توكيد التوحيد، والعبادة، وتشاريع القيم والاخلاق، هي الأهم، فإن الله قد ركز عليها، وجارى وهم الناس في تصور الآله، وذلك حتى لا يشغلهم عن غرض الرسالة بأمر لا يطيقونه، خاصة وأن تصورهم مهما كان، سيظل قاصراً عن حقيقة الله . وهناك إعتبار آخر، أهم من هذا، سأخوض في تفاصيله فيما بعد، وهو أن الذات الإلهية، لا تدخل الزمان والمكان، إلا باعتبار التنزل.. وأن اول تنزل عن الإطلاق الى القيد، قد كان الإنسان، وهذا معنى قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).

والحقيقة العلمية، كما يقتضيها التوحيد، هي أن الله من حيث ذاته، منزه عن كل تصورات العقول، والى ذلك المعنى اشار تبارك بقوله (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فالله لم يتنزه فقط عن وصف الجهلاء، وإنما تنزه حتى عن وصف الأنبياء !! ولهذا قال ( وسلام على المرسلين)، يشير الى ان الله يغفر لهم وصفهم له للناس، حتى يعرفوه، ويؤمنوا به، وذلك لأنه فوق وصف الانبياء له، بما لا يقاس. وقوله ( والحمد لله رب العالمين) معناها هنا أن الله وحده من يستحق الحمد، لأنه هو وحده من يعرف نفسه، ولهذا ما كان لغيره أن يحمده، وهو لا يعرفه حق معرفته .. أما نحن، فحين نحمد الله، إنما يتقيد حمدنا وشكرنا بتصورنا له، وتصورنا لما انعم به علينا من نعم، وهو تصور قاصر قصوراً مزرياً، وما قبله الله منا، إلا ريثما يطورنا، فينقلنا الى تصور أفضل، وإن ظل قاصراً عن الحقيقة .. وذلك لأن المحدود، وهو العقل البشري، لا يمكن ان يحيط بالمطلق، وإنما قصاراه أن يتطور نحوه بالمعرفة، وهيهات أن يصل إليه.

فالنبي الذي ذكر في التوراة لا يرى الله إلا حسب تصوره، سوى أن كانت الرؤية يقظة أو مناماً، وما دام هو صادق، فإن الرؤية مستوى من الوحي يحتاج الى تأويل .. وسوف أناقش موضوع الوحي والتأويل، حين يجئ الحديث عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .. ولكن ما يهمنا هنا، هو ان الانبياء كانوا يتلقون بعض تعاليمهم، في رؤاهم، ويفسرونها، وبها يصلحون قومهم، فتكون جزءاً من رسالتهم .. والله من حيث الشريعة الظاهرة، لا يرسل رسلاً، ويأيدهم بالمعجزات، ثم يأمرهم بالكذب، أو السرقة، أو أي من معائب السلوك .. ولكن من حيث الحقيقة، يمكن ان يقول الرسل شيئا،ً ويغيره الله، لحكمة في تعليمهم هم، أو تعليم قومهم، فيظهر الرسل وكأنهم قالوا غير الحقيقة .. قال تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) فهذا من حيث الأمر التكويني، الأمر في الحقيقة، أما من حيث الأمر التشريعي، فإن الله لا يأمر بالفسق، قال تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .. فالقصة التي أوردها د. محمد محمود عن التوراة، قد تكون صحيحة، ويكون الله قد ساق كل تلك المسائل، لهزيمة الملك، لأن في هزيمته، تحرير لشعبه من ظلمه وبطشه .. ومن ما يجدر اعتباره أيضاً، ان ما يرد في التوراة أو الانجيل، لا يقارن بالقرآن .. وإنما يمكن مقارنته بالحديث النبوي، حيث المعنى موحى من الله ، والتعبير عنه من النبي، ولكن القرآن موحى بلفظه ومعناه .. ولقد كتبت التوراة في عهد قديم، كانت فيه الكتابة نادرة، والفهم قليل، والتصور بدائي، والمجتمع قريب من الوثنية، ومحتوش بها من جميع اقطاره .. ولذلك وقع في التوراة كثير من التحريف، والتغيير، الأمر الذي لا يرى في الانجيل، ولا يعلق بالقرآن.. ومن هنا، لا تستبعد الزيادات، وإلحاق بعض التفسيرات بمتن العهد القديم، لكل هذا، فإن الإعتماد على قصص التوراة، لنقد نبوة محمد، أو إعتبار الدين صناعة بشرية، محاولة سطحية، تفتقر الى عدم التعمق، في مراحل ومستويات الدين، وتصور التوحيد فيها، ولعل هذا يتضح أكثر، حين نناقش أمر النبوة، كما جاءت في القرآن الكريم.

د. عمر القراي