كاملا بهاسين العنوان أعلاه هو لكتيب يشرح  مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) ويجلي الغموض حول هذا المفهوم عبر الإجابة على أهم التساؤلات التي تدور حوله، وأهم ما يوضحه الكتيب هو ان (الجندر) مفهوم تحرري يهدف للعدالة وتغيير واقع التمييز واللا مساواة المبني على أساس الهوية الجنسية(ذكر او أنثى) مع كامل الاعتراف بهذه الهوية وخصائصها البيولوجية، ولكن ما يهدف إليه (الجندر) هو ان لا تكون هذه الخصائص البيولوجية أساسا للتمييز بين الجنسين في المكانة الاجتماعية ومن ثم الانتقاص من الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، لقد التصقت مفردة (جندر) بالنساء لانهن وفي مختلف بلدان العالم وعبر التاريخ تعرضن للتمييز السلبي وهو تمييز له تجلياته في مختلف الثقافات والعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية، مما جعلهن ولاسباب موضوعية في حاجة ماسة لمفهوم(الجندر) لكي يتحررن ويحققن العدالة، ولكن من الناحية المفهومية فإن (الجندر) يشمل الرجال كذلك، باعتباره يسعى للعدالة والمساواة. 

وعبر هذه السلسلة ننشر هذا الكتيب وهو من تأليف كاملا بهاسين، قامت بالترجمة الاولية الدكتورة فايزة نقد، و قام بترجمته النهائية وتحريره ومراجعته الاستاذ عبد المنعم الجاك ونشر بواسطة مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة.  

 

*ماذا تعنين تحديداً بعملية «المُسايَسة » داخل الأسرة، ومقدرة النساء على المساومة والتفاوض حول السلطة أو القوة طوال الوقت؟

كما تبين أعلاه، لا يتمتَّع أفراد الأسرة بقدر متساوٍ من المقدرة على الحصول على الموارد

والخدمات والفرص. وعلى ضوء اللامساواة هذه، يرى العديد من علماء الاجتماع أن الأسرة تعد مكاناً للمساومة والصراع، كما تعتبر مكاناً للتفاوض حول السلطة. يسمّي الاقتصادي المعروف أمارتيا سن ) amartya Sen ( مثل هذه العلاقات داخل الأسرة بنموذج التعاون والنزاع في آن واحد. أما بينا أجروال ) Bina Agrwal ( الاقتصادية الناشطة في المجال النسوي، فقد طوَّرت هذا المفهوم أكثر، إذ ترى أن الشؤون الأسرية أو المنزلية تعتبر مجموعة أدوار مركبة من العلاقات يجري فيها تفاوض بصورة مستمرة. ويخضع هذا التفاوض لقيود محكمة بواسطة النوع الاجتماعي “الجندر”، والعمل، ونوع العلاقة، إضافة إلى التقاليد الراسخة وغير القابلة للنقاش حولها. كما ترى أن التفاعلات القائمة

على النوع الاجتماعي “الجندر”، سواءٌ أكانت داخل الأسرة، أم المجتمع، أم في السوق، أم الدولة، تعتبر تفاعلات محمَّلة بكل عناصر التعاون والنزاع. فأي طرفين داخل هذا التفاعل يتفقان على التعاون لمصلحتهما ليكونا في وضع أفضل من حالة عدم التعاون.

وتشير بينا أجروال ) Bina Agrwal ( إلى خمسة عوامل لتؤكد على مقدرة الشخص الريفي، كمثال، في المساومة من أجل السلطة، وهو ما يعتمد في الأساس على وضعه أو وضعها المتراجع.

وتشمل هذه العوامل:

1. الملكية الخاصة والتحكم في الأصول، خاصة الأراضي الزراعية. 1

2. سهولة الحصول على الوظائف ووسائل الدخل الأخرى. 2

3. سهولة الوصول إلى الموارد المشاعة للجميع كساحات القرى والغابات. 3

4. الحصول على وسائل الدعم الاجتماعي التقليدي الخارجي. 4

5. الحصول على دعم الدولة والمنظمات غير الحكومية. 5

وترى بينا أجروال أن:

)هذه العوامل الخمسة تؤثر مباشرة على قدرة الشخص على تحقيق احتياجاته

المعيشية خارج الأسرة. وهو ما يعني منطقياً، أن مدى مقدرة الشخص على

البقاء خارج الأسرة ترفع من قدراته أو قدراتها في المساومة على السلطة، على

الأقل في علاقة المشاركة في الموارد المعيشية داخل الأسرة. فعدم المساواة بين

أفراد الأسرة، استناداً إلى هذه العوامل، يجعل بعض الأفراد في وضع أضعف في

عملية المساومة بالنسبة للآخرين. وعلى هذا الأساس، يعتبر النوع الاجتماعي

«الجندر » أحد أسس عدم المساواة كما هو الحال مع العمر() 02 (.

ولتأكيد هذه الرؤية يمكن تناول حالة المرأة كمثال. فمقدرة النساء على الحصول على

الأجر تكون أقوى عندما يكنّ في وضع أقوى على المساومة مقارنة بأعضاء الأسرة الآخرين، خاصة إذا كان دخلهن مخصصاً لمعيشة الأسرة. وهو ما يشبه حصولهن على المصادر أو سيطرتهن عليها، كالأرض، والمال أو أي ممتلكات أخرى، فهذا يقلل من اعتمادهن على الآخرين، ويمكنهن من التفاوض لأجل مكانة أفضل داخل الأسرة.

*كيف تؤثر هوياتنا الأخرى، مثل الدين، والطائفة، والطبقة، على النوع الاجتماعي «الجندر

والعلاقات القائمة على أساس النوع الاجتماعي؟

يجب التأكيد بدءاً أن لكل منا هويات متعددة. فمثلاً، إضافة إلى كونك امرأة، فيمكن أن

يكون الفرد هندوسياً ) Hindu (، من الطبقة الوسطى، ينتسب إلى الطائفة العليا أو الدنيا، وأن يكون متزوجاً)ة(، وغيرها من هويات. فتفاعل النوع الاجتماعي “الجندر” مع الهويات الأخرى يؤثر عليها ويتأثر بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، كما هو الحال في التأثر والتأثير بالعرق، التكوين الإثني، العمر، والحالة الاجتماعية. هذا التفاعل والتداخل يتيح رؤية أنه ليس كل النساء في المجتمعات خاضعات بالضرورة لكل الرجال. فالمرأة الغنية، مثلاً، وبسبب انتمائها الطبقي تكون في وضع يجعلها تسيطر على الرجال الذين يخدمونها في المنزل. ففي هذه الحالة تعتبر هوية المرأة الطبقية أكثر أهمية من هوية نوعها الاجتماعي “الجندر”. وفي حالات أخرى نجد أن المرأة من الطبقة أو الطائفة الدنيا تُستغل استغلالاً مزدوجاً من الرجل الذي ينتمي للطبقة والطائفة العليا. فمثلاً في بعض المجتمعات في الهند نجد أن العروس من الطائفة الدنيا يشترط عليها أن تقضي ليلتها الأولى كزوجة

مع مالك الأرض من الطبقة العليا. أيضاً نجد أن العلاقات القائمة على النوع الاجتماعي “الجندر” تتأثر بقوانين الأحوال الشخصية الموجودة، المستندة في أساسها على الديانات المختلفة، حيث نجد مثلاً قانون الأحوال الشخصية للمسلمين يسمح بتعدد الزوجات وحق الطلاق، من جانب واحد؛ للرجال. والقانون المسيحي لا يقر بأن الزنا بواسطة الرجل سبب للطلاق، كما أن القانون الهندوسي لا يسمح بتبني الأطفال من أبوين من ديانات مختلفات. إضافة لذلك، فالمعروف أن في كل القوانين الدينية تمييز لمصلحة الرجال في ما يتعلق بحقوق الامتلاك وفي الميراث.

وينعكس التداخل بين الهويات المتعددة للشخص وتأثيره وتأثره في النوع الاجتماعي

“الجندر” في مختلف صور العلاقات الجنسية، وفي القائم منها على الاستغلال والاضطهاد بصورة

خاصة. حيث أوضحت ماريا ميس ) Maria Mies ( هذه الصورة من التداخل قائلة.

)إنّ الاستغلال الجنسي، خاصة في شكل الاغتصاب، وسيلة تستخدمها الطبقات

الحاكمة لتأديب الطبقات المستغَلة، من أجل معاقبة مَن يثور من المزارعين

الفقراء والعمال الذين لا يملكون أراضٍ. لا يكتفي مُلاك الأراضي والبوليس

بضربهم وحرق أكواخهم، ففي كثير من الحالات تُغتصَب نساؤهم أيضاً. وإذا

ما سألنا لماذا يتم هذا؟ نكتشف أن معظم حالات الاغتصاب هذه ليست، كما

يُعتقد، نوعاً من تلبية للرغبات الجنسية المكبوتة لمن يقومون بالاغتصاب. فهي

في الحقيقة لا علاقة لها بالرغبة الجنسية إطلاقاً، ولا تمثل النساء هدفاً للعقوبة،

ولكن القصد منها النَّيل من رجال من الطبقات الفقيرة. إذ تُعتبر النساء في هذه

الحالة، الممتلكات الوحيدة للرجال الفقراء. واغتصاب نسائهم بهذه الطريقة

يعلمهم أن وضعهم لا يستند على أية قوة، وليس لهم أي ممتلكات. وتعتبر

هذه الاعتداءات الجنسية من جانب مُلاك الأراضي والبوليس ضد النساء

الفقيرات أحد الأسلحة التي يُجلد بها الرجال من الطبقات التي لا ممتلكات

لها، ولترسيخ النظام الموجود، أو لتدعيم علاقات السلطة أو القوة المستخدمة

في الريف. الأمر الذي يؤكِّد أن حكم الطبقة وقمع النساء يمثلان علاقة ذات

ارتباط وثيق. وهو ما يؤكد أيضاً مقولة «إن الرجل الذي يملك الأرض، يملك نساء

الأرض أيضاً 12()» (.

ومن عناصر تعدُّد الهويات التي تدخل في التأثر والتأثير على النوع الاجتماعي «الجندر »

يمكن الحديث عن الانتماء للمجموعات الإثنية أو العرقية. وإذا ما نظرنا إلى النساء من الطوائف العليا عموماً نجدهن أكثر تقييداً في حركتهن عن نساء الطبقات الدنيا. فهن مطالَبات بإبراز النقاء والتفوق الطائفي. فالملاحظ في العموم، أن الطوائف العليا تُعتبر أشدّ تعرُّضاً لهيمنة الرجل أو قابعة تحت النظام «الأبوي »؛ لأن الرجال مهتمون بنقاء الطائفة، وبقضية الميراث والسيطرة على الممتلكات، لذا نجد أن الأسر من الطوائف العليا تفرض القيود في الملابس وفي حركة نسائهم، وبذلك

يتحكمون في العلاقات الجنسية لنسائهم. أما الطوائف الدنيا، ولأنه لا يوجد نقاء طائفي يستوجب الحافظ عليه، فإنها لا تفرض على نسائها قيوداً مشابهة.

وإذا ما انتقلنا إلى الطبقة، كإحدى الهويات المؤثرة والمتأثرة بالنوع الاجتماعي «الجندر ،»

نجد أيضاً الاختلاف بين الوضع الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي للرجال والنساء الذين ينتمون لطبقات مختلفة، فهؤلاء الذين ينتمون إلى الطبقات البرجوازية أو الطبقات المالكة تتاح لهم فرص الحصول على الموارد الاقتصادية، والتعليم، والمعلومات، كما يسيطرون على المؤسسات الاقتصادية،والدينية والاجتماعية بطريقة لا يستطيع من ينتسبون إلى الطبقات العاملة الحصول أو الوصول إليها.

كما نجد أن هناك اختلافاً في الأدوار والمسؤوليات بين نساء الطبقة البرجوازية والنساء من الطبقة العاملة. وقد لاحظ فريدريك إنجلز ) Fredrik Engles ( أن هناك تبايناً مهماً بين المرأة البرجوازية والمرأة العاملة. فالمرأة البرجوازية – حسب تحليله – لا تعمل خارج الأسرة وتعتمد كلياً على زوجها، وهي ممتلَكة في ذاتها، يقتصر دورها فقط على إنجاب الورثة. وفي الجانب الآخر، فالمرأة من الطبقة العاملة حطمت الاضطهاد بعملها، وبالتالي اكتسبت بعض الاستقلال الاقتصادي. إضافة لذلك، نجد أن نساء الطبقة العاملة لا يُقيَّدن بالفصل الجنسي؛ لأنهن يدخلن مجال العمل والأماكن العامة من أجل كسب العيش. وقد لوحظ أن الأسر الزراعية الصغيرة لا تحبذ عمل النساء خارج الأسرة عندما تتحسن أحوالهم الاقتصادية. وعليه، فالنساء اللائي يقبعن داخل المنزل يعتمدن على غيرهن ويعشن

في عزلة، يعتبرن مثالاً أو رمزاً للوضع الاجتماعي في العديد من مجتمعات النظام “الأبوي”.

*هل يمكن توضيح المعنى من تقسيم أو توزيع العمل على أساس النوع الاجتماعي

«الجندر ؟»

يعود تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي «الجندر »، أو التقسيم الجنسي للعمل

إلى تخصيص أدوار، ومسؤوليات ومهام مختلفة بين النساء والرجال، تعتمد في أساسها على المفاهيم

القائمة في المجتمع حول ما يجب أن يقوم به كل من النساء والرجال، وما هم قادرون على القيام به بالفعل. حيث تخصَّص بعض المهام والمسؤوليات للبنات؛ وأخرى للأولاد، وللنساء، وأخرى للرجال، بناءً على أدوارهم التي يحددها نوعهم الاجتماعي وجنسهم البيولوجي، وليس بناءً على خياراتهم وقدراتهم. ولاختبار هذه الأدوار والمهام في علاقتها بتقسيم العمل على أساس النوع «الجندر ،» يمكن التعامل مع العمل والنشاط عبر ثلاثة أنواع للعمل والأنشطة، أو من خلال ثلاث مجموعات لأنواع العمل والأنشطة، تشمل:

الأنشطة أو الأعمال الإنتاجية، الأنشطة الإنجابية، والعمل أو النشاط

المجتمعي.

العمل الإنتاجي:

ويشير إلى نوع النشاط الذي ينتج البضائع والخدمات للاستهلاك والتجارة. وتعتبر كل

أنواع العمل والأنشطة في المصانع والمكاتب والمزارع ضمن هذه المجموعة. وهي الأنشطة الإنتاجية التي تعامل على أنها اقتصادية، وتُدرَج ضمن إجمالي الناتج القومي للبلدان. وبالرغم من أن كلاً من الرجال والنساء يشاركون في الأنشطة الإنتاجية، إلا أن الغالب هو تقسيم العمل بينهما على أساس نوعهم الاجتماعي؛ حيث يقوم الرجال بالأنشطة التي تتطلب مهارة أكثر، وتدرُّ أجراً أعلى، أما النساء فغالباً ما تكون أنشطتهن الإنتاجية امتداداً لما يقمن به من مهام منزلية. ففي المجال الزراعي مثلاً، نجد أن العمل الإنتاجي للنساء لا يتم عكسه اقتصادياً لاعتباره امتداداً للعمل المنزلي للنساء. لذا، تعامل أنشطة المرأة الإنتاجية وكأنها أقل أهمية وقيمة. هذا التقليل للأنشطة التي تقوم بها النساء، وهو ما ينعكس في كونهن آخر من يتم تعيينهن للعمل، يعود إلى التصور «الأبوي » القائل بأن الرجال هم الذين يكسبون قوت أسرهم، وهم أرباب هذه الأسر، وبالتالي فإن توظيف الرجال يجب أنيجد تركيزاً أكبر وأسبقية.

الأنشطة الإنجابية:

تشمل الأنشطة الإنجابية نوعين من الأنشطة؛ إنجاب بيولوجي وإنجاب اجتماعي.

فالإنجاب البيولوجي يعني عملية الإنجاب نفسها وولادة أناس جدد، وهو النشاط الذي لا تقوم

به سوى النساء. أما الإنجاب الاجتماعي فيعود إلى كل الأنشطة الضرورية في الرعاية والتربية التي تضمن البقاء والاستمرار. وتعتبر من الأنشطة الإنجابية كل النشاطات التي تولد وتعيد إنتاج العمل الإنساني. وتشمل العناية بالأطفال، والطبيخ، والتغذية، والغسيل، والنظافة، والرعاية، والنشاطات المنزلية الأخرى. وبالرغم من أهمية وضرورية كل هذه الأنشطة لحياة الإنسان، إلا أنها لا تعامل كنشاط إنتاجي أو عمل اقتصادي. وبالتالي تظل غير مرئية، وغير معترف بها ولا يوجد لها مقابل مادي. وهي فوق كل هذا، يقتصر في القيام بها في الأساس النساء والفتيات في كل أنحاء العالم.

العمل المجتمعي العام:

يعود العمل المجتمعي العام إلى كل أنواع الأنشطة الضرورية لتسيير وتنظيم حياة المجتمع،

ويشمل هذا، الإدارة والتنظيم والمشاركة في الاحتفالات الاجتماعية والثقافية، وتقديم الخدمات الاجتماعية، والتسهيلات مثل الطرق، والمدارس والعناية الصحية وغيرها من خدمات. ونجد أن كلاً من الرجال والنساء يشاركون في هذه الأنشطة، إلا أنه، ومثل كل مرة، تتم هذه المشاركة وفقاً للقيم المحددة بأن هناك أنشطة للذكور، وأخرى مخصصة للإناث.

ولهذا فإن تقسيم العمل القائم على أساس النوع الاجتماعي «الجندر » لا يقف عند

الأنشطة الإنجابية داخل الأسرة فقط، ولكنه يتم أيضاً في مجال الإنتاج والأنشطة والأعمال المجتمعية التي تجري أغلبيتها خارج نطاق الأسرة. الأمر الذي يؤكد أن تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي «الجندر » أصبح الآن مفهوماً أساسياً للحفاظ على ولتقنين عدم المساواة بناءً على النوع الاجتماعي، ولترسيخ اللامساواة أيضاً في فهم المفارقات القائمة على النوع الاجتماعي «الجندر .» »وبمرور الزمن يؤدي هذا التصور إلى تقسيم المهارات أيضاً على أساس النوع الاجتماعي «الجندر .»

ويتعلم على أساسه الرجال والنساء، والبنات والأولاد كيفية تجويد تلك المهارات الخاصة التي تناسب نوعهم الاجتماعي. وبالتالي، تصبح هناك مهارات ومقدرات مختلفة خاصة بالرجال وأخرى للنساء، كما هو الحال بمهارات للأولاد وأخرى للبنات.

ويؤدِّي تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي «الجندر » بهذه الطريقة إلى عدم

المساواة ووضع تراتب اجتماعي محدد سلفاً، وهو ما يستند على تقييم أعمال النساء والرجال، ومن ثم مكافآتهم على أسس متساوية لعدم تساوي مهاراتهم المحددة على ضوء نوعهم الاجتماعي.

ويتأكد هذا في معظم البلدان، حيث لا يُطبَّق عُرف الأجر المتساوي للعمل المتساوي، كما أن العمل المنزلي يعتبر من الأنشطة غير مدفوعة الأجر، وتعتبر النساء أول من يُستغنى عن خدماتهن إذا ما تعرضت مصالح العمل للتدهور الاقتصادي. ومن ناحية أخرى، يؤدي تخصيص مهام معينة للرجال؛ وأخرى مختلفة للنساء في هذه

العمليات الإنتاجية، خاصة الأنشطة الإنتاجية المنزلية، يؤدي إلى إظهار التحكم في المصادر وإنتاج العمل. إذ يلاحظ، بسبب تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي «الجندر »، أن الرجال يفترضون تحكُّمهم في الأرض، والتقنيات، والقروض، والسيولة الناتجة عن مبيعات الإنتاج. أما النساء، فعادة ما تكون العملية الإنتاجية التي يقمن بها لكفاية المعيشة، بينما يكون إنتاج الرجال بغرض التبادل التجاري وتحقيق الفوائد المادية.

بالرغم من أن تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي «الجندر » يؤدي إلى مختلف الصور من اللامساواة، كما هو الحال في تحديد النوع الاجتماعي «الجندر » للعلاقات والأدوار الاجتماعية، إلا أنه من الصعب الحديث عن التماثل أو تشابه تقسيم العمل بناءً على النوع الاجتماعي في مختلف البلدان. ففي كل الحالات يتم تحديد ذلك بناءً على ما تمليه الثقافة، والمكان والزمان وعلاقات النوع الاجتماعي في السياق المعين. ولمواجهة وتغير تقسيم العمل القائم على هذا الأساس في مجتمع ما، يعني ذلك إعادة النظر في ما تعنيه مكانة المرأة أو الرجل في ذلك المجتمع.

إضافة إلى ما سبق، قدمت كلاوديا فون ويرلوف ) Cludia Von Werlhof ( صورة متكاملة حول ترسيخ مفهوم تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي “الجندر” من خلال المجموعات الثلاث أعلاه لأنواع العمل والأنشطة؛ الأعمال الإنتاجية، والأنشطة الإنجابية، والنشاط المجتمعي،

بكل ما تنتجه من صور لعدم المساواة وعدم العدل بين الرجال والنساء. حيث ذكرت:

)لا يُقَدَّر عادة دَور المرأة في عمليتي الإنتاج أو الإنجاب بمنحِهِ قيمته الاقتصادية.

وحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ) UNDP ( بالتنمية البشرية للعام

1995 م، فإن مساهمة المرأة، غير المرئية وغير المدفوعة الأجر في العمل والإنتاج،

تقدر سنوياً بما يعادل 61 تريلون دولار أمريكي. إضافة إلى ذلك، فإن الرجل

وحده هو من يحظى بامتلاك المال، وكل ما يعطيه لزوجته لا يزيد على قيمة

المأوى والمعيشة. وهو ما يقوم به حيال عبده. أما الزوجة فلا يدفع لها نظير

عملها، ولا يوجد اتفاق عمل ينظِّم ساعات عملها المنزلي، أو ظروف عملها من

إجازات وأوقات راحة. وإذا ما تحدَّثنا عن عقد الزواج فهو لا يمثل أو يعادل

عقد العمل، حيث لا يوجد حق للإضراب عن العمل في عقد الزواج، ولا توجد

تنظيمات خاصة بربات المنازل. كما أن ربات المنازل لا يتمتعن بأي ضمانات

اجتماعية نظير عملهن المنزلي، ولا يجدن الحماية القانونية ضد طغيان وعنف

أزواجهن داخل المنزل. وكما هو معروف صعوبة الحفاظ على حقوق الإنسان

داخل المنزل لاعتبار العلاقات داخل المنزل من الشؤون الشخصية، وكما يُزعم

فهي لا تخص الآخرين حتى في حالات عدم ضمان السلامة الإنسانية. والزوجة،

على هذا الأساس، عليها أن تخدم وأن تطيع زوجها. وهو ما يعطيه الحق في

المطالبة بذلك أمام القضاء. ويمكن تلخيص وضع الزوجة بوصفها، عاملاً غير

مدفوع الأجر، في قنوع مستمر بخدمة زوجها على مدار الساعة وطوال حياتها.

وأكثر من ذلك، فحياتها تقع تحت رحمته بما فيها تفاعلها الجنسي، ومقدرتها

على الحمل، وتفاعلها النفسي وأحاسيسها. فهي مطالبة بل مجبرة على توفير كل

ما يحتاجه الزوج والأطفال، بما فيه إظهار الحب لهم، حتى وإن لم تكن في حالة

من الشعور بالحب حينها. وبهذا يصبح عملها نوعاً من الحب ويصبح الحب

عملاً. إن وضعاً كهذا ربما لا يكون دائماً غير محتمل، ولكن يستحيل التكهن بأنه

قد يصبح محتملاً() 22 (. وبغَضّ النظر عن التراتب الطبقي أو الطائفي في المجتمع، نجد أن النساء يؤدين الأعمال الوضيعة التي يؤديها عادة صغار العمال في المجتمع. فالنساء داخل أي أسرة يشكلن طبقة العمال، بينما يمثل الرجال الطبقة العليا. فدائماً ما يكون دورهن توفير الخدمات إلى أفراد الأسرة، وإن كنّ ينتمين إلى الطبقات البرجوازية أو أسر الطوائف العليا. إضافة إلى ذلك، كثيراً ما ينظر للنساء مثل خدم المنازل الذين يُعامَلون باعتبارهم غير نظيفين، ويفتقرون للنقاء والصحة الكاملة، وبالتالي يعتبرون غير مؤهلين للمهام العليا الروحية والدينية والتعليمية. وتعبيراً عن حالة النساء الدونية هذه، فإن الأعمال التي يقمن بها وتصنف بالوضاعة لا تعتبر ذات أهمية ودون قيمة تذكر، وهو ما

ينعكس في عدم تقدير عمل المرأة داخل الأسرة، حيث يعامل كنشاط غير مدفوع الأجر، وتُدفع فيه أقل الأجور عندما ينجز خارج المنزل. وكثيراً ما يكون عمل المرأة خارج المنزل امتداداً لعملها داخل المنزل. ومثال ذلك الأعداد الكبيرة من النساء اللاتي يعملن في رياض الأطفال، أو مدرّسات مراحل أولية، أو ممرّضات، أو مضيفات طيران. ومن الناحية الأخرى، نجد أن الوظائف التي تنمّ عن القوة والسلطة والتحكم في معظمها تكون وظائف رجال، أما الوظائف التي تعنى بالخدمات والتربية والرعاية فهي تعتبر حصراً على النساء. فالنساء بذلك يعتبرن خانعات داخل أسرهن، ويواصلن الخنوع عندما يخرجن للعمل خارج المنزل. أما الرجال، فهم دوماً في وضع القوة والسلطة والسيطرة على الأسرة، ويواصلون في ذات التحكم خلال عملهم خارج المنزل. وإن كان الرجال يتمتعون بأداء مهني أو وظيفي أعلى من النساء، فهو يعود إلى أنهم يتلقون تعليماً وتدريباً أفضل من النساء. وقد

صورت كلاوديا فون ويرلوف ) Cludia Von Werlhof ( هذا العبء المزدوج موضحة كيف تؤطِّر الأسرة والمجتمع النساءَ بواجبات وصور معينة يجب عليهن القيام بها، قائلة:

)كل ما يجب أن تفعله النساء يجب أن يؤتي ثماره، وأن يكون خيراً، كالهواء

الذي نستنشقه. وهذا لا ينطبق فقط على إنجاب وتربية الأطفال، ولكن

على كل المهام المنزلية، والعمل المأجور، والرعاية العاطفية التي تبذل حيال

الزملاء، والصداقة، وأن يكن دائماً في خدمة ومتناول الآخرين، ويعملن على

تضميد الجراح، وأن يكن مستعدات جنسياً، وقادرات على وضع كل الأمور في

نصابها الصحيح، ولهن المقدرة على تحمُّل المسؤولية، مع التضحية والاهتمام

دون تبجُّح مع إنكار للذات، وأن يكون لديهن الاستعداد على التكيف لخدمة

الآخرين في كل الأمور، بما فيها الانسحاب والتقوقع وعدم الظهور مع التواجد

المستمر، أو كما يعرف ب »السالب النشط المتواجد »، الذي يجر العربة من

الوحل بصبر وتحمل وصرامة الجندي. كل هذا ينعكس في ما يتضمن مقدرة

المرأة على العمل والعطاء() 32 (.

أما فاسانث كانابران ) Vasanth Kannbiran ( فهي تشير إلى تجربة الحكم في أفغانستان

كنموذج مختلف لتقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي “الجندر”، وتذكر قائلة:

)عندما استولت قيادة طالبان على السلطة في أفغانستان، كان أول تعليماتها

التي أصدرتها أن على الرجال أن يرتدوا الطواقي والعمامة وأن يطلقوا لحاهم،

على أن تغطي النساء أجسادهن وأن يبقين قابعات داخل المنازل، وأن يمنعن

عن العمل واستخدام الحمامات العامة. والملفت للنظر في تجربة طالبان هو

الربط بين النظام السياسي الجديد، ونظام العلاقات الجديد الحاكمة للنوع

الاجتماعي «الجندر »، وتقسيم العمل المستند عليه والذي تم فرضه من قبل

قيادة طالبان. وما يتضح من هذه التجربة أن تقسيم العمل على أساس النوع

الاجتماعي لا يعتبر بنية مختلفة قائمة بذاتها، بقدر ما يعتبر جزءاً من نظام

متكامل للإنتاج والاستهلاك والتوزيع تم تشكيله في كلياته بناءً على تصورات

النوع الاجتماعي «الجندر 42()» (.

وتقترب ماريا ميس ) Maria Mies ( في رؤيتها لتقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي “الجندر” من التحليل لبنية المجتمع. فهي ترى أنه لا يجب أن ننظر إلى حقيقة تقسيم العمل المؤسّس على النوع الاجتماعي “الجندر” من داخل الأسرة فقط. فهو في واقع الأمر يعتبر مشكلة بنيوية متخللة المجتمع في كلياته. فالتراتب في توزيع العمل بين الرجال والنساء، وحركية تفاعلاته

تشكل جزءاً مكملاً لعلاقات الإنتاج السائدة. بما يعني تفاعل العلاقات الطبقية في فترة محددة في

مجتمع ما، مع التقسيم الواسع للعمل على المستويين الوطني والعالمي) 52 (.

أما جوان كيلي ) Joan Kelly ( وهي مؤرّخة للحركة النسوية، فهي ترى ضرورة النظر إلى علاقات الملكية القائمة، وعلاقة النساء بالعمل كمحددات أساسية في تقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي “الجندر”، وللنظام الجنسي ككل. وتخلص جوان إلى أنه، كلما كانت مجالات العمل المنزلي والعمل العام مختلفة، أصبح أكثر وضوحاً التمييز بين العمل والملكية كنوعين متمايزين. وعلى هذا التمييز تتضح الصورة القائلة بوجود نظام إنتاج للمعيشة والاكتفاء، وهناك نظام إنتاج آخر للتبادل التجاري، وهذا ما يؤثر على تقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي “الجندر”.

وإذا استخدمنا لغة الإحصائيات للحديث عن تقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي

“الجندر”، فإننا نجد أن النساء – عالمياً – يشغلن نسبة 14 % فقط من الوظائف الإدارية العليا، كما جاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية البشرية للعام 1995 م. كما أن نسبة رواتب النساء للرجال في الولايات المتحدة تعادل 5:3 . وهي النسبة التي لم تتغير خلال المائة سنة الأخيرة. إضافة لذلك، فإن النساء يشكلن نسبة 70 % من الفقراء والأكثر أميةً في العالم.

*لكن أغلب الناس يعتبرون تقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي «الجندر » أمراً يتم تحديده طبيعياً، ويستندون في ذلك على أن النساء ينجبن ويرضعن الأطفال. ألا يؤكد هذا أنهن أفضل استعداداً وتهيئة لأعمال الرعاية والتنشئة؟

إن استخدام اصطلاح «أفضل استعداداً وتهيئةً » يثير الاهتمام في هذا السؤال. ففي البدء

يجب التأكيد أن للمرأة ما يميزها من رحم وثديين، ولكن هذا لا يعني أن النساء أفضل استعداداً وتهيئة. ولهن إمكانات جسمانية إضافية للعناية والرعاية والنظافة. وعليه، ما يُعتبر طبيعياً؛ بأن عليهن رعاية الجميع، يظل افتراضاً غير مؤسس. وعلينا أن نتذكر دائماً أن الرجال لهم المقدرة على الطبخ والنظافة والغسيل، خاصة عندما تكون هذه الأعمال مدفوعة الأجر. الأمر الذي يعني أن المقدرة على فعل أو عدم فعل أي نشاط أو عمل إنتاجي لا يمكن أن يكون أمراً يتم تحديده بيولوجياً أو طبيعياً. ولكن لأن الناس يميلون إلى الاعتقاد بأن علاقات النوع الاجتماعي «الجندر »، وتقسيم العمل الحالي تعود في أساسها إلى الطبيعة وإلى التكوين البيولوجي للنساء، يجدون صعوبة في التفكير أبعد من التكوين البيولوجي، وهو ما يبدو لهم مريحاً، وأكثر سهولة في تفسير الأشياء، بإعادتها إلى

الطبيعة، بدلاً عن إثارة التساؤل والتحدي حول مَيز النظام «الأبوي ». وهو التفكير المشابه لأن تغسل يديك وترفعها عن أي مسؤولية. ففي كثير من الندوات حول النوع الاجتماعي «الجندر » لاحظنا أن الرجال غالباً ما يبدون منزعجين ويثورون ويحرّضون عندما نوضح أن النوع الاجتماعي «الجندر »

يُشَكَّل اجتماعياً، وأن العلاقات القائمة على النوع الاجتماعي «الجندر » وتقسيم العمل كلها أمور لا تعود إلى الطبيعة في شيء. وعلى هذا الأساس، فإن التحدي المستمر للحركة النسوية والعمل السياسي لمجموعات المرأة يتمثل في العمل من أجل إنهاء اللامساواة القائمة على الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء. ويمكن الاستناد في ذلك على عدد من الأمثلة في العديد من المجتمعات التي شهدت تغييراً في ما يعرف بالفوارق الطبيعية، وهو التغيير الذي صحبه تغيُر في علاقات تقسيم العمل.ّّ